ولن يكون الإنسان خليفة الله على خليقته الا إذا اتسع قلبه للحب المطلق لكل صورها والوانها وكان تصرفه فيها تصرف الحكيم الذي يصلح ولا يفسد. ولا يعيق الحب في القلوب مثل الخوف. فالخوف هو الأب الشرعي لكل الآفات التي ايف بها السلوك البشري في جميع عصور التاريخ..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)




قضية بورتسودان
البداية والنهاية

تأجيل قضية بورتسودان ومواقف النائب العام المتناقضة

تأجيل قضية بورتسودان
ومواقف النائب العام المتناقضة

قرر قاضي جنايات بورتسودان تأجيل القضية لتاريخ يحدد في وقت لاحق، وذلك على أثر طلب مؤرخ في 23/9/1975، تقدم به وكيل نيابة البحر الأحمر يلتمس فيه تسليمه أوراق القضية حتى يتمكن من إرسالها للخرطوم، ذلك لأنه ينوي إضافة المادتين (105) و(106) من قانون العقوبات، واللتين تقتضيان الحصول على إذن خاص من رئيس الجمهورية، أو من يفوضه إذ أنه لا يجوز تقديم أى شخص للمحاكمة بموجبهما مثل الحصول على هذا الإذن كنص المادة (131) من قانون الإجراءات الجنائية..
قبلت المحكمة هذا الطلب، وسلمت الأوراق لوكيل نيابة البحر الأحمر، ولما كان التاريخ المحدد للسير في إجراءات القضية هو يوم 11/10/1975م، رأت المحكمة تأجيل القضية لأجل غير مسمى، حتى يتمكن النائب العام من إكمال الإجراءات المشار اليها أعلاه، ثم بعد ذلك تحدد المحكمة تاريخا جديدا باتفاق الأطراف المعنية..
هذه هي المعلومات التي تحصلنا عليها من قاضي محكمة الموضوع..
والجدير بالذكر أننا لم نعلم بهذا التأجيل الاّ قبل يومين من سفرنا، وبعد إن إكتملت كل الإستعدادات للسفر، ولقد علمنا بذلك بصورة غير رسمية، من الأخ بكري الحاج، "أحد المتهمين في القضية"، والذي سعى بنفسه للحصول على هذه المعلومات من سلطات المحكمة... أما الأخبار الرسمية فقد كانت تفيد بقيام القضية إذ أن محكمة بورتسودان قد أرسلت تلغرافا لجنايات الخرطوم بتاريخ 24/9/1975م – أى بعد يوم من طلب وكيل النيابة، ولقد أخطرتنا جنايات الخرطوم للمثول أمام المحكمة في تاريخ القضية، أي يوم 11/10/1975م.
أيضا إتصلنا بوكيل نيابة البحر الأحمر الذي أفادنا بنفس المعلومات التي تحصّلنا عليها من قاضي جنايات بورتسودان، وأضاف بأنه قد تقدم بهذا الطلب على أثر خطاب ورده من السيد المدّعي العام يطلب فيه إرسال أوراق القضية للخرطوم بعد تدوين إتجاههم للمادتين (105)، و(106) في محضر القضية، ولقد أرسل هذا الخطاب بتاريخ 13/8/1975م إلاّ أنه لم يصل الى بورتسودان الاّ بتاريخ 22/9/1975م.
هذه هي الملابسات الى أدت لتأجيل القضية.. وهي تدل، أكبر الدلالة، على التناقض الذي وقع فيه النائب العام.. وتشير الى الأصابع التي كانت تحركه وتستغله لمصلحة القوى المتخلفة أو التي كانت تسعى بكل الوسائل، للحصول على إدانة ضد الجمهوريين، بغية الحصول على سبب يساعدها في تآمرها لحمل السلطة على إيقاف نشاط الجمهوريين.. إن القول بأن النائب العام قد دفع دفعا للتدخل في قضية بورتسودان قول لا يحتاج الى دليل.. ذلك أن هذه القضية، بعد أن اكتمل فيها التحري، قد ظلّت حبيسة ديوان النائب العام لشهور عديدة، دون أن يفكر النائب العام في اقتراح إضافة المادتين (105)، (106) من قانون العقوبات للمواد التي تقدّم الشاكي إبراهيم جاد الله بشكواه تحتها.. وعندما أعاد ديوان النائب العام القضية لمحكمة جنايات بورتسودان للاستمرار في محاكمتها أضطر الشاكي لإنابة الأستاذ عثمان عبد الهادي المحامي لتمثيل الاتهام، لأنه ظهر للنائب العام، في ذلك الوقت، أن موضوع القضية موضوع شخصي، ولا يوجد مبرر يجعله يقوم بتمثيل الاتهام.. وفعلا استمر النائب العام بعيدا عن القضية حتى قدم الاتهام كل شهوده، وقفل قضيته.. ثم جاء تدخل النائب العام المفاجئ في صورة طلبه لأوراق القضية، وبعد قراره بان يطلب من المحكمة توجيه اتهام تحت المادة (105)، (106) من قانون العقوبات..
وبما أن طلب النائب العام لم يقدر له أن يقدم في المحكمة، ويناقش فيها، بعد رد الدفاع عليه، فإنه لم يصدر عن النائب العام ما يمكن أن يعتبر سببا معقولا لتدخله المفاجئ في القضية، الاّ أنه، وفي النهاية، وبعد ان جاء التوجيه للنائب العام من السلطة التنفيذية بالانسحاب من قضية بورتسودان، ذكر (النائب العام) في خطابه لوكيل نيابة بورتسودان أن تدخله كان عن طريق الخطأ.. وأن موضوع القضية، موضوع شخصي.. وعندئذ فقط تنازل الشاكي إبراهيم جاد الله عن شكواه، تحت المادة (437) من قانون العقوبات ذاكرا أن موضوع الشكوى ليس شخصيا، ولم يكن موجها له شخصيا..
بعد أن تم تأجيل القضية بهذه الصورة عاد الأستاذ محمود محمد طه ومرافقوه من الأخوان الجمهوريين الى الخرطوم لمواصلة جولة أخرى من جولات هذه القضية.. وقد كانت تلك هي الجولة الأخيرة..