((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




قضية بورتسودان
البداية والنهاية

تدخل النائب العام مؤامرة لإنقاذ القضاة الشرعيين

تدخل النائب العام مؤامرة لإنقاذ القضاة الشرعيين


منذ أن عاد الجمهوريون للخرطوم من بورتسودان في يونيو 1975 تصّعد النشاط، وتكثفت حركة النشر، والتوزيع، بصورة لم يسبق لها مثيل، فتم طبع وقائع القضية بالإضافة الى العديد من الكتيبات التي بسّطت الفكرة، وكشفت زيف الدعوة السلفية الأمر الذي انزعجت له كل قوى التخّلف، والظلام، فسعوا، هذه المرة، لمكيدة أخرى، افتنّوا في حبكها، ولكنهم: "كلما اوقدوا نارا للحرب أطفأها الله"..
كانت المؤامرة الجديدة هي استغلال ديوان النائب العام ليزج بالسلطة السياسية لتتولى الاتهام في القضية بعد أن فشل القضاة الشرعيون فشلا مشهودا..
بعث النائب العام بخطاب لوكيل نيابة البحر الأحمر بتاريخ 13/8/1975 يوضح له فيه أنه قد صدر الأمر بأن يتولى النائب العام تمثيل الاتهام في قضية بورتسودان بإضافة المادتين (105) و(106) من قانون عقوبات السودان.. والجدير بالذكر أن المحاكمة بموجب هاتين المادتين تقتضي إذنا خاصا من السيد رئيس الجمهورية أو من يفوّضه كنص المادة (131) من قانون الإجراءات الجنائية..

الجمهوريون يواجهون النائب العام
ويكشفون أبعاد التآمر الجديد


إن نص المادتين المقترحتين يجري كما يلي: -
المادة (105)
(كل من يقوم، أو يشرع في القيام بأي فعل يؤدي، أو يحتمل أن يؤدي، الى إثارة معارضة غير مشروعة للحكومة، أو إثارة شعور الكراهية، أو الإحتقار ضد الدولة، أو ضد أى من مؤسساتها الدستورية، أو هيئاتها الإدارية، أو الأجهزة السياسية في الدولة، يعاقب بالسجن مدة لا تجاوز ثلاث سنوات، أو بالغرامة، أو بالعقوبتين معا.)
أما المادة (106) فإن نصها كما يلي: - (من عمل على إثارة الكراهية، أو الاحتقار، ضد أية طائفة في السودان بكيفية تعّرض الأمن العام للخطر، يعاقب بالسجن مدة لا تجاوز سنتين، أو بالغرامة، أو بالعقوبتين معا.)
واضح لكل ذي عينين أن هاتين المادتين هما أبعد شيء عن موضوع الاتهام في قضية بورتسودان.. إذ أن الجمهوريين لم يقوموا إطلاقا بإثارة الكراهية ضد الحكومة، كما أنهم لم يقوموا بتحقير شأن أية طائفة بصورة عرضّت الأمن العام للخطر..
على هذا الأساس من الفهم فإن فشل المادتين المقترحتين من قبل النائب العام هو أمر محقق.. ولقد كنا نحن على ثقة تامة ان ممثل النائب العام سوف لا يستطيع النهوض بأعباء هذه القضية الخاسرة.. بل أنه سيواجه نفس الفشل الذي واجهه القضاة الشرعيون وبصورة أشد..
ومع هذا فإن تدخل النائب العام، بهذه الصورة، وفي هذه المرحلة من سير القضية، وبعد قفل قضية الاتهام، قد أثار الكثير من الريبة، والكثير من الشكوك، وهو، في هذا المستوى، قد أدخل قضية بورتسودان في منعطف جديد، واعطاها بعدا سياسيا جديدا، أخرجها من نطاق الإجراءات القضائية..
لهذا فقد قررنا مواجهة النائب العام، فأصدرنا كتابين وضّحنا فيهما أبعاد التآمر الجديد.. ولقد أوضحنا، بصريح العبارة، ان واجب النائب العام هو إرشاد المؤسسات المريضة الى سبيل الصحة، مستعينا بنقد المخلصين، وليس واجبه، على الإطلاق، معاداة النقد الموضوعي، المخلص، الباني، باستغلال القانون ضده لإسكاته، وهو إنما يفعل ذلك سترا لفساد المؤسسات المريضة.. ولقد ختمنا كتابنا الثاني في مواجهة النائب العام بهذه العبارات: -
نحن نريد تبرئة الدين!! فهل يصح ان نقف في موقف هذا موقف المتهمين؟؟
ليتأمل هذا القضاة الشرعيون!!
وليتأمله النائب العام!!
ثم ليضعوا أنفسهم حيث شاءوا!!
ذلك شأنهم وحدهم!!
أما نحن فقد اخترنا موقفنا!!

وفيما يلي ننقل لقارئنا الكريم الأبعاد الحقيقية لتدخل النائب العام في قضية بورتسودان نقلا عن كتابنا "النائب العام والتدخل في قضية بورتسودان" حيث جاء ما يلي: -
(إن عمل النائب العام، وإن كان قد اتخذ طابع الإجراءات القضائية الرسمية، إلا أنّه ينطوي على معاني سياسية لا نظنها تفوت على فطنة القارئ، وذلك للأسباب الآتية: -
أولاً: إن تمثيل ديوان النائب العام للاتهام يضع الدولة في موقف المدافع عن القضاء الشرعي، ونحن نري القضاء الشرعي ليس جهازاً قضائياً في لغة القانون، وإنما هو جهاز سياسي وضع نفسه في خدمة الدعوة الدينية السلفية، والأحزاب الطائفية، على طول المدى.. ونحن الجمهوريون لنا منه موقف عتيد، وقديم.. وتاريخ صراعنا معه بدأ منذ فجر الحركة الوطنية.. على هذا الأساس فإن إدخال الدولة كطرف في النزاع بحجّة أن القضاء الشرعي مؤسسة دستورية، أو أي سبب آخر، يضع الدولة كمدافع عن الدعوة السلفية..
ثانياً: ان أخذ الإذن للمحاكمة من رئيس الجمهورية، وإن كان أمراَ إجرائياً، وشكلياً، إلا أنه، وفي هذا المقام بالذات، يمكن أن يُستغل، وأن يُفسّر بأن السلطة في قمتها، تقف ضد الفكر الجمهوري في قمته..
تالثاً: إن إختيار المادتين الجديدتين يضيّق فرص الدفاع أمام الجمهوريين، هذا إن لم نقل إنه يجعل الإفلات من الإدانة أمراً مستحيلاً..
هذا الوضع يصّور السلطة، والتي يراد لها أن تمثل الاتهام، كصاحبة غرض في إدانة الجمهوريين، وفي حسم الصراع الفكري عن طريق المحاكم..
رابعا: أن هذا العمل فيه محاولة جديدة لإعطاء محكمة الردة صفة الشرعية، وذلك بإدانة الذين يهاجمونها.. فإن جاز هذا الأمر فإن الدعوة السلفية تكون قد حققت حلماً ظلّ يراودها وقد فشلت في تحقيقه حتى في عهد الأحزاب الطائفية..
إننا لانحتاج في هذه العجالة أن نوّكد أن محكمة الردة عمل مرفوض شكلاً، وموضوعاً، من الناحية الدستورية، ومن الناحية القانونية.. ومع هذه العيوب الظاهرة فإن الوضع الجديد سيكسبها صفة القانونية التي هي أبعد ما تكون عنها..