لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول

دور الحركة الوطنية في نيل الاستقلال

دور الحركة الوطنية في نيل الاستقلال


اننا ونحن نسجل هذه الشذرات من تاريخ الجمهوريين ، نلاحظ أن الحركة الوطنية قد ووجهت من الجمهوريين بالنقد القوي ، بل العنيف أحيانا ، لما رأوا من تراخيها في مواجهة الانجليز ، وانعزالها عن الشعب ، مما أوجد فراغا في ميدان الفكر بصفة عامة ، وفراغا في ميدان الحماس بصفة خاصة ، فكان لابد للجمهوريين من أن يملأوا ، في ذلك الوقت ، فراغ الحماس ، ويستنهضوا الحركة الوطنية لتتجاوب معهم .. ومن هذا المنطلق كان مايصدر منهم من كلمات يتسم بالصلابة والمواجهة الحاسمة ولكن لم يغب عن بالنا ، نحن الجمهوريين ، وماينبغي أن يغيب عن بال أحد ، أن رجال الحركة الوطنية الآخرين قد أدوا دورا مقدرا في سبيل جلاء الاستعمار ، وفي اتمام السودنة ، وإقامة أول حكومة سودانية بعد الاستقلال .. فان الدور الذي قام به رجال مثل السيد علي الميرغني ، والسيد عبدالرحمن المهدي ، وأعوانهما من السياسيين ، دور كبير ..
ان صلات فريق منهم ، وهم الاتحاديون ، بمصر ، وصلات الفريق الآخر ، وهم الاستقلاليون ، ببريطانيا ، قد أذكت روح المنافسة بين دولتي الحكم الثنائي ، وساعدت كثيرا على الاتفاق الذي تم في القاهرة ، عام 1953 ، اذا اتفقت كلمة الاحزاب السودانية ، اتحادية ، واستقلالية ، على قبول اقامة الحكم الذاتي واجراء الاستفتاء على مصير السودان : استقلالا أم اتحادا مع مصر .. وقبلت ، من ثم ، حكومتا مصر وبريطانيا مااتفق عليه السودانيون .. ولما قامت الحكومة الانتقالية استطاع السودانيون أن يختصروا الأمر ، فلم يحتاجوا الى اجراء الاستفتاء الشعبي على مصير السودان وانما اتفقت الاطراف المختلفة ، وأعلنوا الاستقلال من داخل البرلمان ، في أول يناير 1956م .. هذه هي فضيلة الحركة الوطنية .. ولكن الجمهوريين كانوا يرشحونها للاضطلاع بدور أعظم مما قامت به .. كانوا يريدونها أن تتجه الى الشعب فترشّده وتفك اساره من قبضة النفوذ الطائفي الذي لايزال يعاني منه حتى اليوم .. وكان الجمهوريون يريدون اختصار التجارب وقطع الطريق أمام محاولات الحكم الفاشلة .. ولكن وقد وقع ماكان يحذره الجمهوريون فلاضير ، فان التجارب تعجم عود الشعب وتورثه الحكمة ، وتهديه الى الصواب ..
وبعد ، هذه انطباعات عجلى عن هذا الفكر ، جاءت حصيلة لطواف عابر ، عبر سنوات ثلاثين ، ستجد ، كما قلنا ، من التقويم والتشريف مايضعها موضعها اللائق بها ، ويبرزها مفصّلة كاملة .. فذلك حق علينا لهذا الجيل وماسياتي من أجيال .. ولقد اضطررنا الى جعلها في جزئين ، وسنخرج الجزء الثاني قريبا ان شاء الله .. وهذا السفر ، بجزئيه ، لم نرد به ، في وقتنا الضيق هذا ، الا تكريم ذكري الثلاثين عاما وماتحمله من اشارة ، وماتنطوي عليه من معنى يستلفت النظر ويدعو للتأمل ..

نشأة الحركة الوطنية


في عام 1938م نشأ مؤتمر الخريجين العام ليمثل مرحلة جديدة في تاريخ السودان الحديث ، فقد ولد المؤتمر والمثقفون السودانيون يفتقدون الجهاز الذي يجسد شخصيتهم ويوحّد جهودهم ويوجهها ، نحو خدمة وطنهم ومواطنيهم.. واتخذ المؤتمر ((القومية السودانية)) شعارا له ، وبدأ عمله بمجالات الخدمة الاجتماعية وعلى رأسها التعليم الذي كان المنطلق الوطني الذي تبلور حتى أسفر عنه الوجه السياسي بعد أربع سنوات ، في عام 1942م ، بعد نشوب الحرب العالمية الثانية ، واشتراك السودان ((بقوة دفاع السودان)) فيها الى جانب الحلفاء الذين أعلنوا أنهم اذا كسبوا الحرب فسوف يكافئون أبناء مستعمراتهم باعطائهم حق تقرير المصير .. فاستلهم مؤتمر الخريجين هذا الوعد فأخذ يكاتب حكومة السودان بهذا الشأن ، واستمر تبادل المذكرات بينهما عدة سنوات ، تعّرض خلالها المؤتمر للانقسامات التي استفحلت حتى نجمت عنها الاحزاب المختلفة .. الأحزاب الاتحادية أولا ، وحزب الأمة ثانيا .. ولقد دفع الاحتراب على كراسي المؤتمر بالفريقين الى طلب السند لدى الطائفية ، فكان هذا ايذانا بانكفاء المؤتمر وأحزابه ، وأسوأ من ذلك ، ان خلاقات رجال المؤتمر لم تنبني على تمايز منهجي ، أو تباين فكري ، وانما كان اصطراعهم ، وجفوتهم لبعض ، بقصد الفوز بقيادة المؤتمر .. وحتى الاختلاف على مصير السودان : أهو اتحاد مع مصر ، أم استقلال عنها؟ قد نشأ لأن احدى الطائفتين هواها مع مصر والأخرى هواها مع انجلترا .. فكان الأشقاء ومن معهم ينادون بالاتحاد ، وحزب الأمة ينادي بالاستقلال والتحالف مع بريطانيا .. والشعب بعيد من الصورة ، نصّب الخريجون من أنفسهم ومن الطائفية أوصياء عليه .. فكانت المذكرات تتبادل بين المؤتمر والحكومة ، والشعب لايدري عنها شيئا ، ولايتفاعل معها من ثم .. وهي التي يسعى بها المؤتمر وأحزابه لتقرير المصير : ((تارة باتحاد مع مصر تحت تاج الفاروق)) ((وتارة باتحاد مع مصر ، وتحالف مع بريطانيا )) .. وهذا نموذج من مذكرات المؤتمر:
هذه أول مذكرة اشتلمت على مطلب سياسي تقدم بها المؤتمر نقتطف منها الآتي:

((حضرة صاحب المعالي حاكم السودان العام
ياصاحب المعاليي
تشرف مؤتمر الخريجين العام بأن يرفع لمعاليكم بصفتكم ممثلين لحكومتي صاحبي الجلالة الملك جورج السادس ملك بريطانيا العظمي والملك فاروق الأول ملك مصر المذكرة التالية التى تعبر عن مطلب الشعب السوداني في الوقت الحاضر))
ولخصت المذكرة مطلب السودان في هذا:
((اصدار تصريح مشترك في أقرب فرصة ممكنة من الحكومتين الانجليزية والمصرية بمنح السودان بحدوده الجغرافية حق تقرير مصيره بعد الحرب مباشـرة)).


كانت المذكرة بتاريخ 3 / 4 / 1942 بتوقيع ابراهيم أحمد رئيس مؤتمر الخريجين العام ..
وهذه مذكرة أخرى تخاطب دولتي الحكم الثنائي بواسطة حكومة السودان ، جاء فيها:

((ياصاحبي الدولة : لما كان السودانيون هم أصحاب الشأن الأول في تقرير مصيرهم فاننا لنتقدم الآن بهذه المطالب راجين وملحين في الطلب أن تصدر على الفور الحكومتان البريطانية والمصرية تصريحا يتضمن الموافقة على رغباتنا هذه والاسراع في العمل على وضعها موضع التنفيذ فباسم العدل وباسم الرخاء الذي قاتلت من أجله الديمقراطية يطلب مؤتمر الخريجين العام بالسودان : ((قيام حكومة سودانية ديمقراطية في اتحاد مع مصر تحت التاج المصري)) والله وحده ولى التوفيق .
المخلص
اسماعيل الأزهري
رئيس مؤتمر الخريجين العام
23/8/1945م))


فأما مخاطبة الشعب ، وتنويره بطريق حريته ، وكرامته ، وتحديد مقصده الصريح في الحرية ، والاستقلال ، واقامة مجتمع العدالة ، فذلك مالم يشغل أخلاد أقطاب المؤتمر .. وأما استنهاض الشعب ليمسك قضيته ، فيكافح من أجل حريته ، ويضحي في سبيلها ، فلم يترك الصراع على كراسي المؤتمر وكسب السند الشعبي متسعا للتفكير فيه ، وتكدير صفو البال به .. فركب القوم المركب السهل مركب السند الجاهز ، سند الطائفية ..