لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول


محمود محمد طه في حوار صوفي
مع مسز هود جكنز

محمود محمد طه في حوار صوفي مع مسز هود جكنز
  • التصوف ليس ضد الفردية ولكنه انحط في شكل طوائف

  • الطائفية استغلت الدين لاغراض سياسيه ..

  • الإسلام يعني بالحياة الدنيا والاخرة .. والماركسية لايهمها سوي حياة اليوم

  • مسز جنكز تقول : هل تعتقد بانك اقرب الي الشيوعي ام الي الاخ المسلم؟


  • محجوب كرار - الصحافة - السبت ١٦-١٢-١٩٧٢ م

    كانت فرصة طيبه ان اجد نفسي اقف مع اثنين عند باب منزل الاستاذ محمود محمد طه الكائن بالحارة الاولي بالهدية بامدرمان .. في انتظار بان يسمح لنا بالدخول .. والاثنان هما الاستاذان اليزابيث هوجكنز .. وعصام عبد الرحمن .. وهما من جامعة الخرطوم .. وقد حضرا في هذه الامسية من ايام الاسبوع الماضي بناء علي موعد سابق لاجراء محاوره فكرية مع المفكر الكبير حول مذهبه في التفكير واسلوبه في الدعوه وموقفة الخاص ازاء عدد من الاراء والقضايا المعاصرة .
    وقد تحدد هذا اللقاء بمبادرة من الأستاذة هود جكنز التي تقوم منذ فترة باعداد دراسات مضنية لتنال بها بعد تقديمها ومناقشاتها درجة الدكتوراة في التاريخ من جامعة الخرطوم وموضوعها: (علاقة الطرق الصوفية بالسياسة في القرن التاسع عشر). وقد كانت مسز هودجكنز والحال كما تقدم ان تقابل كل الشخصيات ذات الارتباط بالموضوع ومن بينهم الأستاذ محمود الذي اشتهر بأرائه التجديدية المبتكرة في علاقه الاسلام بالمجتمع .. وكيف ينبغي لهذه العلاقة ان تكون بالنظرة الي الاوضاع الروحية والاجتماعية القائمة في المجتمعات الاسلامية اليوم .. كما اشتهر ايضا بالنظرة الخاصة بموضوع شائك كالتصوف ..
    وفتح لنا الباب فدخلنا علي الاستاذ في غرفتة الخاصه حيث يقيم وحيث يمكنه ان يستقبل عددا محدودا من الزوار في وقت واحد .. وكانت النوافذ مغطاة بالستائر وبها سرير للنوم وعدد من كراسي الجلوس والمائدة .. وكان علي الجدران لوحات خطيه بالعبارات التاليه :-
    (وقل ربي ادخلني مدخل صدق واخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا).
    (واتقوا الله ويعلمكم الله)
    (من عمل بما علم اورثة الله علم مالم يعلم )
    كلمة (الله) مكتوبة في ثلاثة مواضع .. وفي الرابع ((الله جل جلاله))
    وصافحنا الاستاذ علي مهل وهو يتطلع الي وجوهنا بامعان كانما يحاول ربط الاسماء بالصور ليتذكرها بعد ذلك بمجرد النظر الي هذه الوجوه .. وكانت هذه هي المرة الاولي التي اقابل فيها الرجل ، بالرغم من انه معروف لدي من خلال القليل الذي طالعته من كتبه العديدة.
    وفي انتظار الحديث المرتقب دخلت احدي كرائم الدار لتشاطر مسز هود جكنز الجلوس كما تقتضي اصول الضيافه .. ودخل كذلك اثنين من اتباعه واتخذا مكانين في مواجهة الأستاذ الذي كان قد جلس علي السرير واخذ يوزع انتباهه بيننا وبين جمرتين كان عليه ان يصلح من وضعهما في مبخر أعد لاحراق البخور ..
    وتساءلت الأستاذة هود جكنز في رقة : هل تكون المناقشه بالعربيه ام بالانجليزية؟ ولكنها استدركت : انا شخصيا افضل ان تكون بالانجليزية لصعوبة المفردات التي ساضطر لاستعمالها.
    واجابها الأستاذ: لتكن بالاثنين معا .. تسألي انت بالانجليزية واجاوبك انا بالعربي ويتولي الأستاذ عصام مهمة الترجمة بيننا .. وهكذا جري الحوار.

    هي : لنتكلم بصفة عامة – في الغرب المسيحية اخذت تعقد مدلولها والتصاقها بالناس بينما لا يزال الاسلام قويا .. هل هي عوامل خاصة بالاسلام ام ان المسألة متعلقة بالاثنين ؟

    هو :ان المسالة تاتي من الجانبين .. الديانه المسيحية موغلة في الروحانية ..والجانب الثاني ان الغرب مادي بطبيعتة والشرق كان دائما منبع الديانات .

    هي : ان الغرب اكثر مادية .. معناه .. اذا كان الانسان لديه كل احتياجاته الماديه من استقراروخلافة فهو لا يكون محتاجا الي الروحانية .. وفي الشرق الناس يلجاون الي الدين لانهم تعساء يبحثون عن مأوي يعصمهم من تعاستهم.

    هو: كلامك صحيح في الحالة الراهنة.. المسيحية توشك علي الانتهاء بينما لا يزال الاسلام قويا .. الغرب مادي علمي اكثر منه عقائدي .. والشرق عاطفي صاحب عقيده . في الشرق العلم قليل والعقيدة كثيرة .

    هي: - ان هذه مجرد مراحل فلو انعكست الايه لكان الشرق الان فى مكان الغرب .. ان العالم الغربي قد احس الان ان الماديات ليست كل شي وقد عاد يبحث عن الروحانيات ولكن ليس في المسيحية انما في الديانات الهندية ..

    هو: انما نعني بالشرق الاوسط .. منبع الديانات الثلاثة المسيحية واليهوديه و الإسلام .. فالطبيعة هنا سهلة و السماء مكشوفة .. النجوم و القمر والصحراء .. و هذا يجعل الإنسان أكثر إستجابة لدوافع الغيب .. و العقيدة و العاطفة .. و حياة الإنسان هنا أهون و أقل صعوبة من حياة إنسان الغرب الذي عليه أن يكدح لإكتساب قوته و لهذا فهو علمي أكثر منه عاطفي.

    هي: إن الضغط الحاصل علي الشعوب العربية نتيجة للتحديات الغربية والغزو الحضاري يقودهم فهمهم الجامد للإسلام إلي التمسك بالمفهوم مفهوم الأخوان المسلمين مثلا.

    هو : هذا صحيح و لكن الناس لا تتمسك بالدين الصحيح. الناس تتمسك بالقشور و يتركون الروح واللباب و ذلك يمنع التغيير الصحيح الذي يحتاج إلي فهم جديد للدين و إلي تطوير التشريع.

    هي : مادمنا بصدد الحديث عن الشخصية و الروح فإن التصوف كان قد نشأ علي أساس إنه روح الدين أكثر منه شكله. و قد كان التصوف من الأساس ليس من الشريعة بل قام علي فكرة الإتصال المباشر بالله.

    هو: التصوف ليس ضد الشريعة و ليس خارج الشريعة لأن التصوف يري أن الشريعة هي طرف الحرف للكلمة وهو يريد أن يدخل للمعني.