((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




ندوة الهجرة

الجزء الثاني

خرج هو وأبوبكر الي غار ثور ودخلوا الغار.. لكن أبوبكر كان نظم الراحلتين وكان نظم ليهم خبير يدعى عبدُ اللهِ بن أُريقط الديلمي.. كان مشرك.. عبدُ اللهِ بن أُريقط الديلمي مشرك.. فوثِقوا فيه في انه يكون الخبير وأنه يخرج بالراحلتين ويوافيهم بيهن في غار ثور بعد ثلاثة ايام.. فخرجوا يوم الخميس اول ربيع الأول، بالليل.. دخلوا غار ثور.. هنا عَلي بن ابي طالب راقد وهم يعاينوا ليه، بعد ما صحوا من نومتهم يعاينوا ليه، افتكروا انه النبي نايم.. وعندما أصبح الصُبُح عَلي كشف عنه غطاه، جاء خارج وقالوا ليه أين صاحبك.. قال لا أدري.. عرفوا ان النبي نجى.. شاع الخبر في مكة.. وقاموا يقتفوا الآثار إلي ان جُوا في غار ثور و(جات؟) المعجزة المشهورة.. والقصاص قال ليهم الي هنا وصل ولكن الدرب ضاع.. اها، قالوا لايمكن ان يكون دخل هنا لانه في الحمامة والعنكبوتة نسجوا على باب الغار بصورة كأنما ليها عهد قديم جداً.. حتى زي ما قال عماد، واحد منهم قال أنه العنكبوت دا نسج قبل ما يولد محمد.. قديم وعليه العجاج والتراب والقش والحمامتين مبيضات.. لا يمكن أن يكون ناس دخلوا بالطريقة دي امبارح، ثم الامر دا بالصورة دي.. فكان الامر فيه زي ما ذكروا الاخوان، ابوبكر كان رفيق وشفيق على النبي بصورة منزعج ليها دايماً، وكان ابوبكر يتلفت دايماً وخايف.. فلمن جوا عند الغار دخل هو والدنيا ليل واتلمّس الشقوق والثقوب ونظفه ودخل النبي.. فلمن جوهوا في الصباح القرشيين يقتفوا آثارهم كان يقول ليه: "لو نظروا تحت أقدامهم لرأونا يا رسول الله" يقول ليه: "يا أبابكر لا تخف، يا أبابكر مابالك باثنين الله ثالثهما".. رجعوا منهم.. اكان تدبير ابوبكر انه، عبد الله ابنه يجيب ليه اخبار القرشيين في مجالسهم بيقولوا شنو.. يغشى مجالسهم ويستطلع الاخبار ويجيهم في المساء بيها.. وعامر بن فهيرة، مولاه، يرعى الغنم في الجبال حولهم ويريحها عليهم ياخدوا لبنها.. اللبن العايزنه.. الغنم تخّفي طريق عبد اللهِ وطريق أسماء - أسماء بنت ابي بكر، هي بنته الاصغر من السيده عائشه - كانت تجيهم بالزاد.. وزي ما قلنا عامر بن فهيرة يجيهم بالغنم ويخّفي الآثار دي بالغنم، يمشي فوقها.. والقرشيين كانوا يحوموا الثلاثة ايام ديك في الجبال القريبة باستمرار.. في اليوم الثالث اللي هو يوم الاثنين، جاهم عبد اللهِ الديلمي دا بالراحلتين.. وكان ابوبكر يحب انه النبي يقبل منه الراحلة الثانية ليرحل عليها، فأبى إلا ان يدفع ثمنها مع انه زي ما قال عنه عماد قال "ما أحد أمَنُ علي وأبرُ لي بماله ونفسه من أبي بكر" لكنه اراد ان يكون مهاجراً لله بماله وبنفسه.. دا السبب في اصراره علي ان يدفع ثمن الراحلة وسماها "القصوى".. فخرجوا بالليل وخبيرهم اخذ بيهم طريق الساحل، وكان رديف لابوبكر.. النبي في راحله وابوبكر ورادف الخبير.. واتجنبوا الطريق العام ومشوا بالساحل.. عامر بن فهيرة ساق الغنم وراهم عشان يخّفِي الأثر بالمرة.. الجمال ماشة والغنم ماشة وراء الجمال الأثر يضيع.. في اليوم الثاني قبل ما يبعدوا من مكة حصلت قصة بتاعت سراقة بن مالك زي ما قال عنها عماد.. شعر بانه الخبر اللي جابوه الناس عن انه في اثنين، لعلهم هم النبي وصاحبه، خف المسأله دي هو وجرى ليلحقهم ليفوز بالجائزة اللي جعلت علي روسيهم.. فعندما قرب ليهم ساخت قوائم الفرس في الأرض.. وبعدين سراقة خاف وطلب الأمان والفرس نهض.. لكن لعله قام في باله أنه المسألة صدفة، تاني جرّبها، تاني ساخت قوائم الفرس، وخرج من الأرض دخان أرهبه وأخافه، فطلب الأمان ووعد بانه يرجع ويخذل الناس الطالبين.. وفعلاً رجع بالصورة المشهورة وجاء في الحديث اللي يقولوا فيه انه قال ليه انك بتتسور بسواري كسرى.. فيما بعد حصلت المسألة انه سراقة اسلم، وكان في حرب العراق وايران، وتسور بسواري كسرى.. هنا مشوا في طريقهم، والقرشيين ما عرفوا إلا بعد أن أمن عليهم سراقة أنهم يكونوا ما بنطلبوا تاني، ما بتلحقوا.. يقولوا أنه كان ابوبكر برضوا يتلفت كثير.. وزي ما قال عماد: يذكر الطَلَب يجري وراء النبي بي راحلته.. يذكر الرصد يجري قدامه فكان بالصورة دي والنبي لا يلتفت ودا أدب الهجرة.. (ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون) دا أدب الهجرة بالصورة دي.. وفي القيمة العرفانية برضو كأنما أبوبكر يمثل الثالوث.. النبي في خط الإستقامة.. أبوبكر كأنه الفكر، يجري ورا ويجري قدام، من الخوف.. لكن داك مستقر وثابت، لا يلتفت ولا يضطرب.. ويقولوا مروا على إمرأة - ام معبد - في خيمتها، وطلبوا منها هل عندها من زاد ومن شراب، وكان زوجها ذهب بغنمه يرعاهن، فقالت: والله مافي شئ واللبن نحن طولنا منه، ومافي غير الشاة دي، شاة عجفاء ما قدرت تمشي مع أماتها، وما فيها اصله أثر لبن، وضروعها منكمشة، فمس عليها النبي، ضرعها انملا باللبن، فحلبوا منها شربوا وسقوها هي وخلوا بقية اللبن في الإناء، فلمن جاء زوجها استغرب في الحكاية دي، فحكت ليه.. قال ليها دا صاحب قريش ودخل في قلبه ايمان بيه.