((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946

menu search
الدستور الإسلامي المزيف
دار الحزب الجمهوري - امدرمان

مارس ١٩٦٩

الجزء الثالث

الحياة كانت في البحر بالصورة دي بعدين لمن زحفت للغابة قايمة على نفس القاعدة.. بعدين المجتمعات الأولانية مبنية على القوة برضه.. قانون الغابة البنسمع عنه كتير.. قانون الغابة معناها قانون القوي.. القوي بياكل الضعيف وحتى نحن لمن جات عبارتنا العربية قبل الإسلام كانوا العرب برضه يقولوا "من غلب سلب".. من غلب سلب.. المجتمع البشري متطور من البدايات البدائية السحيقة في الحيوانية وماشي لقدام.. كل مرة المجتمع البشري بينتصر على حيوانيته.. بنتصر على صور الغابة.. لتدخل فيه صورة الإنسانية.. صورة الإنسانية تقول أنه الضعيف ليه حق القوي يحميه.. صورة الحيوانية تقول الضعيف ما ليه حق.. الضعيف هو غذاء للقوي.. الإنسانية تقول أنه الضعيف ليه حق، نحن نحمي حقه.. وكلما دخلنا لقدام في المراحل دي تلقى أنه العنف يرجع والقوة تستعمل لنصرة الحق.. حتى يمكنك أن تقول أنه الحق هو القوة.. ودا حق.. العبارة دي حقيقة في الإنسان.. لكنه ملابسات التاريخ جعلت الحق الأعزل مهزوم.. لأنه بدت من نقطة الحق هو القوة.. بعدين القوة ما دام بتستعمل بالصورة دي الحق الأعزل مهزوم.. كلما الناس مشوا لقدام استعمال القوة لكبت الضعيف لظلم الضعيف تتراجع.. إنسانية الإنسان ياباها.. هسع نحن مثلا الواحد لمن نقول عنه أنه عنيف أو لما نقول عنه أنه إرهابي هو ما برضى بشعور بمعرة.. ما كان زمان كدا.. لمن تقول زمان عن الإنسان أنه إرهابي أو أنه عنيف دا شكر ليه.. لأنه هو في مجتمع أصلو عنيف.. ما دام هو عنيف إذن هو محمي.. إذن هو محترم لكن هسع إنت لو قلت لإنسان أنه إنت عنيف أو قلت ليه إنت مثلا إرهابي أو إنت فاشستي ما برضى.. دي عناصر إنسانية دخلت..
آ الماركسية ضللت عن النقطة دي بأنه افتكرت أنه الإنسان دايما راح يظل حيوان في تطوراته دي.. ولذلك عند الماركسية ودا من المادية التاريخية، المادية الجدلية، المادية التاريخية الإتنين هن فلسفات ماركس.. المادية الجدلية فيما يخص الطبيعة كلها.. المادية التاريخية فيما يخص المجتمع.. عنده من الأصول بتاعته "العنف والقوة هما الوسيلتان الوحيدتان لإحداث أي تغيير في المجتمع البشري".. الخطأ هنا.. والسبب في الخطأ أنه ماركس ما كان عنده نظر لقدام.. ماركس نظره في التطور البمشي باستمرار لتفاعل من القوى .. النظرية وعكس النظرية يكون بيناتم توحيد.. اللي هو مسألة مثلا المستغلين والمستغلين بيناتم صراع يوجد فكر جديد في تطوير المجتمع.. حرب الطبقات أهو بناه بالصورة دي لكن الفكر الإسلامي يمش لقدام يقول أنه الإنسان في الحقيقة ساير في طريق دايري.. قدامه وراه الفكر الإسلامي ينظر.. قدامه العقيدة في الله.. وراه أنه العقيدة دي بتتمخض من الصراع المحسوس في الحيز المحسوس حيز الأبدان.. يعني الإنسان اتطور جسديا في مرحلته الأولانية راح يطور عقليا في مرحلته المقبلة.. أها عند التفكير الإسلامي العقل مستقل عن المادة.. في التفكير الماركسي العقل تفاعل مادة.. ولذلك النظرة العلمية في الماركسية الخطأ هي من الناحية دي مش من ناحية العلم التجريبي.. هنا دي أعجزت ماركس عن أن يوجد توافق بين الفرد والجماعة..
في الفكر الإسلامي أنه القوة مش ضروري انه تستعمل العنف.. القوة ضرورية للتطوير زي ما القوة ضرورية لأن أمشي لأن أحرك.. لأن أعمل أي عمل .. أها من هنا القوة ضرورية للتطوير لكن العنف ما أصل.. بل الحقيقة في الفكر الأسلامي أنه القوة إذا كان اكتملت العنف ما ضروري.. وأنه البستعمل العنف ضعيف.. جبان خايف.. وانا افتكر أننا نحن الجمهوريين بنتكلم عن ثورة اكتوبر انها عندها قيمة كبيرة في فضح النظرية الماركسية.. ثورة أكتوبر كانت قوية ما كانت عنيفة.. بالقوة حققت تغيير.. العنف اتخلف هنا.. هنا الحاجة النحن بنقول عليها أنه الإسلام ضروري لأن يكون عليه الدستور هو مقدرته في أنه يوفق بين الجماعة والفرد.. ما قال الفرد ما مهم خدوا الجماعة.. ولا اضطرب بين الإتنين زي ما اضطربوا الرأسماليين.. الرأسماليين قالوا أنه الإنسان ليه نحرمه من مقدرته على أن يقتني المال.. دي ما حرية .. ما دام هو عنده موهبة للإكتساب وموهبة للإختراع وموهبة للصنعة والمهارة التجارية يدوه حظه.. دي حرية.. بعدين تجي الديمقراطية عايزينها.. فجات الراسمالية مع الديمقراطية بصورة زي دي..
الراسمالية طبعا ما صورة واحدة باستمرار متخلية من مواقعها لتدخل في المراحل الإشتراكية لكن السمة الأساسية بتاعتها محتفظة بيها اللهي الملكية الفردية.. الملكية الفردية بحاولوا أن يضعوا عليها ضرايب كتيرة ووظائف كتيرة لتجعل الفرقة بين القمة والقاعدة قريبة من بعض خوف أن تثور القاعدة.. هي محاولة لقطع الطريق على الشيوعية أن تدخل في وطنهم.. لكن على المدي دا الأدى العمال مثلا التنظيمات بتاعاتم وحق الإضراب لتحسين ظروف العمل والمرتبات وتقليل ساعات العمل وضمانة الكفالة للشيخ وللبيصاب في العمل.. دي كلها تحسينات فيها.. لكن الأصل في الرأسمالية موجود.. لمن احتفظوا بالرأسمالية وأدوا الإنسان حرية في الإنتخاب في الديمقراطية بالصورة دي.. في الحقيقة بقى حق المواطن حبر على ورق.. ما دام هو محتاج للراسمالي يمكن أن يضلل بواسطة الرأسمالي.. الراسمالي بملك وسايل الإعلام ووسايل صناعة الرأي العام.. عنده الصحافة، عنده الإذاعة، عنده التلفزيون، عنده السينما.. المواقف الزي دي يمكن ان يصنع بيها راي عام في مصلحته نحن نفتكر أننا نحن بنخدم مصلحتنا في الوقت اللي في الحقيقة بننفذ إيحاءه هو من حيث لا نشعر..
أنا بذكر في الوقت اللي نحن بندرس في المدارس وكان الإستعمار في عنفوانه.. كانوا يدرسونا أنه السودان لا يصلح لصناعة النسيج لأنه الجو ناشف.. صناعة النسيج عايزة رطوبة.. الرطوبة ما بتكون إلا في مانشستر مثلا.. دي بندرسها فعلا رسمي.. بعدين لمن طلعنا وبقينا شبان صغار وبنتكلم في الوطنية والحماس والمعارف والأدب فعلا كنا بنقول الكلام دا.. نقوله كمعارف اتلقناها من هناك لكن نحن ما شاعرين بيها.. أهو دي صورة من تزييف الراي اليمكن للراسمالي أن يعملها.. يوحي ليك بأشياء وإنت على فراغ من المعارف تتلقفها وقلبك فاضي وتمسكها وتعيش عليها.. ويمكن بالصورة دي أن تخدم إنت غرضه في التصويت.. يبقى في الحقيقة حقك في الإنتخاب أصبح حبر على ورق.. هنا الجانب الغربي اللهو الراسمالية الديمقراطية الراسمالية والجانب الشرقي اللهو الإشتراكية الدكتاتورية، الإتنين عجزوا عن حل مشكلة الفرد مع الجماعة.. وما استطاع الحل دا إلا الإسلام.. والإسلام استطاع أن يحلها لسببين.. سبب أساسي هو التوحيد.. في الإسلام مافي معارضة زي دي.. دي مرحلة، دي جهل.. يعني الإنسان البكون ضد المجتمع لمصالحة دا اناني جاهل.. إذا كان اتعلمت أنانيته يصبح يرى مصلحته في مصلحة الجماعة.. الأناني الجاهل يرى مصلحته حيث يغفل الجماعة.. الأناني العارف يعرف أنه مصلحته امتداد لمصلحة الجماعة.. فيبقى في حقيقة التعارض مرحلة من مراحل الجهل في المجتمع البشري.. ودي ما مضروبة علينا ضربة لازب.. مرحلة.. عندما نتعلم نعرف أنه نحن والجماعة اتجاهنا واحد.. بل الجماعة وسيلتنا.. كلما ارتقت الجماعة أمكن نحن أن نرتقي كافراد بالصورة اليمكنك أن تقول أنه الجماعة والد شرعي للفرد.. الفرد النابغة يطلع من الجماعة الراقية.. ولا يمكن أنت أن تنتظر نبوغ الفرد من الغابة.. أصلك ما ممكن.. لا بد انه المجتمع يكون بسبيل من الفرد البينجبه.. عندما تجي المعرفة بالصورة دي يبقى مصلحتنا ومصلحة الجماعة ما متعارضة..
الإسلام للتوحيد وانه الأشياء كلها ماشة في اتجاه واحد مافي تعارض إلا في حالة الجهل حلّ التناقض القايم بين الفرد والجماعة.. المسألة التانية أنه ودي تنبع من الأصل دا أنه الإسلام شريعته في مستويين.. مستوى الجماعة سماها المعاملة ومستوى الفرد سماها العبادة.. فكأنه الإسلام بشريعته التانية في تعليم الفرد وإنضاجة بالصورة اللي بمارسها في العبادة بتخلي عبادته تنعكس على الجماعة معاملة.. التشريع الفي مستويين دا ميزة للإسلام، في الأديان الأخرى في، لكن كمالها في الإسلام.. في التفكير المدني مافي .. الإسلام بالصورة استطاع أن يوفق بين الفرد والجماعة.. ولذلك وضع الجماعة في موضع الوسيلة والفرد في موضع الغاية.. الصورة دي هي روح الديمقراطية.. لأنه إذا كانت الجماعة وسيلة الفرد يبقى الفرد غاية كل سعي.. ودي في الحقيقة الديمقراطية.. الديمقراطية أنه الفرد لازم تتوفر كرامته بأجهزتنا كلها.. وباقتصادنا كله.. كل ما نعمله كأنما بلف حول كرامة الفرد - الإنسان.. دا المعنى نفسه اللي قلنا ليكم قبيلك بيه أنه نحن بنعتقد أنه الدستور المطلوب دستور إنساني..
والدستور الإنساني هو البيعتبر الإنسان غاية في ذاته مهما كان مستواه.. الإنسان الأبله غاية في ذاته.. أي وضع من الأوضاع يستعمل الإنسان وسيلة لغاية وراه دا وضع غلط.. كل إنسان غاية في ذاته.. دا في الحقيقة دي قمة دستورية القوانين.. نحن لمن نتكلم عن الديمقراطية بتجي مسألة الدستور البنتكلم عنه هسع.. الدستور هو التخطيط للحقوق الأساسية للمواطن.. الدستور هو القانون البنسق حقوقك إنت مع الدولة.. في الوقت البكون القانون لحقك معاي أنا حق الأفراد فيما بينهم الدستور لحق الفرد مع الدولة.. يبقى في حق الفرد مع الدولة يجب أن يقوم التشريع البيضع الدولة كلها خادم للإنسان مش سيد.. أنا الحقيقة يعجبني راي ابو العلاء قاله من زمن طويل، قال:
مل المقام فكم أعاشر أمة امرت بغير صلاحها أمراؤها
ظلموا الرعية واستباحوا كيدها وعدوا مصالحها وهم أجراؤها
أجير الموظف.. أجير مهما كان.. مثلا أزهري.. بندفع مرتبه أنا وإنت والتالت والرابع، لكن الوضع المعكوس عندنا أنه الناس البندفع مرتباتم بكونوا سادتنا مش خدامنا ولذلك قال:
مل المقام فكم أعاشر أمة امرت بغير صلاحها أمراؤها
ظلموا الرعية واستباحوا كيدها وعدوا مصالحها وهم أجراؤها
في الوضع الإسلامي لمن يجي الإنسان غاية.. يبقى الجهاز دا النحن اتفقنا على إقامته.. وعلى ان ندفع تكاليفه يجب أن يكون في خدمتنا.. وأنا وإنت يجب ان تكون عندنا العزة فعلا النشمح بها على أي راس.. الذلة ما من حقنا.. إطلاقا إلا عند الجهل بالصورة.. الحاكم أقل موظف هسع إنت لمن تدخل في المجلس البلدي تجد أنك إنت في رهبة وخوف.. وأنك إنت بتفكر كيف تعمل هل تدفع بلصة ليقضى غرضك؟؟ ولا ينهروك يطردوك وتعال بكرة؟؟ الوضع من قاعدته غلط.. لمن يجي الدستور الإسلامي في حاجة حقيقية ليه.. بيقوم أول حاجة على تربية الحاكم دا وبقوم على تربية المحكوم..
وإنتو شفتو طبعا الصور البتحكى لينا من أوائلنا اللي قالو ليه لمن قال ليه عمر بن الخطاب قال ليهم :(إذا رايتم في اعوجاج فقوموني أو فانصحوني) قال ليه: (والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا).. لأنه إنت مش حاجة نحن جبناك.. فإذا كان إنت بقيت طاغية علينا بنغيرك.. والعبارة الحكيمة جدا اللي قالها أبوبكر الصديق :(لقد وليت عليكم ولست بخيركم.. فإن رأيتموني على حق فاعينوني وإن رايتموني على باطل فسددوني.. أطيعوني ما أطعت الله فيكم.. فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم).. التربية دي البتربي الحاكم.. وتجعله يعرف مكانه.. ويعرف مكانة الشعب وكرامة الشعب.. ثم تربي الشعب وتخليه أن يعرف حاجته هي الديمقراطية.. والدستور ما بجعل الناس ديمقراطيين.. نحن قد تكون عندنا دستور مكتوب بكرة.. دستور السودان الدايم.. ويكون عندنا جهازنا.. الهيئة التنفيذية والهيئة التشريعية والهيئة القضائية.. ثم لا نكون ديمقراطيين.. القوانين ما بتجعل الناس ناس.. الناس بكونوا مربيين القوانين تعينهم.. ولذلك الديمقراطية ثورة في المستوى دا.. حاجة الإسلام مش حاجة القوانين بتاعه.. دا من الأشياء البتخليك ترى انه الدستور المطلوب هسع دستور زائف.. لأنه ما بدأ ينبع مني ومنك.. راح يجي من فوق.. راح يجي من فوق يطبقوه ناس يزيفوا التطبيق ويزيفوا الإسلام..