والخوف، من حيث هو، هـو الأب الشرعي لكل آفات الأخلاق ومعايب السلوك، ولن تتم كمالات الرجولة للرجل وهـو خائف، ولا تتـم كمالات الأنوثـة للأنثى وهي خائفة، في أي مستوى من الخوف، وفي أي لـون من ألوانه، فالكمال في السلامة من الخوف.
ولن يتم تحرير الفرد من جميع صور الخوف الموروث إلا بالعلم.. العلم بدقائق حقيقة البيئة الطبيعية التي عاش، ويعيش فيها، والتي كانت سببا مباشرا لترسيب الخوف في أغوار نفسه، فإن الخوف جهل والجهل لا يحارب إلا بالعلم.. ومن أجل ذلك وجب الاهتمام بإعطاء الفرد صورة كاملة، وصحيحة، عن علاقته بالمجتمع، وعن علاقته بالكون، وهو ما نحن بصدده منذ حين.

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)

menu search

الصوم ضياء والصلاة نور

قيمة الصوم والصلاة للسالك


والحديث ((الصوم ضياء والصلاة نور)) يوضح العلاقة بين الصوم والصلاة كما أنه يوضح قيمة الصوم والصلاة للسالك .. والفرق بين النور والضياء محكي في قوله تعالي (هو الذي جعل الشمس ((ضياء)) والقمر ((نورا)) وقدره منازل، لتعلموا عدد السنين والحساب .. ما خلق الله ذلك الا بالحق .. يفصل الآيات لقوم يعلمون) فالضياء ((النور)) الأصيل، والنور ((النور)) المعار .. فالجرم ((المضيء)) ((نوره)) منه، كالشمس .. والجرم ((المنور)) نوره مستمد من غيره، كالقمر .. وعندهم أن الأرض، والشمس والقمر من آيات الآفاق، تمثل الثالوث المودع في البنية البشرية، من آيات النفوس .. والله تبارك وتعالي يقول (سنريهم آياتنا، في الآفاق وفي أنفسهم، حتي يتبين لهم أنه الحق .. أولم يكف بربك أنه علي كل شيء شهيد؟؟) ..
فالشمس، من آيات الآفاق، في مقابلة ((القلب))، من آيات النفوس .. والقمر، من آيات الآفاق، في مقابلة ((العقل))، من آيات النفوس .. والأرض، من آيات الآفاق، في مقابلة ((الجسد)) من آيات النفوس .. ومعني الحديث ان الصيام انما هو حظ الروح، فهو يشحذ الذكاء، ويعطيه نفاذا، ومضيا .. ومعلوم أن ((البطنة)) تنيم ((الفطنة)) .. والصيام انما يشحذ الذكاء، لأنه يؤثر علي الدم فينقيه، ويقلله، ويحد بذلك من طيش، واندفاعات الشهوة .. وقد جاء في حديث المعصوم ((ان الشيطان يجري من أحدكم مجري الدم، فضيقوا مجاريه بالصوم ..)) فاذا ما شحذ الصوم ذكاء ((روح)) العابد، ثم ان هذا العابد أقبل علي الصلاة، فان عقله يكتسب، نورا بتعرضه لضياء ((الروح)) في أوضاع صلاته المختلفة، كما يكتسب القمر النور من ضياء الشمس، وهو ينزل منازله المختلفة .. والقمر ينزل أربعة عشر منزلا يصير، في نهايتها، بدرا كاملا .. سبعة لينتصف فيها بالنور، وسبعة أخري ليصير فيها بدرا كاملا .. يحكي في الحجم جرم الشمس، حتي لكأنه قد عكس بنوره جميع ضيائها .. هذا فيما يري الرائي .. والصلاة، في كل ركعة، فيها سبعة حركات، تمثل منازل القمر السبعة .. فأنت اذا كنت سالكا مجودا، وصليت ركعتين، وفكرك حاضر في صلاتك، فيجب أن تعلم ان كل حركة، من حركاتك الأربعة عشر تختلف عن الحركة التي سبقتها، وان كانت تشبهها، وما ذاك الا لأنها بمثابة منزل جديد، ينزله قمر ((شريعتك)) من شمس ((حقيقتك)) .. فاذا ما أنت أكملت الركعتين، فلكأنما قد أكتمل بدرك، لكانما قد استضاءت صفحة عقلك بنور المعرفة المنبثقة من ضياء روحك، فتوازي، العقل، والقلب ..