ليس هنالك رجل هو من الكمال بحيث يؤتمن على حريات الآخرين، فثمن الحرية الفردية المطلقة هو دوام سهر كل فرد على حراستها واستعداده لتحمل نتائج تصرفه فيها

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (أسس دستور السودان)




الصوم ضياء والصلاة نور

الصوم وآدابه

الصوم وآدابه


واذا كانت الصلاة والصيام وسيلة الي تهذيب النفوس وتنويرها – وسيلة الي صفاء العقل، وسلامة القلب – فيحسن ان نقف عند الصوم في شهر الصوم هذا، حتي نستفيد منه، وحتي نحسن التوسل به الي رياضة نفوسنا، ومعرفتها، ((ومن عرف نفسه فقد عرف ربه)) كما جاء في الحديث الشريف .. وللصيام الصحيح آداب منها: أن نحب وقت الصيام، وان نستقبل شهره الكريم بالاستعداد، والتوبة، والتشمير، وان تدخل في صومك بنية، وأن تكون النية متنقلة .. فلا يكن صيامك عن الأكل والشراب فحسب، ولكن فليكن صيامك استعانة بترك الأكل، والشراب، علي يقظة الشعور، وشحذ الفكر، لتقوم المراقبة علي جميع حركاتك، وسكناتك في اليوم .. فليكن صومك فطما لنفسك عن الرغبة في كل ما سوي الله .. ومن آداب الصوم أن تعجل بالفطور، ولا تعجل نفسك عن الأخذ بحاجتها منه .. فاقبل علي الفطور اذا، وخذ حاجتك منه، في غير اسراف، قبل أن تنهض لصلاة المغرب .. فأنت انما تفعل ذلك حتي تقبل نفسك علي الصلاة، وهي في جمعية لا تتلفت الي الطعام والشراب .. قال المعصوم: ((اذا قدم العشاء فأبداوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم)) ومن قلة الفقه يتورط في الخطأ كثير من الناس الآن في رمضان، حيث يجلسون الي الفطور فيتناول أحدهم ((بلحة)) واحدة، ويجرع جرعتين من الماء المطلق، ثم ينهض لصلاة المغرب، ثم هم بعد الصلاة يقبلون علي الأكل والشراب .. فبمثل هذا الصنيع تنقص الصلاة، لأن حاجة النفس الي الطعام والشراب، وقد صامت عنهما طوال النهار، وهما حاضران أمامها، وتنبعث منهما رائحتهما الشهية، حاجة النفس الي الطعام هذه تجعل النفس موزعة، كثيرة التلفت، مما ينقص حظها من الحضور .. والفقه يقضي علينا بأن نتفرغ للصلاة بتناول حاجتنا من الطعام، لا أن نتفرغ للطعام بالتخلص من الصلاة .. ومن آداب الصوم الا يجري الاستعداد لرمضان بأطايب الأكل والشراب وبالاسراف الذي نرى الناس عليه اليوم .. فان الناس في الوقت الحاضر يأكلون في رمضان أكثر مما يأكلون في غيره من الشهور .. ومن آداب الصيام الا تتعمد نوم ((النهار)) وذلك بتكلف السهر بالليل، في غير ذكر، ولا فكر، كما يفعل الناس اليوم .. ومن آداب الصيام الا نتخذ الصوم ذريعة ((لتقليل العمل)) فنظهر رمضان كانه موسم للتبطل، والكسل، والنوم، وقلة الانتاج .. انك بذلك تعرضه للذم وهو أبرك الشهور وأبعدها عن الذم .. وحين تصوم صوما صحيحا، تتوخي فيه الحضور، والفكر وحفظ جوارحك، ومراقبتها، والاستعانة علي كبح شهواتك، ونزواتك، بترك الأكل والشراب، فان روحك ستقوى ومن هنا تجيء حاجتك للاجتهاد في الصلاة وتقوم العلاقة بين الصوم والصلاة .. وصلاة القيام – قيام الثلث – كانت سنة النبي الكريم في رمضان، وفي غيره، ولكن رمضان كان موسم تشمير، واجتهاد، وذلك للقرينة القائمة بين رمضان والقرآن ((شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن)) .. فقم الثلث .. وأطل القيام .. وأكثر من قراءة القرآن في الصلاة .. وكرر القراءة في الصلاة ان شئت فان قراءة القرآن في الصلاة أفضل العبادة .. والقرآن يعطي أسراره في رمضان، أكثر مما يعطيها في غيره من الأزمان ..