ليس هنالك رجل هو من الكمال بحيث يؤتمن على حريات الآخرين، فثمن الحرية الفردية المطلقة هو دوام سهر كل فرد على حراستها واستعداده لتحمل نتائج تصرفه فيها

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (أسس دستور السودان)




تعلموا كيف تصومون

ترك الفضول: فضول الطعام - فضول الكلام - فضول المنام

ترك الفضول:


ولكي يكون صومنا مجودا، وفي اتجاه (السنة)، فإن علينا أن نستشعر جلال، وقدسية هذا الشهر، فنتجه بكليتنا نحو الوفاء بأدب وقته، وذلك بمحاربة العادة، وهذا انما يتمثل في ترك الفضول من كل شيء، فضول الطعام، وفضول الكلام، وفضول المنام..

فضول الطعام:


فكثرة الطعام، خصوصا في هذا الشهر، وبالصورة التي درج عليها الناس، تتعارض تماما مع حكمة الصوم التي ترمي إلى اخراج النفس من عاداتها، وتستهدف ترويض الجسد، وتلطيف كثافته، الأمر الذي أشار اليه النبي في حديثه: (ان الشيطان يجري من أحدكم مجري الدم فضيقوا مجاريه بالصوم).. ولكن ما نراه اليوم، عند الصائمين، من نهم، وشدة اقبال على الطعام، واهتمام بتنويع مائدته، انما هو أمر يهزم غرض الصوم، ويبعدنا عن نهج السنة.. فبينما نجد في مائدة الافطار اليوم، مثلا، شراب الليمون، والقمردين، والنشاة، والآبري، والزبيب، واشكالا من الأطعمة، نجد أحد الصحابة وهو أنس بن مالك، يصف لنا افطار النبي، فيقول: (كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن حسا حسوات من ماء)..
وبطبيعة الحال ليست الدعوة هنا ليبالغ الناس في التضييق على أنفسهم، وإنما المطلوب هو الاعتدال، والاقتصاد في الأكل، وعدم الانشغال الزائد بإعداده..
وفي هذا الصدد فإنا نجد، فوق اسراف الأفراد في أمر طعام رمضان، اسرافا من الدولة في هذا الشأن، حيث تطالعنا الأخبار، في كل عام، قبيل رمضان، لتعلمنا كيف ان الحكومة قد اهتمت بما يسمي حاجات رمضان المستوردة، وكيف أنها دبرت أمر وصولها من الخارج لتكون في متناول أيدي المستهلكين!!
ان هذا اسراف، وتبديد للعملة الصعبة، ولجهد دواوين الحكومة، مما كان انفع للشعب اقتصاديا، وتربويا، ان يوجه إلى ضرورات الحياة، والي مشاريع التنمية.. ثم ان هذا الجهد من الدولة، وهذا الصرف البذخي الذي تتحمل عبئا كبيرا منه الخزينة العامة انما يذهب في اتجاه افساد تربية الشعب بدلا من اصلاحه، وذلك باغراء الشعب بالتكاثر في المأكل والمشرب على النحو الذي يجري في رمضان..

رمضان للتقشف.. لا للبذخ:


ان رمضان يجب أن يكون موسما لتقليل حاجتنا، واستهلاكنا، على مستوى الفرد، وعلى مستوى الدولة، وذلك أقرب لنهج السنة، وأدخل في باب الاشتراكية التي تتجه اليها بلادنا..

فضول الكلام:


ان اولي جارحة بالتقييد، وبالمراقبة، والمحاسبة، بعد اليد، هي اللسان.. ذلك بأنه أداة الثرثرة، والغيبة، والنميمة، وهي صفات تعشقها النفس الأمارة.. ولقد قال النبي في شأن خطورة اللسان على الانسان: (وهل يكب الناس على مناخرهم في النار الا حصائد ألسنتهم؟).
ومن اجل تجنب هذا المصير أوصانا حيث قال: (من كان يؤمن بالله، واليوم الآخر، فليقل خيرا، او ليصمت) هكذا ينبغي أن يكون حال المسلم، في سائر اوقاته، ومن باب أولى، في رمضان.. وفي ذلك يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (الصيام جنة، فلا يرفث، ولا يجهل، وان أمرؤ قاتله، او شاتمه، فليقل أنى صائم مرتين)..

فضول المنام:


وأما كثرة المنام، فمن صفة الحيوان، وهي أيضا ليست من السنة.. وإنما السنة هي تقليل المنام، والقيام بالاسحار، ومن أبرز ما يسفر عنه الصوم هو تقليل الدم، وايقاظ الشعور، والاعانة على السهر، والقيام.. هذا إذا أدي الصوم على وجهه المطلوب..