ولن يكون الإنسان خليفة الله على خليقته الا إذا اتسع قلبه للحب المطلق لكل صورها والوانها وكان تصرفه فيها تصرف الحكيم الذي يصلح ولا يفسد. ولا يعيق الحب في القلوب مثل الخوف. فالخوف هو الأب الشرعي لكل الآفات التي ايف بها السلوك البشري في جميع عصور التاريخ..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)




الثورة الثقافية

الثورة الفكرية

الثورة الفكرية


الفكر هو وظيفة حاسة العقل .. ففي حين أن:-
النظر هو وظيفة العين ..
و السمع هو وظيفة الأذن ..
والشم هو وظيفة الأنف ..
و الذوق هو وظيفة اللسان ..
و اللمس هو وظيفة اليد ..
فإن الفكر هو وظيفة العقل .. و العقل هو جماع هذه الحواس الخمس ..
ففي البدء كان القلب: "إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين" و كقشرة تقي القلب ظهر الجسد .. و من الجسد ظهرت الحواس التي ذكرناها أعلاه ، ثم تمركزت ، و بها ظهر العقل .. فالقلب مخدوم ، والجسد ، و العقل ، خادمان و وظيفة العقل الإدراك .. و العقل الحيواني وحدة غير منقسمة .. و هو موظف لتحصيل اللذة .. و هو ، في هذا المستوى ، حظ مشترك بين الحيوان الواطي و الإنسان الرفيع .. و هو ما سمي "بالنفس الأمارة" .. "إن النفس لأمارة بالسوء" .. ثم وقعت القسمة بالتكليف الإجتماعي ، قبل التكليف الشرعي ، و ذلك بدخول أعراف المجتمع لتقيد تصرفات الأفراد .. ثم زادت القسمة وتوكدت بمجئ الشرائع السماوية المتقدمة ، و التي تقوم على التوحيد ، و على الإيمان بالغيب .. و قسمة العقل التي تهمنا هنا إنما هي القسمة في مستوى العباد السالكين الذين دخلوا مرحلة النفس اللوامة .. و لو أن القسمة حصلت قبل ذلك بوقت طويل .. و عن هذه القسمة ورد باطن الآية: "أولم ير الذين كفروا أن السموات و الأرض كانتا رتـقاً ففتـقناهما ؟؟" .. و معلوم أن ظاهر الآية يتحدث عن السموات ، و الأرض ، في آيات الآفاق .. و الإنقسام الذي حصل إنما هو ظهور اللطيف من الكثيف .. و الفكر إنما هو حركة العقل بين اللطيف و الكثيف .. و بهذه الحركة يقع الإدراك .. و هذه الحركة سريعة ، حساسة .. هي أسرع من حركة العين بالنظر .. و هي لا يستقر لها قرار ، و إنما هي في ذبذبة مستمرة ، و حتى عندما يكون الإنسان نائماً فإنها تتخذ صوراً قد تظهر في الأحلام ، و قد تكون بعيدة من السطح ، مختفية في الأغوار .. و من ثم ، فإن حركتها في الأحلام قد تكون منسية لدى صاحبها .. و هذه القوة التي تتحرك في العقل بين طرفيه ، اللطيف و الكثيف ، و التي بحركتها يكون الفكر إنما هي قوة الذكاء .. و طرفا العقل ، المختلفان إختلاف مقدار ، بين الكثافة و اللطافة ، هما المسميان ، في التعبير الديني ، بالنفس والروح .. و هما نقيضان لدى النظرة السطحية ، ولكنهما شئ واحد لدى التحقيق الدقيق .. و الإختلاف بينهما إنما هو إختلاف في المقدار .. هو كالإختلاف الذي يكون بين الشفرة وحد الشفرة ، كلاهما من مادة واحدة ، و لكن حد الشفرة مسحوبة فيه المادة إلى لطافة جعلته حاداً ، وقاطعاً .. و بندول الفكر ، في حركته ، و ذبذبته المستمرة ، و السريعة ، بين هذين الطرفين المتناقضين ، في ظاهر الأمر ، دائماً يمر بنقطة وسط بينهما .. هذه النقطة الوسط تمثل التفكير المستقيم .. و لكن ، لكثرة ، و لسرعة أضطراب الفكر بين طرفي النقيض ، فإنه لا يكاد ينفق وقتاً في نقطة إستقامة التفكير هذه .. هذه النقطة التي يمر عليها ، وهو لا يكاد يشعر بها ، تقع في خط الإستواء ، و هو خط الإستقامة الذي ورد عندنا في: "أهدنا السراط المستقيم * سراط الذين أنعمت عليهم ، غير المغضوب عليهم ، و لا الضالين". "فالمغضوب عليهم" يمثلون طرفاً ، "و الضالين" يمثلون الطرف الآخر من طرفي النقيض .. و لا يكون التفكير سليماً ، و لا مستقيماً و لا مسدداً ، إلا إذا إستطاع أن ينفق وقتاً أطول في نقطة خط الإستواء .. و هذه هي وظيفة التوحيد وهي وظيفة الصلاة .. و هذا التفكير السليم هو التفكير الذي يريده الدين عندما قال تعالى: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم .. و لعلهم يتفكرون" .. و لقد قلنا: أن العلة وراء إرسال الرسول ، و وراء إنزال القرآن ، و تشريع الشريعة ، إنما هو الفكر: "ولعلهم يتفكرون" .. و ليس بالفكر عبرة إن لم يتهذب ، و يتأدب ، بأدب شريعة القرآن ، و بأدب حقيقته .. و أدب الشريعة ينهانا عن العجلة ، و يأمرنا بالصبر .. وأدب الحقيقة ينهانا عن العجلة ، ويأمرنا بالصبر .. و هما فيما يأمراننا لا يختلفان إلا إختلاف مقدار .. و سبب العجلة التي تؤوف حياتنا ، و تفكيرنا ، و أخلاقنا ، إنما هو الخوف .. الخوف على الحياة ، و الخوف على الرزق. و لذلك فقد وظف القرآن نفسه لتحريرنا من الخوف ، حتى يستطيع فكرنا أن يطيل مكثه في نقطة خط الإستواء هذه . و لقد تحدثنا عن ذلك عند حديثنا عن وظيفة الصلاة .. فإننا لننتصر على الزمن كلما سيطرنا على حركة الفكر هذه بين الطرفين النقيضين.
عند ماركس فإن التوحيد إنما يتم بالصراع بين النقيضين .. و للنقيضين عنده صور كثيرة ، و لكن أكثر ما يهتم بها منها ، هو الوضع الطبقي بين المستغِلين "بكسر الغين" و المستغَلين "بفتح الغين" .. فإن الطبقتين تمثلان نقيضين .. و يقع بين هذين النقيضين صراع ، لابد من العنف فيه ، فتظهر ، نتيجة لهذا الصراع ، طبقة ثالثة موحدة .. ثم لا تلبث هذه الطبقة الموحدة أن يظهر فيها النقيضان .. ثم أن هذين النقيضين لا يلبثان أن يصطرعا بينهما كما جرى لسابقيهما .. و هذا يستمر لغير نهاية ، لأن كل توحيد عنده يحمل عنصر التناقض في ذاته .. و هذا ما أسماه بالصراع الطبقي ، و ما قال عنه في أحد مبادئه الأربعة: "التاريخ ما هو إلا سجل لحرب الطبقات" .. و هذه هي فلسفته في عملية التاريخ التي سماها "المادية التاريخية" .. و لما كانت فكرة الخالق مجحودة عند كارل ماركس فقد تبع ذلك رفض وحدة الوجود .. و من ثم فإن المتناقضين عنده يقومان على إختلاف نوع .. و هذا ما يجعل العنف عنده أصلاً من الأصول .. و هو ، بطبيعة الحال ، أس الخطأ في تفكير ماركس ، مما يجعل الماركسية مرحلية .. و إن كانت هذه المرحلية في غاية الأهمية في تاريخ تطور المجتمع فكرياً ، و إجتماعياً ، و سياسياً ، في القرنين الأخيرين .. الماركسية مرحلية لأنها ، حين قطعت صلتها بالغيب ، عجزت عن إدراك القوة التي تؤثر في تطور الإنسان من خارج المادة .. لقد خدمت الماركسية غرضاً كبيراً و لكنها قد إستنفذت غرضها هذا ، و أخذت تدخل التاريخ .. و هي لن تكون لها في المستقبل غير قيمتها التاريخية هذه .. و هي قيمة كبيرة ، من غير شك ، إذ قد شكلت قنطرة تربط ، ربطاً علمياً ، في مجال الفكر ، ومجال التنفيذ ، بين المادة و الروح .. فهي بذلك ـ أعنى الماركسية ـ قد جعلت عودة الإسلام ، من جديد ، ممكنة ، و واجبة ..
التناقض موجود في الإسلام .. و التوحيد بين المتناقضين هو عمل كلمة التوحيد: "لا إله إلا الله" .. فقد قلنا أن التفكير هو الجولان بين متناقضين ، هما: الروح ، و النفس .. و النفس كثيفة ، مظلمة .. و الروح لطيفة ، مشرقة .. و من هاتين الهيئتين يقوم التناقض بين الروح و النفس. ولكن التوحيد يمنع إختلاف النوع ، و يقول ، إن كل الإختلاف ، بين كل مظاهر الوجود ، إنما هو إختلاف مقدار .. ويقول إن الروح مادة في حالة من الإهتزاز لا تتأثر بها حواسنا ، و أن النفس مادة في حالة من الإهتزاز تتأثر بها حواسنا .. فالإختلاف إذن بين الروح والنفس ، إنما هو إختلاف سرعة الذبذبة بينهما ، و لكن كلتاهما مادة .. و المادة إنما هي طاقة. و هذه الطاقة إنما هي إرادة الخالق الواحد .. و من ههنا فإن التوحيد مقرر مسبقاً ، و ذلك لوحدة العقل الكلي الذي ما الوجود المتعدد المظاهر إلا أثره الملموس . و التوحيد ، الذي نتحدث عنه في الدين ، إنما غرضه ترويض العقل الحادث ـ عقل الإنسان ـ على محاكاة ، أو قل تقليد ، العقل الكلي في نزاهته عن الرغبة ، و في عدم ميله مع الهوى .. ذلك لأن الهوى هو آفة التفكير الأساسية .. و قديماً قال أرسطو في تعريف القانون بأنه: "العقل الذي لم يتأثر بالرغبة" ، يعني العقل المحايد .. و تحييد العقل هو عمل الدين ، و وظيفة الصلاة ، و لقد تحدثنا عن ذلك في جملة من كتبنا ..
هذا ، و أكبر النقيضين في الفكر الإسلامي إنما هما الرب ، والعبد ، و الإختلاف بينها إنما هو إختلاف مقدار ، لأن العبد إنما هو تنزلات الرب من الإطلاق إلى القيد .. و العبد يكدح ليقطع المسافات ـ مسافات بعد الصفات ـ ليعود إلى الإطلاق مرة أخرى ، و هيهات!! ذلك لأن السير في هذا المضمار إنما هو سير سرمدي .. و معلوم عند من أوتوا العلم أنه ، من كل الوجود ، لا يبقى في آخر الأمر ، إلا الرب و العبد .. و بقاؤهما سرمدي. و الحجاب القائم بين الرب و العبد ، و لن ينفك ، إنما هو العقل .. إنما هو الطرف اللطيف من العبد ، و هو العقل .. فبالعقل تقع الزيادة في الترقي ، و به يقع الحجاب .. و العبادة إنما هي محاولة مستمرة لرفع الحجاب و ذلك بتحييد العقل .. و لقد قال ، جل من قائل: "إن كلٍ من في السموات و الأرض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم و عدهم عدا * و كلهم آتية يوم القيامةٍ فردا" .. و ليس إتيان العبد الرب بقطع المسافات ، و إنما هو بتقريب الصفات من الصفات .. و من أجل تقريب الصفات من الصفات جاء أمره تعالى "كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب ، و بما كنتم تدرسون" .. و مع أن الصراع بين المتناقضين في الإسلام قائم ، و العنف طرف فيه ، كما قد بينا ، غير أنه ، عندما يعرف العبد ، بفضل الله ، ثم بفضل العبادة ، أن الصراع الذي يقع بينه و بين بيئته الطببيعية والبشرية إنما هو ، في الحقيقة ، صراع بينه وبين ربه ـ إنما هو إعتراض منه على ربه ـ فإنه عندما يعرف ذلك ينساق إلى ترك العنف ، وإلى المسالمة و إلى إحتمال الأذي من الناس ، و كف الأذى عن الناس .. و إنما من هذا المشهد جاءت وصية المسيح: "من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر ، كذلك" و جاءت وصيته: أحبوا أعداءكم !! باركوا لاعنيكم !! وصلوا من أجل الذين يسيئون إليكم !! ويطردونكم !!" .. و لكن حكم الوقت قد جعل وصايا المسيح غير عملية ، و غير ممكنة التطبيق .. و لذلك فإنها ، عملياً و تطبيقياً ، قد كانت منسوخة ، فلم يعشها أحد غيره .. لا !! و لا تلميذه الأكبر ، بطرس!! و لقد جاءت دعوة الإسلام ، في بدء أمره ، على نحو من هذا الإسماح ، و لكن حكم الوقت قد جعلها ، من الناحية العملية و التطبيقية ، غير ممكنة ، و لذلك فقد نسخت وما عاشها ، بعد النبي أحد .. لا !! ولا صاحبه الأكبر أبو بكر الصديق!! و لكن من فضل الله علينا ، و على الناس ، أن نسخها لم يتركنا في فراغ ، و إنما جاء بقرآن فرعي ، عليه قامت المرحلة التي تناسب حكم الوقت ، وتنقل المجتمع ليكون في مستوى تطبيق الوصايا في التشريع ، و تطبيق الإسماح هذا الذي لم يطقه مجتمع الوقت الماضي .. وهذا الصنيع هو الذي جعل الإسلام أكمل من اليهودية ، و من النصرانية .. ذلك لأن آيات فروعه عاملة ، في مستوى القاعدة ، كشريعة للعامة ، في الوقت الذي تظل فيه آيات أصوله ـ آيات الإسماح و التسامح ـ في القمة ، و صايا غير ملزمة لأحد ، و إنما يدخلها من أطاق من باب الندب .. ثم أن الإسلام ، حين تكتمل الدعوة لأصوله ، إنما تكون فروعه عاملة ، في بعض صورها ، كقاعدة لشريعة العامة ، منها يتسامون إلى مراتب العزائم التي تقوم على أصول آياته .. قال تعالى في الأصول والفروع: "والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون * و جزاء سيئة سيئة مثلها .. فمن عفا ، و أصلح فأجره على الله .. إنه لا يحب الظالمين * و لمن إنتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل * إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ، و يبغون في الأرض بغير الحق .. أولئك لهم عذاب أليم * و لمن صبر ، و غفر ، إن ذلك لمن عزم الأمور" .. إن هذا لمن النسق العالي في سياسة النفوس ، و تربيتها ، و التسامي بها إلى القمم المطلوبة .. فإن الإنسان بطبيعته المكتسبة ـ بطيبعته الثانية ـ شكس ، و مفترس ، و معتد .. ويجد الميل في نفسه "لأن يكيل الصاع صاعين" ، كما يقال .. فأنت لا تستطيع أن تطلب إليه من هذا الغور السحيق أن يصعد إلى القمة ، و أن يسمح لا و لا تستطيع أن تطلب إليه أن يحتمل الأذى ، و أن يكف الأذى .. و لكنك قد تستطيع أن تطلب إليه أن "يكيل الصاع صاعاً" ، بدلاً من صاعين ، بمعنى أن يعتدل ، و أن يكون عادلاً .. تستطيع أن تطلب إليه أن يجزي السيئة بسيئة ، ولا يزيد .. و هو قد يمكنه أن يفهمك ، وقد يمكنه أن يستجيب لدعوتك ، و إن كانت تكلفه شيئاً قد يكون جديداً على نفسه ، و لكنه شئ ممكن ، بقليل من المجهود . و من هذا القبيل جاء قوله تعالى: "وجزاء سيئة سيئة مثلها .. " ومن هنا فإن المقتص لنفسه ممن إعتدى عليه لا يشعر بجرم الخروج عما أراد الله ، و عما يرضى ، و إن كان قد يشعر بأن المزيد من مرضاة الله لا يزال أمامه ، لأنه قد ندب ، و لم يكلف ، إلى العفو .. فإنه تعالى قد قال ، في تمامة الآية: "فمن عفا ، و أصلح ، فأجره على الله" و "عفا و أصلح" هذه تقابل عبارة المسيح حين قال: "أحبوا أعداءكم !! باركوا لاعنيكم !! و صلوا من أجل الذي يسيئون إليكم ، ويطردونكم !!" .. هي في مقابلة هذه .. و هي أكبر من قوله: "من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر كذلك" .. و لكن القرآن قد وضع السلم لتحقيق هذه الغاية الرفيعة ، حين تركها الإنجيل معلقة في الهواء .. ثم تأمل الآية الأخيرة ، التي أوردناها: "و لمن صبر ، و غفر ، إن ذلك لمن عزم الأمور" .. تأملها ملياً ، بعد أن تتأمل الآيات التي سقناها قبلها..
إن الإسلام ، اذن ، بفكرة التوحيد ، التي تقوم على وحدة الخالق ، و وحدة الوجود ، و التي تجعل الإختلاف بين المظاهر المتباينة ، و المتعددة ، إنما هو إختلاف مقدار بين مظهرين من الشئ الواحد ، إستطاع أن يسقط العنف في أول الأمر ، و أن يسعى لتحقيق التسامح و المصالحة ، و المحبة في آخر الأمر .. و "الديالكتيك" الذي في إعتبار ماركس ، يقع بين المتناقضين ، و يجري فيه العنف ، هو في الإسلام عند النهايات ، حين يكون المتناقضان العبد والرب ، إنما يتخذ صورة الإعتراف ، و الندم على الأخطاء التي وقعت من العبد نحو الرب ، وظهر بها العبد قليل الأدب مع ربه .. هذا "الديالكتيك" يجري عن طريق الإستغفار ، ولا مكانة فيه إذن للعنف .. و لقد تحدثنا عن هذا في كتابنا: "تعلموا كيف تصلون" .. و خلاصة ما يقال هنا أن غرض "الديالكتيك" في الإسلام "إقرأ التوحيد" ، إنما هو إيجاد التناسق ، و التوافق ، و الإنسجام ، و المحبة ، بين المتناقضات .. هو إيجاد ، كل ، موحد ، متسق ، من المظاهر المختلفة في الوجود .. و هذه هي الصفة التي أعطت الإسلام القدرة على التوفيق بين الفرد والجماعة .. التوفيق بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة و حاجة الجماعة إلى العدالة الإجتماعية الشاملة .. هذا في حين عجزت عن هذا التوفيق الماركسية ، و ظنت أن الفرد و الجماعة متناقضان ، و لا تتسق مصلحتاهما في كلٍ منسق متحد أبداً .. و إنما هو الفرد ، أو الجماعة .. فكان أن إهتمت بحقوق الجماعة ، و أهدرت حرية الفرد .. و في هذا العجز يكمن فشل الماركسية ..
و بالرغم عن كل ما يقال ضد الماركسية فإن لها أفضالاً لا يمكن التغاضي عن أهميتها ولا يمكن بخسها حقها .. و أيسر هذه الفضائل أنها قد هيأت الفرصة لمجئ ثورة الإسلام الثانية ، التي قلنا أن بها تتصحح المعادلة الماركسية تلك التي تقول: "العنف و القوة هما الوسيلتان الوحيدتان لتحقيق أي تغيير أساسي في المجتمع" ، و إنما يكون تصحيحهما بإسقاط العنف منها .. فإن الله ، تبارك و تعالى ، بمحض فضله ، ثم بفضل إظهاره ماركس في الآونة الأخيرة ، فقد سار الصراع الطبقي بذكاء ، و بعلمية ، جعلت القوة تتقدم وضرورة العنف تقل مما فتح الطريق لإسقاطه من الإعتبار تماماً . أو ، على الأقل ، لحده في نطاق ضيق ، عندما يراد إحداث تغيير في المجتمع .
و من ههنا ظهور ما يسمى ، في الوقت الأخير ، بالثورات البيضاء ، و هي الثورات التي يحدث بها التغيير من غير إراقة للدماء ، أو بإراقة للدماء تعتبر قليلة ، إذا ما قيست إلي الثورات في الماضي .. ليس معنى هذا أن الأفراد البشريين ، والمجتمعات قد إستغنت عن العنف تماماً ، و لكن معناه أن العنف قد أصبح مستهجناً من كثير من الناس ، مما يوحي بأن وقته قد آذن بزوال ..
إن الإنسان المتمدين الذي يعيش على قانون الإنسان ، و يتخلص تماماً من قانون الغابة قد أظلنا عهده .. ونحن ، لنجعل مجيئه ممكناً ، وسريعاً ، إنما نحتاج إلى الدعوة إلى مجتمع سمح تقوم علائقه على قانون الإنسانية ، المتخلصة تماماً من رواسب قانون الغابة .. و هذه هي القوانين الدستورية التي تستمد من الدستور الإنساني "أقرأ الدستور الإسلامي" هذا على أن يكون الإسلام مفهوماً فهماً جديداً قائماً على نسخ آيات الفروع ، و بعث آيات الأصول .. فإنه ليس في آيات الأصول أي أثر لقانون الغابة .. و القانون الدستوري المستمد من هذا الدستور الإنساني هو ذلك القانون الذي يوفق ، في سياق واحد ، بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة ، و حاجة المجتمع إلى العدالة الإجتماعية الشاملة .. و الفرد فيه غاية في ذاته ، و الجماعة أكبر وسائل تحقيقه .. و لما كانت الوسيلة الكاملة طرفاً من الغاية الكاملة فقد وجب أن يكون مجتمعنا كاملاً .. و ليكون مجتمعنا كاملاً: يجب أن يقوم على ثلاث مساويات: المساواة الإقتصادية ، و هي الإشتراكية التي تتطور نحو الشيوعية ، حيث تكون خيرات الأرض مشاعة بين الناس. و المساوة السياسية ، و هي الديمقراطية النيابية التي تتطور نحو الديمقراطية المباشرة .. و المساواة الإجتماعية حيث يكون التزاوج ممكناً بين الرجال و النساء في جميع مستويات المجتمع .. تضاف إلى هذه المساويات الثلاث سماحة الرأي العام .. فقد يجب أن يهذب ، و يعلم الرأي العام بحيث يكون سمحاً ، حراً ، لا يضيق بأنماط الفكر الحر .. ثم أن إعدادنا المجتمع ، في هذا المستوى الرفيع ، لا يعدو أن يكون إعداداً للمسرح الذي يمثل فيه كل فرد دوره الفردي ، بمجهوده الفردي ، لإحراز كمالاته الفردية .. و لإنضاج فرديته التي ينماز بها عن أفراد القطيع .. و لابد لنا من منهاج تربوي ، إذن ، بممارسته يصل الأفراد إلى تحقيق هذه الفردية. هذا المنهاج هو تقليد "قدوة التقليد" ، محمد النبي الأمي ، الذي قال الله تعالى عنه: "قل إن كنتم تحبون الله ، فإتبعوني .. يحببكم الله" .. هذا المنهاج الذي يمارس على اديم أرض مملوءة عدلاً ، و علماً ، و سلاماً ، ومحبة ، هو الذي ينتج "الثورة الفكرية" .. فالثورة الفكرية هي قوة و إستقامة ، و مضاء ، وسرعة إنطلاق الفكر القوي ، يكشف الجهل ، وينفذ إلى دقائق العلم ، و يحرر صاحبه من الخوف ، و يسوقه سوقاً إلى حظيرة المحبة ، و الإنس .. الثورة الفكرية حرب لا هوادة فيها ، ضد الخرافات ، و الأباطيل ، و الأوهام ـ ضد الجهل في أي صورة من صوره ـ و هي ، من ثم ، إنتصار للأحياء ، و الأشياء .. الثورة الفكرية تجديد للحياة ، في مراقي الكمال ، متخلقة ، في ذلك ، بأخلاق الله ، الذي قال عن نفسه: "كل يوم هو في شأن " .. ثم ، أنه ، سبحانه و تعالى ، لا يشغله شأن عن شأن .. و إنما شأن الله تعالى هو تعليمه لخلقه ، و إظهاره ذاته لهم ليعرفوه .. و إنما شأن الإنسان الكامل هو أن يحسن التلقي عن الله .. و لما كان يوم الله ليس أربعاً و عشرين ساعة ، و إنما هو "زمنية " تجليه تعالى ، و ظهوره لعباده ، فإن هذه "الزمنية " لتدق حتى أنها ، عند التجلي الذاتي ، لتخرج عن أن تكون زمناً .. و هذا هو الذي يوجب على العارف أن ينتصر على الزمن ، و يرتفع إلى مقام الصلة الكبرى ، ذلك المقام المحمود الذي تحقق للنبي ، بمحض فضل الله تعالى ، و في تلك الجمعية الكبرى التي تمت له ليلة المعراج ، والتي قال عنها الله ، تبارك و تعالى: "إذ يغشى السدرة ما يغشى * مازاغ البصر و ماطغى" .. "إذ يغشى السدرة " محمد .. "مايغشى" من التجلي الذاتي على محمد .. "ما زاغ البصر و ما طغي" .. "البصر" الفكر .. "مازاغ" ما إشتغل بالماضي .. "و ماطغى" ، ما إشتغل بالمستقبل .. و معنى هذا أن ذبذبة بندول الفكر قد توقفت .. و معنى هذا أنه قد تم رفع حجاب الفكر ، فأصبح النبي قلباً كله ، أي تمت له الوحدة الذاتية ، في الوحدة الزمانية ، في الوحدة المكانية .. وهو قد عبر عن ذلك فقال: "ليلة عرج بي إنتسخ بصري في بصيرتي فرأيت الله" .. هذا هو المقام الذي توصل إليه "الثورة الفكرية" . و لقد كانت الثورة الفكرية في القرن السابع حظ النبي وحده ، دون سائر أمته .. لم يبلغها أحد سواه .. لا !! و لا أبو بكر !! و ذلك أن النبي قد كان بينهم غريباً .. و لم يكن منهم .. و لم يأتهم من الماضي ، و لا من الحاضر الذي يعيشونه ، و إنما أتاهم من المستقبل .. جاءهم ليسوقهم سوقاً رفيقاً ليكونوا مرحلة إنتقال تنجب أمة المستقبل .. و هذا هو معنى قوله تعالى: "يسبح لله ما في السموات ، و ما في الأرض ، الملك القدوس العزيز الحكيم * هوالذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ، و يزكيهم ، ويعلمهم الكتاب ، و الحكمة ، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين * وآخرين منهم لما يلحقوا بهم .. و هو العزيز الحكيم * ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .. و الله ذو الفضل العظيم " .. "الأميين" هم أمة البعث الأول .. "رسولاً منهم " إشارة إلى بشريتهم ، فهو بشر مثلهم .. "وآخرين منهم لما يلحقوا بهم" إشارة إلى امة البعث الثاني الذين سماهم النبي بالأخوان ، حين سمى أمة البعث الأول بالأصحاب ، و ذلك في حديث الأخوان المشهور ، وقد أوردناه كثيراً في مواضع شتى ، و ما يهمنا منه هنا قوله: "وا شوقاه لإخواني الذين لما يأتوا بعد !!" أخذاً من قوله تعالى "و آخرين منهم لما يلحقوا بهم " .. و "لما" تنفي الماضي إلى اللحظة الحاضرة ، و توكد المجئ في المستقبل .. فمن مستوى "الأخوان" رجع النبي ليدرج "الأصحاب" .. من مستوى "المسلمين" رجع ليدرج "المؤمنين" .. فهو وحده قد كان "المسلم" بين "أمة المؤمنين" .. و هو لذلك قد كان طليعة "أمة المسلمين" التي لما تأت بعد ، و التي ، نحن الجمهوريين ، إنما نبشر بها اليوم ، في جميع ما نأتي و ماندع ، من أقوالنا ، و أفعالنا ... . و وسيلتنا إليها هي: "الثورة الفكرية" التي تتحقق ببعث: "لا إله إلا الله" من جديد ، قوية ، خلاقة ، تغير العقول والقلوب . و الطريق إلى بعث "لا إله إلا الله" من جديد هو تجويد تقليد "قدوة التقليد" حتى يفضي بنا تجويد التقليد إلى الإستقلال عن التقليد ـ إلى الأصالة ـ من ههنا جاءت دعوتنا إلى "طريق محمد" .. و جاء إخراجنا في هذا الطريق كتابنا: "طريق محمد" ..
لقد قلنا عن "الثورة الفكرية" ما يكفي ، في هذا المقام الضيق .. والحديث عن "الثورة الفكرية" فنونه كثيرة .. و لكن لابد لنا أن نكفكفه هنا .. و لا بد لنا من كلمة أخيرة .. هذه الكلمة الأخيرة هي: أن الفكر الثائر " هو "إكسير الحياة" ، الذي طالما هام به "الفلاسفة " و "العلماء" و "الفنانون" .. الفكر "الثائر" هو الفكر "السائر" إلى أصل الحياة الذي منه صدرت ـ إلى الله في إطلاقه ـ سيراً حثيثاً ، منطلقاً ، لا يلوي على شئ .. سيراً به تتجدد حياة الحي ، في كل جزئية ، من جزئيات الثانية الواحدة .. قال تعالى عن هذا السير: "و من كل شئ خلقنا زوجين .. لعلكم تذكرون * ففروا إلى الله !! إني لكم منه نذير مبين * ولا تجعلوا مع الله إلهاً آخر !! إني لكم منه نذير مبين !!" .. قوله تعالى: " و من كل شئ خلقنا زوجين" إشارة إلى الضدين .. إشارة إلى الطرفين .. إشارة إلى النقيضين .. قوله " لعلكم تذكرون" هذه هي العلة وراء خلق الأزواج . لأن الفكر لم يكن ليستطيع أن يميز ، و أن يدرك لو لا وجود الضدين .. . و بين الضدين تكون ذبذبة الفكر ، من النقيض إلى النقيض .. و لا يكون الفكر مسدداً ، و لا مستقيماً إلا إذا أصاب نقطة إلتقاء الضدين .. و هذا هو التوحيد .. توحيد النقيضين .. و قد أشار إلى هذا التوحيد في الآية الثالثة حيث قال: "و لا تجعلوا مع الله إلهاً آخر !! إني لكم منه نذيرمبين !!" يعني "فروا" ، من كل ماله ضد ، إلى من ليس له ضد .. "فروا" من الأكوان إلى المكون . هذه هي "الثورة الفكرية" التي عنيناها في مقدمة كتابنا: "لا إله إلا الله" الذي صدر في الخامس والعشرين من مايو عام 1969 ، و ذلك حيث قلنا: (و المرحلة الثانية من ثورة أكتوبر هي مرحلة الفكر المستحصد ، العاصف ، الذي يتسامى بإرادة التغيير إلي المستوى الذي يملك معه المعرفة بطريقة التغيير .. و هذه تعني هدم الفساد القائم ، ثم بناء الصلاح مكان الفساد ، و هي ما نسميه "بالثورة الفكرية" .. فإن ثورة أكتوبر لم تمت ، ولا تزال نارها تتضرم ، و لكن غطى عليها ركام من الرماد .. فنحن نريد أن تتولى رياح الفكر العاصف بعثرة هذا الرماد ، حتى يتسعر ضرام أكتوبر من جديد ، فتحرق نارها الفساد ، ويهدي نورها خطوات الصلاح .. و ليس عندنا من سبيل إلى هذه "الثورة الفكرية" العاصفة غير بعث الكلمة: "لا إله إلا الله" جديدة ، دافئة ، خلاقة في صدور النساء ، و الرجال ، كما كانت أول العهد بها ، في القرن السابع الميلادي ..)