ولن يكون الإنسان خليفة الله على خليقته الا إذا اتسع قلبه للحب المطلق لكل صورها والوانها وكان تصرفه فيها تصرف الحكيم الذي يصلح ولا يفسد. ولا يعيق الحب في القلوب مثل الخوف. فالخوف هو الأب الشرعي لكل الآفات التي ايف بها السلوك البشري في جميع عصور التاريخ..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)




الثورة الثقافية

الثورة الثقافية

الثورة الثقافية


"الثورة الثقافية" هي النتيجة المباشرة "للثورة الفكرية".. الثورة الثقافية هي نقطة إلتقاء الفكر بالواقع .. والمقصود هنا بالطبع هو الفكر "الثائر" .. فإذا إلتقى الفكر الثائر بالواقع فإن التغيير هو دائما النتيجة.. ولايمكن إلا أن يكون التغيير سريعاً ، ومع ذلك ، فإنه يجب أن يكون تغييراً بغير عنف .. "فالثورة الثقافية " ، على هذا هي التغيير السريع للأحسن ، من غير عنف .. هي تملك "سرعة" الثورة ، وتبرأ من "عنف" الثورة .. فالثورة الثقافية ، بإيجاز ، هي علم ، وعمل بمقتضى العلم .. وهذا ما به يحصل التغيير ..
ولما كان الفكر الثائر هو الذي يحدث الثورة الثقافية ـ يحدث تغيير الواقع بصورة سلمية ، وثورية في آنٍ معاً ـ ولما كان الفكر الثوري فكراً دقيقاً ، وأصيلاً ، ونفاذاً ، وسليماً ، فإن تغييره للواقع لا بد أن يبدأ من داخل النفس البشرية .. ذلك بأن أي تغيير يقتصر على الخارج ـ على البيئة البشرية ، والبيئة الطبيعية ـ أعني: المجتمع ، الطبيعة ، لا يكون تغييراً سليماً ، ولا مستقيماً ، ذلك بأن التغيير الخارجي ، إنما هو صورة للداخل ، أعني للنفس البشرية ، فإذا كانت النفس خربة بالأحقاد ، والضغائن ، والعداوات الرعناء ، في كلمة واحدة ، بالجهل ، فإن هذا الخراب يطبع بطابعه التغيير الذي يجري في المجتمع وفي البيئة ..
لقد كان العرب يعرفون الرجل المثقف بأنه هو الذي يملك محصولاً كبيراً من معرفة تاريخ العرب ، وأنسابهم ، وعاداتهم ، وأشعارهم .. ثم جاء وقت قريب أعتبر فيه المثقف هو الذي يستطيع أن يفهم حين يقرأ الكتاب العلمي ، أو المجلة العلمية ، والكتاب الفني أو المجلة الفنية .. ومهما يكن من الأمر فإننا نعيش الآن في عهد إزدهار العلوم ، والفنون ، والفلسفات البشرية .. وتخرج المطبعة لنا عشرات الآلاف من الكتب الجديدة ، في صنوف المعارف ، كل يوم .. ويعتبر الرجل المثقف عندنا هو الذي يتابع حركة التأليف ، والنشر ، في الكتب والمجلات ، التي تساير آخر تطور العلوم ، والفنون ، ثم يكون له في كل مسألة ، من هذه المسائل ، رأي عتيد .. وآفة الثقافة ، بهذا المدلول ، إنما هي أن المثقف قد يحمل شذرات كثيرة من المعارف من غير أن تتأثر بها أخلاقه ، تأثيراً كبيراً ، ومن غير أن يتحرر بها فكره ، تحريراً كبيراً .. ثم أن الثقافة ، حتى بهذا المدلول الموسوم بالسطحية ، أصبحت تتعرض اليوم لآفة التخصص ، الذي هو سمة العصر الحاضر .. ذلك بأن كثرة العلوم ، وتشعبها في كل فن من فنونها ، قد أصبحت تستحوذ علي نشاط العلماء كله .. فأنت ، من أجل التجويد في الإنتاج ، لا بد لك من أن توقف نشاطك العلمي كله على فرع معين من فروع العلوم ، تتخصص فيه ، ولا تتعداه لغيره .. وأخذت آفات التخصص تظهر ، وتلك هي النظرة الجانبية ، التي تتوفر على شئ واحد ، يستغرقها ، وتحاول إستغراقه ، حتى يصبح الإنسان وكأنه آلة مصممة على إنتاج صنف واحد في صناعة واحدة ..
جاء في "المنجد" في اللغة قوله (ثقف الرمح: قومه ، وسواه .. . وثقف الولد فتثقف: هذبه ، وعلمه ، فتهذب وعلم .. فهو مثقف ، وهي مثقفة .. وهذا مستعار من ثقف الرمح .. والثقاف آلة تثقف بها الرماح ) قال شاعرهم: ـ
إنا إذا عض الثـقــا*ف برأس صعدتنا لوينا
نحمي حقيقتنا وبعض*الناس يسـقط بيـن بينا
والصعدة هي قناة الرمح .. فإذا قطعت من شجرتها وبها إعوجاج ثقفت بالثقاف ، لتكون مستوية ، ومستقيمة .. فإذا إستوت ، واستقامت فهي قناة مثقفة .. وأراد الشاعر بقوله:
إنا إذا عض الثقـاف برأس صعدتنا لوينا
أنه هو وقومه شديدو المراس ، لا يلينون لتقويم المقومين ، لأن في خلقهم ، وعورة ، وإباء .. وأبان هذا حين قال:
نحمي حقيقتنا وبعض * الناس يسقط بين بينا
فكلمة "الثقافة" في اللغة العربية كلمة طيبة جداً ، ذلك بأنها تشير إلى التقويم ، والتهذيب .. وهذا أمر يشير إلى الأخلاق .. فلكأن "الثقافة" في اللغة العربية هي "الثقافة" في الدين الإسلامي ، "التقويم" و "التهذيب" ، فإنه ، في الإسلام ، قد قال المعصوم: "الدين المعاملة" وقال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" .. ومكارم الأخلاق هي: حسن التصرف في الحرية الفردية المطلقة .. والحرية الفردية المطلقة هي حظ الرجل ، ذي الفكر الثائر .. الرجل الذي يفكر كما يريد ، ويقول كما يفكر ، ويعمل كما يقول .. ثم لا تكون نتيجة عمله الا خيرا ، وبرا ، بالأحياء والاشياء .. والحرية الفردية تبدأ بالقيد ، وهي ، في مستوى القيد ، حظ الرجل الحر ،وهو الذي يفكر كما يريد ، ويقول كما يفكر ، ويعمل كما يقول .. ثم يتحمل مسئولية قوله وعمله ، وفق قانون دستوري .. وقد أسلفنا تعريف القانون الدستوري .. وحسن التصرف في الحرية ، إذا كانت في قاعدتها ـ الحرية المقيدة بالقانون ـ أو في قمتها ـ الحرية المقيدة بالأخلاق ـ لا يتأتى إلا إذا تهذب الداخل ، واستقام ، فسلم القلب من مذام الأخلاق ، وصفا العقل من أوضار الأباطيل ، والخرافات .. هذه هي الثقافة .. سلامة القلب ، وصفاء الفكر .. وإنما يتم ذلك بتثقيف الباطن .. ومن الممتع حقاً أن نلاحظ أن القامة البشرية تشبه صعدة الرمح ـ قناة الرمح ـ هي تشبهها في ظاهرها ، وفي باطنها ـ في ظاهرها "الجسم" وفي باطنها "النفس" ولذلك فإن العرب تقول: فلان صلب القناة ، يريدون أنه صعب المراس ، قوي الشكيمة ، شديد الأسر ..
الرجال عندنا ثلاثة: الرجل الذي لا يقول ، ولا يعمل ، لأنه يخاف من مسئولية قوله ، وعمله ، وهذا هو العبد .. والرجل الذي يحب أن يقول ، وأن يعمل ، ولكنه يحاول أن يهرب تحت الظلام ، فلايواجه مسئولية قوله ، ولا عمله .. وهذا هو الفوضوي .. والرجل الذي يحب أن يفكر ، وأن يقول ، وأن يعمل ، وهو مستعد دائماً لتحمل مسئولية قوله ، وعمله .. وهذا هو الرجل الحر .. والرجل الحر هو الثمرة الطيبة للثورة الفكرية ، وللثورة الثقافية .. وهو الإبن الشرعي للمجتمع الكامل .. ومع ذلك فإن المجتمع إنما هو من صنع الرجال .. المجتمع أكبر إختراع إخترعه الإنسان .. بيد أن مخترعه مجهول ، ووقت إختراعه أيضاً مجهول .. وذلك لأنه إنما نشأ بغير عمل إرادي موجه لإنشائه .. ونشأ في الماضي السحيق الممعن في السحق .. هو في نشأته أقرب إلى العمل التلقائي العفوي ، منه إلى العمل المرسوم الموجه .. ولكن الذكاء البشري قد أخذ يتدخل في توجيهه منذ زمن قريب .. فقد جاء كبار الرجال ، وطلائع أحرار البشرية ، دائماً بأفكار التغيير .. فأثروا في تفكير ، وأخلاق ، أفراد المجتمعات .. وأحدثوا ، من ثم ـ من تغيير الأفراد ـ تغييراً كبيراً واسعاً ، وشاملاً في المجتمعات .. وما نعرف ، في التاريخ المعاصر ، ولا في التاريخ القديم ، تغييراً هو في سرعة ، وعمق ، وشمول ، التغيير الذي جرى للمجتمع الجاهلي ، في الجزيرة العربية ، في القرن السابع ، على يدي رسول الإسلام العظيم .. ولقد تحدثنا عن هذا التغيير حديثاً يسيراً فيما أسميناه بثورة الإسلام الأولى ، في هذا الكتاب .. ولكن يهمنا هنا أن نقرر أن تغيير الإسلام للمجتمعات إنما يبدأ بالأفراد .. وهو دائماً يسير بتوكيد على تغيير الأفراد ، وتغيير الجماعات. ولقد يتضح لنا هذا الصنيع جلياً إذا علمنا أن شريعته على مستويين مستوى الفرد ، ومستوى الجماعة .. فأما شريعته في مستوى الفرد فقد عرفت بشريعة العبادات .. وأما شريعته في مستوى الجماعة فقد عرفت بشريعة العادات ـ شريعة المعاملات .. ثم أن النبي الكريم قد قال: "الدين المعاملة " .. وقال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " .. وهو قد علم أن الدين يعاش بوجهين .. وجه يلي الرب ، قانونه العبادة .. ووجه يلي الخلق ، قانونه المعاملة .. وقول المعصوم "الدين المعاملة" شمل هذين الوجهين في سياق واحد .. هو معاملة للرب بصدق العبادة ، وخلوص الضمير ، وحسن التوجه ، وبالتخضع والتذلل ، الذي يوجبه مقام العبد من الرب .. وهو معاملة للخلق ـ جميع الخلق ـ بالصدق ، والنصيحة ، وحب الخير ، وصلاح ذات البين ، في السر ، والعلن.
ومطلب التوحيد من العباد توحيد هذين الوجهين .. فكأن العبد ، في خلوته مع ربه ، إنما يتلقى منه صفاء الفكر ، ودقة النظر ، اللذين يستعين بهما علي القدرة على حسن معاملة الناس ـ هو ، لدى خلوته بربه ، بمثابة من يتلقى العلم النظري ، ثم هو لدى إضطرابه في المجتمع ، فإنما يجد الفرصة لتطبيق هذا العلم النظري ، معاملة ، وحسن خلق مع الناس .. فليس عابداً مجوداً من ينفرد بربه في "خلوته " ثم لا تكون له "جلوة " مع الناس .. أو هو ، عندما تكون له الجلوة مع الناس ، لا يلقون منه إلا صنوف الكيد ، من سوء الفعل ، وسوء القول .. وليس أيضاً بعابد من ينصرف عن لقاء ربه في الخلوة إكتفاءً بما يظنه حسن خلق مع الناس في الجلوة .. وإن كان هذا قد يكون خيراً من ذاك ، خيراً من الذي يعبد ويؤذي الناس ، وهو راضٍ عن صنيعه ، لأنه راضٍ عن عبادته .. والخلوة التي نريدها ليست في المغارات ولا في الكهوف ، ولا في الحجرات المغلقة ، ولا هي في الفلوات .. وإنما هي في خلوة الثلث الأخير من الليل: "قم الليل إلا قليلا * نصفه ، أو أنقص منه قليلا * أو زد عليه .. ورتل القرآن ترتيلا * إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلا * إن ناشئة الليل هي أشد وطأً وأقوم قيلا" .. والجلوة هي: "إن لك في النهار سبحاً طويلا" .. ففي الخلوة معاملة الرب .. وفي الجلوة معاملة الخلق .. ولم يقل المعصوم "الدين المعاملة" إلا ليؤكد ضرورة حسن خدمة الناس ، وحسن القول للناس ، وحسن الظن بالناس .. وكل هؤلاء لا تتفق للإنسان إلا بإتقان العبادة .. يلاحظ أنه لم يقل "الدين العبادة " .. لأنه قد تكون هناك عبادة بغير حسن معاملة للناس ، وإنما هو قد قال: "الدين المعاملة " .. والعبادة هنا حاضرة ، لأنه لا يمكن أن تكون هناك معاملة للناس في مستوى حسن العمل فيهم ، وحسن القول لهم ، وحسن الظن بهم ، إلا إذا كانت هناك عبادة ، وعبادة صحيحة .. فالوحدة ، إذن ، قائمة ، ولا تنفصم ، بين العبادة والمعاملة .. فمن لا يعبد ، العبادة الصحيحة ، لا يمكن أن يحسن معاملة الناس .. ومن يعبد ، وهو لا يحسن معاملة الناس ، فليس بعابد ، وإن أسهر ليله وأظمأ نهاره .. فما ينبغي أن ينخدع الناس بالمظاهر الكاذبة .. فإن: "الدين المعاملة " ..
والوحدة القائمة بين العبادة والمعاملة إنما تجد سندها في النص القرآني الكريم: (إليه يصعد الكلم الطيب ، والعمل الصالح يرفعه) .. و "الكلم الطيب" إنما هو التوحيد .. وهو أيضاً ثمرة التوحيد ـ الفكر الصافي .. "والعمل الصالح" كثير ، يخطؤه العد .. وأعلاه الصلاة .. ثم هو كل معاملة ، حسنة ، توجهها المحبة للأحياء ، والأشياء ، وتضبطها الحكمة .. وإنما كانت الصلاة عملاً صالحاً في القمة لأنها معاملة ، وسياسة ، لنفس المصلي. ثم هي مؤدية إلى حسن المعاملة ، والسياسة للأحياء ، والأشياء .. وذلك لأن بالصلاة يتم السلام مع النفس .. والنفس التي حققت السلام في داخلها لا يمكن إلا أن يلقى الناس منها السلام ، والخير ، والبر والحب .. وفي الحق ، أن كل عمل يعمله الإنسان ، في العبادة ، أو في معاملة الأحياء .. والأشياء ، يترك أثره في نفس عامله ، أول الأمر ، ثم هو يترك أثره في الوجود الخارجي ، آخر الأمر .. والقاعدة في ذلك قوله تعالى: "فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره" وإنما من هنا أصبح ديننا المعاملة .. أصبح ديننا الحياة كلها .. ولقد تعرضنا لشرح هذا في كتابنا "تعلموا كيف تصلون" ، وذلك لدى حديثنا عن حضرتي الصلاة: حضرة الإحرام وحضرة السلام .. ولقد ذكرنا أن أدب حضرتي الصلاة إنما هو في الحضور مع الله .. ولقد تهمنا هنا حضرة السلام .. فالقاعدة ، في حضرة السلام ، التي بها يستجلب الحضور مع الله ، إنما هي عمل الواجب المباشر جهد الإتقان ، ثم محاولة الرضا بالنتيجة .. في حديث المعصوم وارد: "إن الله كتب الإحسان على كل شئ ، فمن ذبح منكم فليشحذ شفرته ، وليجهز على ذبيحته" .. وفي القرآن الكريم يجيء قوله ، جل من قائل: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، جناح فيما طعموا ، إذا ما اتقوا وآمنوا ، وعملوا الصالحات . ثم اتقوا وآمنوا . ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ..) .. قوله تعالى: "ليس على الذين آمنوا ، وعملوا الصالحات ، جناح فيما طعموا .." أراد بهم عامة المؤمنين .. قوله: "وعملوا الصالحات" .. عمل الصالحات عند هؤلاء هو القول باللسان ، والعمل بالجوارح ، في العبادات المفروضة .. واجتناب الحرام ، وأخذ الحلال ، ومن غير إسراف فيه أيضاً .. وهذه هي الشريعة .. والشريعة هي أول منازل السالكين إلى الله . وفي هذا المستوى جاءت المنزلة الأولى من تدرج الآية في منازل السير نحو القرب من الله ، وذلك حين قال "إذا ما اتقوا ، وآمنوا ، وعملوا الصالحات" .. ثم هو قد قال ، تبارك من قائل: "ثم اتقوا ، وآمنوا" .. وهذه منزلة في أول منازل الطريقة .. والطريقة شريعة موكدة .. هي شريعة وزيادة .. ذلك لأنها إنما دخلت في مناطق الورع .. والورع عيشه الكفاف .. وهو لا يجتنب الحرام البين فحسب ، ولكنه قد يتورع حتى عن أخذ الحلال البين .. وهو لا يصلي المكتوبة فحسب ، ولكنه يأخذ نفسه بعزائم النوافل ليرفع بها مكتوبته ، خوفاً عليها ألا تكون في مستوى القبول .. ولم يرد في الآية ، في هذا المقطع ذكر: "وعملوا الصالحات" ولكنه موجود .. وحين يكون عمل الصالحات في مرتبة صاحب الشريعة ، هو العدل بين الناس ، وعدم التعدي عليهم ، فإنه ، في مرتبة صاحب الطريقة ، يتسامى إلى التسامح والعفو .. ثم سار التلقى بالسالك حتى أدت به طريقته الي أول المنازل من حقيقته ، فجاء ذكره في هذا المقطع من الآية بقوله ، جل من قائل: "ثم إتقوا ، وأحسنوا" والإحسان زيادة فى الإيمان ، ينزل بها صاحبها أول منازل اليقين .. ولم يرد ذكر عمل الصالحات هنا أيضاً ولكنه موجود .. فليس فى الدين علم إلا وهو يوجب العمل ..
ذلك لأن القاعدة التى جاء النص عليها بقوله ، تبارك وتعالى: "إليه يصعد الكلم الطيب ، والعمل الصالح يرفعه" إنما تطرد ، دائماً ، ولا تتخلف .. فحين يذكر العمل ، فى مثل قوله ، : "إذا ما إتقوا ، وآمنوا ، وعملوا الصالحات" فإنما ذلك ذكر بين .. ولكنه ، حين لا يرد هذا الذكر البين للعمل الصالح ، كما هو الحال فى مثل قوله ، مثلا: "ثم إتقوا وآمنوا" أو فى مثل قوله تعالى: "ثم إتقوا وأحسنوا" أو فى مثل قوله تعالى: "والله يحب المحسنين" فإن “عمل الصالحات” ، دائمًا مقصود .. والغرض من ترك ذكره ههنا إنما الإشارة الى إنطوائه فى “الإيمان” وإلى إنطوائه فى “الإحسان” .. وإنما تلك منازل ، من منازل القرب من الله ، ، تحققها وتحددها درجة التوحيد عند الموحدين .. ومنازل القرب من الله لا حصر لها ، ولكن يمكن الإشارة الى المنازل السبعة ، وهى المعروفة بالصفات النفسية السبع ..وهى ، فى طريق التنزل عن الذات ، أولها الحياة ، ثم العلم ، ثم الإرادة ، ثم القدرة ، ثم السمع ، ثم البصر ، ثم الكلام .. وهى فى طريق المعراج إلى الذات تصعد بالعبد من الكلام نحو الذات ، وأعلى منازلها الحياة ، وترك ذكر عمل الصالحات فى مقاطع الآية المختلفة التى سلفت الإشارة إليها أنما أريد به الإشارة إلى قرب المسافة بين الفكر ، والقول ، والعمل ، والحياة ، كلما أرتقى السالك فى مراقى القرب ..فإن كل الصفات قائمه بالذات ، ومنضوية فيها .. والذات ، فيما يخص العبد ، تنوب عنها ، من الصفات النفسية السبع ، التى ذكرناها ، صفة الحياة .. والمقصود هنا بالحياة إنما هو حظ العبد الكامل منها .. وفى الحياة تنضوي كل الصفات .. وإنما من ههنا جاء ، فى مقطع الآية ، بقوله ، تبارك من قائل: "والله يحب المحسنين" .. "المحسنين" هؤلاء إنما هم الذين أحسنوا عبوديتهم لربهم ، فعاشوا معه فى حضرة عمرت كل جزئيات أوقاتهم ، فأحبهم ليحبوه "يحبهم ويحبونه" .. فسلمت حياتهم من الآفات ، وإطمأنت من الخوف ، وبرئت من شوائب النقص ، فهى تعلم ما تشاء أن تعلم ، وتريد ما تريد أن تريد ، وتقدر على كل ما تريد .. يوصل إلى هذا المقام الإحسان اليسير فى بدء حياة السالك ، ذلك الإحسان الذى أشار إليه المعصوم بقوله: "إن الله كتب الإحسان على كل شئ .. فمن ذبح منكم فليشحذ شفرته ، وليجهز على ذبيحته" .. وهذا الإحسان هو ما أ سميناه فى مواضع شتى: "أ داء الواجب المباشر جهد الإتقان" فأول ما تجب ملاحظته هو أن عليك واجبات ولك حقوقاً .. عليك واجبات نحو ربك ، ونحو نفسك ، ونحو مجتمعك .. ولك حقوق قبل كل هؤلاء ..
والقاعده السليمة ، فى التعامل السليم ، هى أن تفكر فى أداء الواجبات التى عليك ، قبل أن تفكر فى تقاضي الحقوق التى لك .. والواجبات كثيرة ، لا تحصى .. فالواجبات نحو الرب كثيرة ، وبعضها أهم من بعض .. والواجبات نحو النفس كثيرة ، وبعضها أهم من بعض ..والواجبات نحو المجتمع كثيرة ، وبعضها أهم من بعض .. وسيكون عليك أن تقدم أداء الواجب الأهم على أداء الواجب المهم ، سواء أوقعت المقارنة بين هذه الواجبات فى داخل مراتبها التى ذكرناها ـ الواجب نحو الرب ، والواجب نحو النفس ، والواجب نحو الناس ـ كل مرتبة على حدة ، أو وقعت هذه المقارنة بينها فى مراتبها الثلاث مشاعة فى بعضها ، ومتداخلة .. وتقديم أداء الواجب الأهم على أداء الواجب المهم ، هو ما أ سميناه بأداء الواجب المباشر ، أن تؤديه بإتقان ، وبتجويد ، وبإحسان ، وأنت على علم بأن "الله قد كتب الإحسان على كل شيء" .. ثم يبقى عليك بعد ذلك واجب مهم وهو أن تترقب النتيجة وراء أداء واجبك هذا المباشر .. فإن جاءت النتيجة وفق مرضاة نفسك فإن واجبك أن تشكر الله ، وأن ترى المنة منه ، وألا يستخفك البطر .. إن جاءت النتيجة بخلاف ما يرضيك فإن عليك أن تتقبل عناية الله ، وأن تثق فى حكمة تدبيره إياك ، وأن تحمده .. ويجب عليك أن تحفظ قلبك فلا تذهب نفسك حسرات على ما فاتك من الخير ، فيما تزعم لك نفسك ، بتسويل الجهل لها ، أن الخير قد فاتها .. وتقديم الواجب المباشر ، بعد تمييزه ، يحتاج إلى قوة فكر لا تتوفر إلا بالعبادة المجودة .. وإتقان أداء الواجب المباشر يحتاج إلى علم لايتوفر إلا بالتعلم .. ونحن نعيش فى عصر العلم .. ولكل عمل يؤديه الإنسان طريقة علمية ، يمكن أن يؤدى بها ، فتنساق به إلى إتقان الأداء ، وإلى إقتصاد الجهد المبذول فيه ، وإلى توفير النفقة عليه .. كل عمل نعمله ، فى عصرنا هذا ، يجب أن يقوم على علم ، وعلى تخطيط وفق العلم ، وعلى تنفيذ وفق التخطيط . هذه هى الخطة العلمية التى بإتباعها ، فى أثناء أداء عملنا اليومى ، نكون سايرين فى طريق التوحيد الذى هو غرض عبادتنا ، وغرض حياتنا .. فإنك حين تؤدى واجبك فى عملك اليومى وفق علم به ، وتخطيط له وفق هذا العلم ، ثم يجئ تنفيذك إياه وفق هذا التخطيط ، تكون متخلقاَ بأخلاق الله . فإنه ، سبحانه وتعالى ، يخلق "بعلم وإرادة ، وقدرة" فهو بالعلم أحاط بمخلوقاته ، وبالإرادة قد خصص صورة البروز ، وبالقدرة قد أبرزها إلى حيز الوجود .. وقيامك أنت على أداء واجبك بهذه المراتب الثلاث: علم وتخطيط ، وتنفيذ ، يحرز لك وحدة عقلك ، ويدك ، وعينك .. وهذه تسوق مباشرة إلى توحيد القوى المودعة فيك ، والتى بها تكتمل حياتك ، والتى هى غرض العبادة ، الأول والأخير وقد أ شرنا إليها فى مواضع كثيرة .. تلك القوى هى العقل ، والقلب ، والجسد ..
ويجب أن يكون واضحاًَ فإن عملك فى أداء واجبك بهذه الصورة يجب أن تكون النية فيه خالصة من كل شائبة .. "ألا لله الدين الخالص" ..
ونحن ، من أجل الإهتداء إلى تمييز الواجب المباشر ، نقدم: "الثورة الفكرية" .. ومن أجل الإهتداء ألى إتقان أداء الواجب المباشر نقدم: "الثورة الفكرية" و"الثورة الثقافية" .. وستتخذ "الثورة الثقافية" صورة سلسلة من الكتيبات بإسم "تعلموا كيف" .. تبدأ بكتيب "تعلموا كيف تصلون" الذى سيكون بين أيدى القراء قريباً ، إن شاء الله ، ثم تسير إلى غير نهاية ، تقدم كل موضوع من الموضوعات التى يأتيها الآتى ، فى "خلوته" مع ربه ، أو فى "خلوته" مع أهله ـ مع زوجته ـ أو فى "جلوته" مع الآخرين ، بطريقة علمية تتطلب ثلاث المراتب معاً ، وفى آنٍ واحد: العلم الدقيق بالأمر المراد أداؤه ، ثم التخطيط ، وفق هذا العلم ، ثم التنفيذ ، وفق هذا التخطيط .
"الثورة الفكرية" ، و "الثورة الثقافية" هى الثورة التى تبدأ ، ولكنها لا تنتهى ، على الإطلاق .. هى تبدأ فى هذه الحياة ، وتبدأ عندنا منذ اليوم ، إن شاء الله ، ولكنها لا تنتهى .. هى لا تنتهى لا فى البرزخ ، ولا فى الآخرة ولا فى السرمد . ذلك لأن بها السير إلى الله .. والسير إلى الله إنما هو سرمدى .. فأهل الدنيا ، فى الدنيا ، سائرون إليه .. وأهل البرزخ ، فى البرزخ ، سائرون إليه .. وأهل الجنة ، فى الجنة ، سائرون إليه .. وأهل النار ، فى النار ، سائرون إليه ، فأنه ما من الله بد .. "يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً ، فملاقيه" ذلك وعد غير مكذوب . والسير إلى الله "ثورة فكرية" و "ثورة ثقافية" ، على إختلاف فى ذلك يقع فى المقدار ، ولا يقع فى النوع .