لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الديباجة

صفحة ١٣

((13))


إنما من أجل التواؤم بين حياة الحي البشري، وبين البيئة، نشأ الدين، ونشأ العلم المادي، ونشآ كتوأمين، في وقت واحد، كما سبقت إلى ذلك الإشارة‏.‏‏. ثم نشأ المجتمع، فعمق معنى الدين، وطور العلم المادي‏.‏‏.
ولقد ظلت البشرية، في طول عمرها، تسير على رجلين من روح، ومن مادة‏.‏‏. وهي لم تستغن، في أي وقت من أوقاتها، عن أي رجل من هذين الرجلين‏.‏‏. وكل ما هناك أنها كانت، في سيرها، تقدم رجل الروح تارة، ورجل المادة تارة أخرى‏.‏‏. كما يفعل الإنسان حين يسير على رجليه من يمين وشمال‏.‏‏.
والآن فإن البشرية قد قدمت رجل الروح في القرن السابع‏.‏‏. ثم أخذت تتهيأ لتقديم رجل المادة، من ذلك الوقت البعيد‏.‏‏.
اليوم العالم مادي‏.‏‏. وحتى المتدينون من يهود، ومن نصارى، ومن مسلمين، ومن غيرهم من الملل، والنحل، إنما يظهرون التدين، ويبطنون المادية‏.‏‏. أسوأ من ذلك، فإن أغلبية المتدينين إنما يتوسلون بالدين، ويستغلونه، للمادة‏!!
ولقد تطور، بفضل الله، ثم بفضل الصراع بين الأحياء البشرية، السلاح، من مستوى السلاح الحجري، حتى وصل القنبلة الذرية، على يد علماء العلم المادي التجريبي المعاصرين‏.‏‏. وبمحض الفضل الإلهي، فإن العلم المادي التجريبي قد أعان البشرية على مزيد من التعرف على البيئة التي نعيش فيها، وظللنا، طوال حياتنا الطويلة، نتوق إلى التعرف عليها‏.‏‏.
لقد أظهر العلم التجريبي، بانفلاق الذرة، أن المادة، بصورها المتعددة، كلها وحدة‏.‏‏. بل لقد أظهر أن المادة التي نعرفها فيما مضى، ونلمسها، ونحسها بحواسنا، أو ندركها بعقولنا، ليست هناك، وإنما هي طاقة، تدفع، وتجذب، في الفضاء‏.‏‏. ويعرف العلم المادي التجريبي خواص هذه الطاقة، ولكنه يجهل كنهها‏.‏‏. بل إن كنهها لا يدخل في نطاق تجاريبه‏.‏‏. ولا هو يدّعي أنه سيدخل، يوما ما، في نطاق تجاريبه‏.‏‏. وحين تطور العلم التجريبي المادي حتى رد المادة في جميع صورها إلى أصلها الأصيل في الوحدة - في الطاقة - تطور توأمه الدين، حتى لقد وصل بتصعيد التوحيد إلى رد كل المناشط البشرية، والطبيعية، في العوالم المنظورة، وغير المنظورة، إلى أصل واحد‏.‏‏. إن العالم جميعه، ماديه، وروحيه، إنما هو مظهر الله الذي خلقه، وقدره، وسيره‏.‏‏.
على ذلك اتفق إنجاز العلم المادي التجريبي، والعلم الروحي التوحيدي‏.‏‏. بإيجاز فان البيئة التي نعيش فيها اليوم، وظللنا نعيش فيها في عهودنا السحيقة، ونحاول التعرف عليها، بكل وسائل البحث، والتقصي، قد انكشفت اليوم، بفضل الله علينا وعلى الناس‏.‏‏. إنها ليست بيئة مادية كما توهمنا - بمعنى المادة التي نألفها - وإنما هي في الأصل بيئة روحية ذات مظهر مادي‏.‏‏. هي ذات الله متنزلة إلى حياته، ثم متنزلة إلى علمه، ثم متنزلة إلى إرادته، ثم متنزلة إلى قدرته‏.‏‏. فبعلمه الإحاطة، وبإرادته التخصيص، وبقدرته التجسيد‏.‏‏. وبالتجسيد جاء المظهر المادي، بمعنى ما اصطلحنا عليه من معنى المادة‏.‏‏.
فلما فتت العلم المادي التجريبي المادة، فردها إلى طاقة معروفة الخصائص، مجهولة الكنه، وصلنا إلى الإرادة الإلهية التي قهرت الوجود، وسيرته إلى الله‏.‏‏.
إن العلم المادي التجريبي، والعلم الروحي التجريبي - التوحيدي‏.‏‏. اتحدا اليوم في الدلالة على وحدة الوجود‏.. لقد انفلقت نواة المادة فأحدثت دويا عظيما، وتوشك أن تنفلق نواة الدين وسيُسمع لها دوي أعتى، وأعظم، من ذلك الذي أحدثته الذرة حين انفلقت‏.‏‏.