((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الديباجة

صفحة ١٣

((13))


إنما من أجل التواؤم بين حياة الحي البشري، وبين البيئة، نشأ الدين، ونشأ العلم المادي، ونشآ كتوأمين، في وقت واحد، كما سبقت إلى ذلك الإشارة‏.‏‏. ثم نشأ المجتمع، فعمق معنى الدين، وطور العلم المادي‏.‏‏.
ولقد ظلت البشرية، في طول عمرها، تسير على رجلين من روح، ومن مادة‏.‏‏. وهي لم تستغن، في أي وقت من أوقاتها، عن أي رجل من هذين الرجلين‏.‏‏. وكل ما هناك أنها كانت، في سيرها، تقدم رجل الروح تارة، ورجل المادة تارة أخرى‏.‏‏. كما يفعل الإنسان حين يسير على رجليه من يمين وشمال‏.‏‏.
والآن فإن البشرية قد قدمت رجل الروح في القرن السابع‏.‏‏. ثم أخذت تتهيأ لتقديم رجل المادة، من ذلك الوقت البعيد‏.‏‏.
اليوم العالم مادي‏.‏‏. وحتى المتدينون من يهود، ومن نصارى، ومن مسلمين، ومن غيرهم من الملل، والنحل، إنما يظهرون التدين، ويبطنون المادية‏.‏‏. أسوأ من ذلك، فإن أغلبية المتدينين إنما يتوسلون بالدين، ويستغلونه، للمادة‏!!
ولقد تطور، بفضل الله، ثم بفضل الصراع بين الأحياء البشرية، السلاح، من مستوى السلاح الحجري، حتى وصل القنبلة الذرية، على يد علماء العلم المادي التجريبي المعاصرين‏.‏‏. وبمحض الفضل الإلهي، فإن العلم المادي التجريبي قد أعان البشرية على مزيد من التعرف على البيئة التي نعيش فيها، وظللنا، طوال حياتنا الطويلة، نتوق إلى التعرف عليها‏.‏‏.
لقد أظهر العلم التجريبي، بانفلاق الذرة، أن المادة، بصورها المتعددة، كلها وحدة‏.‏‏. بل لقد أظهر أن المادة التي نعرفها فيما مضى، ونلمسها، ونحسها بحواسنا، أو ندركها بعقولنا، ليست هناك، وإنما هي طاقة، تدفع، وتجذب، في الفضاء‏.‏‏. ويعرف العلم المادي التجريبي خواص هذه الطاقة، ولكنه يجهل كنهها‏.‏‏. بل إن كنهها لا يدخل في نطاق تجاريبه‏.‏‏. ولا هو يدّعي أنه سيدخل، يوما ما، في نطاق تجاريبه‏.‏‏. وحين تطور العلم التجريبي المادي حتى رد المادة في جميع صورها إلى أصلها الأصيل في الوحدة - في الطاقة - تطور توأمه الدين، حتى لقد وصل بتصعيد التوحيد إلى رد كل المناشط البشرية، والطبيعية، في العوالم المنظورة، وغير المنظورة، إلى أصل واحد‏.‏‏. إن العالم جميعه، ماديه، وروحيه، إنما هو مظهر الله الذي خلقه، وقدره، وسيره‏.‏‏.
على ذلك اتفق إنجاز العلم المادي التجريبي، والعلم الروحي التوحيدي‏.‏‏. بإيجاز فان البيئة التي نعيش فيها اليوم، وظللنا نعيش فيها في عهودنا السحيقة، ونحاول التعرف عليها، بكل وسائل البحث، والتقصي، قد انكشفت اليوم، بفضل الله علينا وعلى الناس‏.‏‏. إنها ليست بيئة مادية كما توهمنا - بمعنى المادة التي نألفها - وإنما هي في الأصل بيئة روحية ذات مظهر مادي‏.‏‏. هي ذات الله متنزلة إلى حياته، ثم متنزلة إلى علمه، ثم متنزلة إلى إرادته، ثم متنزلة إلى قدرته‏.‏‏. فبعلمه الإحاطة، وبإرادته التخصيص، وبقدرته التجسيد‏.‏‏. وبالتجسيد جاء المظهر المادي، بمعنى ما اصطلحنا عليه من معنى المادة‏.‏‏.
فلما فتت العلم المادي التجريبي المادة، فردها إلى طاقة معروفة الخصائص، مجهولة الكنه، وصلنا إلى الإرادة الإلهية التي قهرت الوجود، وسيرته إلى الله‏.‏‏.
إن العلم المادي التجريبي، والعلم الروحي التجريبي - التوحيدي‏.‏‏. اتحدا اليوم في الدلالة على وحدة الوجود‏.. لقد انفلقت نواة المادة فأحدثت دويا عظيما، وتوشك أن تنفلق نواة الدين وسيُسمع لها دوي أعتى، وأعظم، من ذلك الذي أحدثته الذرة حين انفلقت‏.‏‏.