((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الديباجة

صفحة ٢٠

((20))


لقد أصبح علينا أن نعطي كلمة الديمقراطية: حكم الشعب بواسطة الشعب لمصلحة الشعب معنى جديدا يناسب المرحلة المقبلة من مراحل تطور البشرية المعاصرة‏.‏‏.
لقد سبق أن قررنا أن كلمة الديمقراطية قد تطورت في معناها عبر ما يزيد على الألفي سنة بتطور معنى كلمة الشعب‏.‏‏. لقـد أصبحت كلمة الشعب في الديمقراطيات النيابية عندنا اليوم تعني كل المواطنين، من رجال، ونساء، منذ أن يبلغوا سن الرشد‏.‏‏. هذا تطور في "الكم" لا يكاد يحتاج إلى مزيد، وإنما يجب أن ندخل، في تطوير كلمة الشعب، "الكيف" بعد أن استوفينا، أو كدنا نستوفي، "الكم"‏.‏‏. ذلك بأن الحكم الديمقراطي لا يمكن أن يحققه شعب جاهل كما سبقت إلى ذلك الإشارة‏.‏‏. ولا نعني بالجهل هنا عدم تعليم المدارس، فقد سبق أن بيّنا أن تعليم المدارس، الحاضر، على النهج الغربي وحده، ليس بعلم، وإنما هو علم ناقص - هو علمانية ‏.‏‏. ‏هذه مرحلة البشرية، وأمامنا مرحلة الإنسانية‏.‏‏. ومرحلة الإنسانية تطور فوق مرحلة البشرية، كتطور مرحلة البشرية، فوق مرحلة الحيوانية‏.‏‏. ولقد فصّلنا في ذلك في مقدمة الطبعة الرابعة من كتابنا: "رسالة الصلاة" حيث تحدثنا عن مراحل نشأة الإنسان، وقلنا إن له أربع مراحل، في نشأته هذه المباركة‏.‏‏. قلنا هناك:
"لقد تحدثنا عن المراحل الأربع من نشأة الإنسان‏.‏‏.
تحدثنا عن المرحلة الأولى فقلنا: إن بدايتها في الأزل، حيث برز الإنسان في الجسد، في المادة غير العضوية تلك التي نسميها، اصطلاحا ميتة - ونهايتها عند دخول المادة العضوية المسرح‏.‏‏.
وتحدثنا عن المرحلة الثانية، فقلنا: إن بدايتها عند ظهور المادة العضوية – تلك التي نسميها، اصطلاحا، حية – ونهايتها عند ظهور العقل‏.‏‏. ويتضح لنا من هذا، أن الشبه كبير بين المرحلتين: الأولى والثانية، فهما معا مرحلة الجسد الصرف، على اختلاف مستوياته من ذرة بخار الماء إلى أعلى الحيوانات الثديية، ما خلا الإنسان ‏.‏‏.
وأما المرحلة الثالثة فهي تتميز عن المرحلة الثانية ببروز العقل من الجسد، وهو عهد جديد، وخطير‏..‏
وأما المرحلة الرابعة فهي تتميز عن المرحلة الثالثة، بدخول الحاسة السادسة، والحاسة السابعة، في المسرح، وتلك درجة جديدة من درجات الترقي، تصبح بها الحياة البشرية شيئا جديدا، مختلفا عما ألفنا من قبل‏.‏‏.
ولذلك فإنا نستطيع أن نقول: إن لدينا ثلاث مراحل لنشأة الإنسان، مرحلة الجسد الصرف، ومرحلة الجسد والعقل المتنازعين، وأخيرا مرحلة الجسد، والعقل المتسقين ‏.‏‏." انتهى

فأما مرحلة الجسد والعقل المتنازعين فهي مرحلة البشرية، منذ بدء الخليقة، وإلى اليوم‏.‏‏. وأما مرحلة الجسد والعقل المتسقين، فهي مرحلة الإنسانية، التي هي قبلة البشرية الحاضرة، منذ اليوم، وليس لها منها بد‏.‏‏.