لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الديباجة

صفحة ٢١

((21))


مرحلة الجسد والعقل المتنازعين، هي مرحلة الكبت، التي نعيشها الآن والتي بها ارتفع الإنسان فوق مرتبة الحيوان - فوق مرحلة الجسد الصرف - والفضل في ذلك لله، ثم للعقل‏.‏‏.
والعقل عقلان: عقل المعاش، وعقل المعاد‏.‏‏. فأما عقل المعاش فهو القوة الّدرّاكه فينا، التي استلها من الجسد، الخوف من القوى الرهيبة التي هددت الحياة بالموت الذريع، منذ أول النشأة‏.‏‏. فهو، من أجل ذلك، قلق، مضطرب، خفيف، يجسد الخوف ويجسد الحرص‏.‏‏. وهو موكل بمجرد حفظ حياة الحيوان وحركته ليست فكرا، وإنما هي قلق، وخوف مما يجيء به المستقبل المجهول‏.‏‏. هو غريزي، وليس مفكرا‏.‏‏. هو شاطر، وليس ذكيا، وإدراكه علماني، وليس علميا‏.‏‏. وقد وردت الإشارة لهذين المعنيين قبل حين‏.‏‏. ومن هذا العقل يجيء الجبن، والحرص، وحب الادخار، والبخل، وكل مذام الصفات‏.‏‏.
وأما عقل المعاد فهو أيضا القوة الدّراكه فينا، وهو الطبقة التي تقع بين عقل المعاش، والقلب، هو أيضا خايف، ولكن خوفه ليس عنصريا، ساذجا، وإنما هو خوف موزون بالذكاء الوقاد، الذي يملكه حين يفقده عقل المعاش الشاطر‏.‏‏. عقل المعاد، موزون، رزين، وقور‏.‏‏. وهو أيضا موكل بحفظ الحياة، ولكنه لا يخاف عليها من كل ناعق، كما يفعل عقل المعاش، وذلك لأنه يملك موازين القيم‏.‏‏. فهو قد يستهين بالخطر الماثل، في سبيل الأمن الدائم، وهو قد يضحي باللذة العاجلة، ابتغاء اللذة الباقية.. هو ينشغل بالحياة الأخرى، أكثر مما ينشغل بالحياة الدنيا.. عقل المعاد هو عقل الدين - هو الروح..
نحن لا نفهم الدين بعقل المعاش، وإنما نفهمه بعقل المعاد‏.‏‏. وعقل المعاش يتأثر بعقل المعاد، ويؤثر فيه، قال تعالى في العقلين: ((الشيطان يعدكم الفقر، ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا، والله واسع عليم‏.‏‏.)) الشيطان هنا عقل المعاش، والرحمن عقل المعاد‏.‏‏. والشيطان داخلنا، وخارجنا‏.‏‏. خارجنا هو الروح الشرير الذي لا يأمر بخير، وداخلنا هو عقل المعاش، الذي ينصت للشيطان، ويأتمر بأمره‏.‏‏. وإنما هو داخلنا لأننا خلقنا مـن الطين المحروق بالنار، في حين خلق الشيطان من النار‏.‏‏. ((خلق الإنسان مـن صلصال كالفخار* وخلق الجان من مارج من نار))‏.‏‏.
وعقل المعاش حين يؤثر على عقل المعاد يزلزله، ويخرجه من وقاره، ويذهله عن قيمه، وإنما من أجل تهذيب عقل المعاش جاءت الشريعة‏.‏‏. فهي، بوسيلة العبادة، وبوسيلة العقوبة، تسيّر عقل المعاش ليتهذب، ويلتقي بعقل المعاد‏.‏‏.