لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الديباجة

صفحة ٢٢

((22))


والعبادة ثلاث مستويات: فكرية وقولية، وعملية‏.‏‏. وأعلى مستويات العبادة العملـية الصلاة‏.‏‏. وهي تشمل الفكر والقول والعمل، منذ بداياتها‏.‏‏.
والصلاة تهذب عقل المعاش، بصورة أوكد من كل عبادة، لأنها تحارب الجولان بين الماضي، والمستقبل، وتروض المصلي على أن يعيش اللحظة الحاضرة‏.‏‏. وهي قد فرضت في مقام: "ما زاغ البصر وما طغي"‏.‏‏. ومن ههنا اكتسبت المقدرة على محاربة الجولان، بين الماضي والمستقبل، الذي هو آفة فكر المعاش الأساسية‏.‏‏. وأما وسيلة العقوبة فأعلاها الحدود‏.‏‏.
والحدود خمسة، وقد وردت الإشارة إليها في موضع سابق من هذا الحديث‏.‏‏. والحدود يمكن أن تنضوي تحت القصاص‏.‏‏. فالقصاص معاوضة- من أتلف شيئا يعوضه - والحدود معاوضة‏.‏‏. والقصاص قانون حياة، أولا، ثم قانون دين، ثانيا‏.‏‏. قبل ظهور العقول كان القصاص: ((فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره))‏.‏‏. ثم بعد ظهور العقول جاء قانون الدين: ((و كتبنا عليهم فيها: أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص))‏.. واليوم فإن قانون الحياة ساير‏.‏‏. وأحسن حالات الناس أن يسيروا بقانونهم مصاقبين لقانون الحياة، لأن الله تبارك وتعالى، يريد، بمحض فضله، للعقل البشري أن يصاقب، وينطبق، على العقل الكلي- العقل المحيط- العقل الالهي‏.. ومن أجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وشرع الشرائع‏.‏. ولقد جاء عندنا في القرآن: ((وأنزلنا إليك الذكر، لتبيّن للناس ما نزل إليهم، ولعلهم يتفكرون))‏.‏‏. فبالعبادة والمعاملة، في المجتمع، وفق الشريعة، والطريقة، والحقيقة، يقوى الفكر، ويسير العقل بالحياة مصاقبا للعقل الكلي، كل حين، وفي ذلك كمال العقل، والقلب، والجسد‏.‏.