((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الديباجة

صفحة ٢٢

((22))


والعبادة ثلاث مستويات: فكرية وقولية، وعملية‏.‏‏. وأعلى مستويات العبادة العملـية الصلاة‏.‏‏. وهي تشمل الفكر والقول والعمل، منذ بداياتها‏.‏‏.
والصلاة تهذب عقل المعاش، بصورة أوكد من كل عبادة، لأنها تحارب الجولان بين الماضي، والمستقبل، وتروض المصلي على أن يعيش اللحظة الحاضرة‏.‏‏. وهي قد فرضت في مقام: "ما زاغ البصر وما طغي"‏.‏‏. ومن ههنا اكتسبت المقدرة على محاربة الجولان، بين الماضي والمستقبل، الذي هو آفة فكر المعاش الأساسية‏.‏‏. وأما وسيلة العقوبة فأعلاها الحدود‏.‏‏.
والحدود خمسة، وقد وردت الإشارة إليها في موضع سابق من هذا الحديث‏.‏‏. والحدود يمكن أن تنضوي تحت القصاص‏.‏‏. فالقصاص معاوضة- من أتلف شيئا يعوضه - والحدود معاوضة‏.‏‏. والقصاص قانون حياة، أولا، ثم قانون دين، ثانيا‏.‏‏. قبل ظهور العقول كان القصاص: ((فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره))‏.‏‏. ثم بعد ظهور العقول جاء قانون الدين: ((و كتبنا عليهم فيها: أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص))‏.. واليوم فإن قانون الحياة ساير‏.‏‏. وأحسن حالات الناس أن يسيروا بقانونهم مصاقبين لقانون الحياة، لأن الله تبارك وتعالى، يريد، بمحض فضله، للعقل البشري أن يصاقب، وينطبق، على العقل الكلي- العقل المحيط- العقل الالهي‏.. ومن أجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وشرع الشرائع‏.‏. ولقد جاء عندنا في القرآن: ((وأنزلنا إليك الذكر، لتبيّن للناس ما نزل إليهم، ولعلهم يتفكرون))‏.‏‏. فبالعبادة والمعاملة، في المجتمع، وفق الشريعة، والطريقة، والحقيقة، يقوى الفكر، ويسير العقل بالحياة مصاقبا للعقل الكلي، كل حين، وفي ذلك كمال العقل، والقلب، والجسد‏.‏.