لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الديباجة

صفحة ٢٦

((26))


ثم إن الذي لا يهذب، بعبادته على المنهاج النبوي - النموذج الحى - عقل معاشه، فإنه يحتاج إلى العقوبة لتسد ثغرات التربية التي لم تفلح فيها عبادته‏.‏‏. فمن لم يتفق له، بمحض الفضل، هذا التهذيب بين العبادة، والعقوبة، فإنه قد أضاع حياته الدنيا، وذهب لحياته الأخرى بغير زاد..‏ والدنيا دار مسئولية، ولكنها مؤجلة، والآخرة دار مسئولية، ولكنها مباشرة، وناجزة: ((وفي الآخرة عذاب شديد، ومغفرة من الله، ورضوان‏.‏‏. وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور)).. ‏فمن هذب عقل معاشه فجعله عقل معاد بممارسة العبادة وحدها، أو بممارسة العبادة والعقوبة، معا، فقد ذهب إلى الله وله ((مغفرة من الله ورضوان))‏.‏‏. ويقول تعالى عن عقول المعاش التي لم تهذب في مهلة الحياة الدنيا: ((ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا * فيذرها قاعا صفصفا * لا ترى فيها عوجا ولا أمتا * يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له، وخشعت الأصـوات للرحمــن، فلا تسمـع إلا همسـا!!))‏.‏‏. وهم لا يتبعون الداعي إلا بعقل‏.‏‏. وهذا هو عقل المعاد، وقد خلصهم الله، بالعذاب الشديد، من عقول معاشهم التي أهملوا تهذيبها في الحياة الدنيا‏.‏‏. ومن نسف العقول - عقول المعاش - في الآخرة، جاءت حكمة الرجم بالحجارة، حتى يتهشم الرأس، لمن يتورط في الزنا، وهو محصن، أي متزوج، وقد سلفت له تجربة في معاشرة النساء‏.‏‏. فإن كان غرّا غير مجرب - بكرا - فإنه يجلد مائة جلدة، ليقوّي الألم عقله، حتى يسيطر على نفسه، حينما تتهالك على اللذة الحرام‏.‏‏. فلسفة الألم تبدو معقولة في حق البكر، لأنه سيعيش، بعد المائة جلدة، لينتفع، في باقي حياته، من التجربة‏.‏‏. ولكن ما بال المحصن الذي يفقد حياته بالرجم؟! ما الذي أفاده؟؟ سيدخل حياته الأخرى، وهو مطهّر، قد نسف عقل معاشه هنا، مما يغنيه عن نسفه في الآخرة‏.‏‏. ومعلوم أن عذاب الدنيا قصير، ونعيمها فان‏ًٍ.‏‏. وعذاب الآخرة أبدي، ونعيمها سرمدي‏.‏‏. ولذلك فقد استيقن هذا أصحاب عقول المعاد، فطلبوا أن يُرجموا ليدخلوا حياتهم الأخرى مطهّرين: ماعز، والغامدية، اعترفا للنبي بالزنا، وطلبا أن يطهرا، وقد طهرا‏.‏‏. وقال النبي الكريم عن الغامدية أنها ((قد تابت توبة لو قسمت على أهل الأرض لوسعتهم))‏..