((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الديباجة

صفحة ٢٦

((26))


ثم إن الذي لا يهذب، بعبادته على المنهاج النبوي - النموذج الحى - عقل معاشه، فإنه يحتاج إلى العقوبة لتسد ثغرات التربية التي لم تفلح فيها عبادته‏.‏‏. فمن لم يتفق له، بمحض الفضل، هذا التهذيب بين العبادة، والعقوبة، فإنه قد أضاع حياته الدنيا، وذهب لحياته الأخرى بغير زاد..‏ والدنيا دار مسئولية، ولكنها مؤجلة، والآخرة دار مسئولية، ولكنها مباشرة، وناجزة: ((وفي الآخرة عذاب شديد، ومغفرة من الله، ورضوان‏.‏‏. وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور)).. ‏فمن هذب عقل معاشه فجعله عقل معاد بممارسة العبادة وحدها، أو بممارسة العبادة والعقوبة، معا، فقد ذهب إلى الله وله ((مغفرة من الله ورضوان))‏.‏‏. ويقول تعالى عن عقول المعاش التي لم تهذب في مهلة الحياة الدنيا: ((ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا * فيذرها قاعا صفصفا * لا ترى فيها عوجا ولا أمتا * يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له، وخشعت الأصـوات للرحمــن، فلا تسمـع إلا همسـا!!))‏.‏‏. وهم لا يتبعون الداعي إلا بعقل‏.‏‏. وهذا هو عقل المعاد، وقد خلصهم الله، بالعذاب الشديد، من عقول معاشهم التي أهملوا تهذيبها في الحياة الدنيا‏.‏‏. ومن نسف العقول - عقول المعاش - في الآخرة، جاءت حكمة الرجم بالحجارة، حتى يتهشم الرأس، لمن يتورط في الزنا، وهو محصن، أي متزوج، وقد سلفت له تجربة في معاشرة النساء‏.‏‏. فإن كان غرّا غير مجرب - بكرا - فإنه يجلد مائة جلدة، ليقوّي الألم عقله، حتى يسيطر على نفسه، حينما تتهالك على اللذة الحرام‏.‏‏. فلسفة الألم تبدو معقولة في حق البكر، لأنه سيعيش، بعد المائة جلدة، لينتفع، في باقي حياته، من التجربة‏.‏‏. ولكن ما بال المحصن الذي يفقد حياته بالرجم؟! ما الذي أفاده؟؟ سيدخل حياته الأخرى، وهو مطهّر، قد نسف عقل معاشه هنا، مما يغنيه عن نسفه في الآخرة‏.‏‏. ومعلوم أن عذاب الدنيا قصير، ونعيمها فان‏ًٍ.‏‏. وعذاب الآخرة أبدي، ونعيمها سرمدي‏.‏‏. ولذلك فقد استيقن هذا أصحاب عقول المعاد، فطلبوا أن يُرجموا ليدخلوا حياتهم الأخرى مطهّرين: ماعز، والغامدية، اعترفا للنبي بالزنا، وطلبا أن يطهرا، وقد طهرا‏.‏‏. وقال النبي الكريم عن الغامدية أنها ((قد تابت توبة لو قسمت على أهل الأرض لوسعتهم))‏..