لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الديباجة

صفحة ٢٧

((27))


وعقل المعاش هو الذي يخيف الإنسان من الرزق، من أين يجئ؟؟ ويعده الفقر، ويأمره بالسرقة، فيسرق‏.‏‏. ولو كان عقل معاشه مهذبا، حتى أفضى إلى عقـل المعاد، لتحرر من خوف الرزق بعلمه: ((إن الله هو الرزاق)) وبعلمه: ((وعلى الله فليتوكل المتوكلون))‏.‏‏. وهذا العلم هو الذي جعل النبي يدعو ربه: ((اللهم اجعل قوت آل محمد الكفاف))‏.‏‏. لم يكن يخاف ألّا يرزقه الله الكفاف، ولكنه كان يخاف الغنى الذي يمد لعقل معاشه في الوهم‏.‏‏. ومعلوم أن حاجة الله إلى العباد عقولهم، ومن أجل ذلك خلقهم في نشأة وسط، لا هم بالأقوياء الذين يحلون مشاكلهم الحياتية بعضلاتهم، فتتأخر عقولهم، ولا هم بالضعاف، الرخوين، الذين لا يستطيعون أن ينهضوا لمطلق مناجزة، أو مصاولة‏.‏‏. هذه النشأة الوسط أعانتهم على حل مشاكلهم بعقولهم، وبأيديهم، يخططون بعقولهم، وينفذون بأيديهم خططهم فتتطور عقولهم في المراقي‏.‏‏. والسارق يهمل عقله، ويحاول أن يحل مشكلتـه بيده‏.‏‏. ولما كانت اليد وثيقة الصلة بالعقل فإن حكمة الله اقتضت تعطيل اليد لينشط العقل، أو قل: ليتهذب عقل المعاش‏.‏‏. وأكثر من هذا يقال عن قطع الطريق لأنـه محاربة للسلطان، وإخافة للآمنين، وسطو على أموال الناس‏.‏‏. والغرض، وراء كل العقوبات، هو تهذيب عقل المعاش عند المعاقب، أو إرساله للحياة الأخرى وهو مطهّر، حين تبلغ العقوبة به اجتثاث حياته‏.‏‏. وإنما شُدد في أمر الزنا للمحصن، أكثر مما شدد على السارق، وقاطع الطريق، لأن الغريزة الجنسية هي الحياة كلها، ولكن حب الملكية ليس غريزة، وإنما هو التواء للغريزة، سببه الخوف على الرزق الذي يسوله وهم عقل المعاش‏.‏‏. أما حد السكر فهو، كما سبقت إلى ذلك الإشارة، أقل الحدود الخمسة انضباطا‏.‏‏. وهو إنما يقع على السكر، وليس على مجرد الشرب، والحكمة فيه أن الشارب إنما يهرب من واقعه لأنه لا يعجبه، ويغرق عقله بالخمر، ليعيش في دنيا من صنع خياله المريض، وعقله المعطل بالخمر، حتى إن شاعرهم قد قال: -

فإذا سـكرت فإنني رب الخورنق والسديرِ
وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعيـرِ

فهذا الهروب من الواقع حالة مرضية، والمطلوب من العاقل أن يتواءم مع واقعه، مع إعمال عقله لتغييره للصورة التي يطمح إليها‏.‏‏. فمن أجل كرامة الفكر جاءت العقوبة بالجلد، حتى يرده الألم للواقع، فإنه ليس مع وقع الألم فرصة لخيال مريض‏.‏‏. وهكذا تصان مصلحة الفرد، ومصلحة الجماعة، في آن معا، مصلحة الفرد بتهذيب عقل المعاش‏.‏‏. ومصلحة الجماعة بجعل أحد أفرادها فردا منتجا، ونافعا لمجتمعه‏..