لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الديباجة

صفحة ٢٨

((28))


هذه هي الحدود‏.‏‏. وهي شديدة الانضباط‏.‏‏. هي دستورية، في قمة الدستورية‏.‏‏. ولقد قلنا إن دستورية القوانين تعني مقدرتها على التوفيق بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة‏.‏‏. وتلي الحدود في هذا المضمار قوانين القصاص‏.‏‏. ولقد قلنا إن القصاص يقوم على المعاوضة - من أتلف شيئا عليه أن يصلحه- عليه أن يعوضه - وهي، بمعنى أوسع، تقوم على أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به‏.‏‏. وهذه قاعدة تربية عظيمة النفع للفرد، وللمجتمع‏.‏‏.
ولقد قلنا إن تشاريع الحدود يمكن أن تنضوي تحت كلمة القصاص، بمعنى المعاوضة، ذلك بأن الحدود أيضا معاوضة‏.‏‏. وقلنا إن الحدود أشد انضباطا من القصاص، ذلك بأن القصاص يمكن فيه العفو، كما تمكن فيه الدية‏.‏‏. ولكن الحدود إذا بلغت الحاكم، فليس فيها إلا إقامتها‏.‏‏. والقصاص إنما تجيء دستورية قوانينه من مقدرته على الجمع بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة‏.‏‏.
فمثلا، من قلع عين إنسان لا بد أن يكون ضعيف التصور لمبلغ الألم الذي يلحقه، بقلع عين أخيه الإنسان، بأخيه الإنسان‏.‏‏. قد يكون ضعف التصور ناتجا من غضب استولى عليه، فأخرجه عــن طوره، وعطل عقله، فلم يسيطر على رعونة نفسه‏.‏‏. وقد يكون ضعف التصــور ناتجا من ضعف عقل المعتدي، ومن قصر خياله، فرأت حكمة التشريع أن تضعه في موضع المعتدى عليه، فتقلع عينه، ليذوق الألم الذي قصّر خياله عن تصوره‏.‏‏. هذه التجربة توقظ عقله، وتخصب خياله، وتحيي ضميره وتورثه حياة حية.. ولذلك فقد قال، تبارك وتعالى، عن القصاص، وهو يشمل الحدود، كما سلفت الإشارة: ((ولكم في القصاص حياة، يا أولى الألباب، لعلكم تتقون..))
ويجب أن يكون واضحا، فإن الحدود، والقصاص، لا تقام إلا على خلفية من العدل- العدل الاقتصادي، والعدل السياسي، والعدل الاجتماعي - وإلا على بعث للتربية بإحياء منهاج العبادة، التي تعين الأفراد على أنفسهم، ثم لا تجيء العقوبة، حين تجيء، إلا لتسد ثغرات الممارسة في العبادة، حتى يعان الفرد الذي قصرت به عبادته بالعقوبة ليبلغ مبلغ يقظة العقل، وحياة الضمير، وتوقد الذهن‏..