((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الديباجة

صفحة ٢٩

((29))


إن الفرد البشري اليوم وارث لكل حياة الجنس البشري، منذ النشأة، فهو يعيد كل هذه الحياة، منذ حياة حيوان الخلية الواحدة، بين الماء والطين..‏ ولكن في رحم الأم هو يطوي هذه المراحل بسرعة شديدة لأنها موجودة فيه بالإمكان فهي تفـــر نفسها، بمحض الفضل الإلهي، في تسعة أشهر وبضعة أيام‏.‏‏. قال تعالى: ((ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين‏.‏‏.)) فأما القرار المكين هنا فإنما هو رحم الأم‏.‏‏. وأما النطفة هنا فإنما هي ماء الرجل المختلط ببويضة الانثي‏.‏‏. ولقد طوى تبارك وتعالى، في عبارة ((سلالة من طين)) تطور الحياة، منذ أن نشأت، بين الماء والطين، وإلى أن بلغت مرتبة البشرية، قال تعالى: ((هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا * إنا خلقنا الإنسان من نطفة، أمشاج نبتليه، فجعلناه سميعا بصيرا * إنا هديناه السبيل، إما شاكرا، وإما كفورا‏.‏‏.)) فالنطفة الأمشاج هنا إنما هي الماء المختلط بالطين‏.‏‏. وهذا مما طوي في عبارة ((من سلالة من طين))‏.‏‏.
فالفرد البشري اليوم، في الرحم، يعيش كل هذه الأطوار، التي استغرقت دهرا دهيرا، في تسعة أشهر، وبضعة أيام، وذلك بمحض الفضل الإلهي‏.. ولقد حفز الخوف الرهيب الحياة في المراقي، حتى بلغت طورها الحاضر، ببروز البشر المعاصرين‏.‏‏. ولقد طويت الإشارة إلى الخوف الرهيب الذي حفز الحياة في مراقيها في عبارة ((نبتليه))‏.‏‏. ولقد طويت المراقي في عبارة ((فجعلناه سميعا بصيرا))‏.‏‏. وفي آيات النشأة البشرية يقول تبارك وتعالى: ((ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما، ثم أنشأناه خلقا آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين..))
فهذه ست حركات يطوي فيها الكائن البشري، في رحم الأم، كحيوان منوي، جميع مراحل الحياة، من لدن الماء، والطين‏.‏‏. وفي الحركة السابعة ((ثم أنشأناه خلقا آخر)) يدخل الكائن البشري، وهو في رحم الأم، مرتبة البشرية، ثم يخرج إلى الحياة طفلا بشرا سويا!! ((فتبارك الله أحسن الخالقين..))
ثم هو منذ أن يولد، يسير سيرة الفرد البشري الأول الذي اضطر، اضطرارا، ليعيش في مجتمع، وكذلك هدي إلى اختراع المجتمع، منذ ذلك الوقت المبكر‏.‏‏. ثم هو لم يخترعه إلا بعد أن تنازل اضطرارا عن بعض حريته، ليستمتع بباقيها‏.‏‏. وهذا هو الشأن إلى يومنا الحاضر، حيث تقيد حريات أفراد المجتمع بما لا يتعدّى على حريات الآخرين‏.‏‏.
وكلما ترقت المجتمعات، كلما قللت من القيود على الأفراد‏..‏ ومن هذا الاتجاه نشأت الديمقراطية، ونشأت الدساتير، ونشأت القوانين الدستورية‏.‏‏. ولقد قلنا، ونقول مرة أخرى، إن القوانين الدستورية هي تلك التي تملك القدرة على التوفيق، في آن معا، بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة‏.‏‏.
ولقد قررنا، فيما سلف، أن القوانين التي أخذت بداياتها من الأعراف البسيطة، الساذجة، البدائية، التي حولها نشأ المجتمع، بتقييد، أو قل بتنظيم، القوة الجنسية، وبتقييد، أو قل بتنظيم الرغبة في الملكية، قد كانت دستورية بهذا المعنى الوارد أعلاه‏.‏‏.
نقول هذا مع إن العقوبات التي كانت تترتب على مخالفات هذه الأعراف قد كانت عنيفة، أشد العنف، وأفظعه‏.‏‏. ولكنها، مع ذلك، قد كانت حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة ‏.‏‏. ولكنها فقط في نقطة البداية، حيث نشأة العقل، الذي يقيد نزوة الحيوان فينا‏.‏‏. ولولا نشأة العقل لما دخلنا مرتبة البشرية‏.‏‏. ولولا العقل أيضا لما كان هناك طموح منا لنبلغ مبلغ الحرية الفردية المطلقة، منذ اليوم، وفي أيامنا المقبلة‏.‏‏. وهي أيضا قد كانت، وبنفس القدر، حاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة، التي نحلم بها نحن، منذ اليوم، ونترقب بلوغها، في أيامنا المقبلة‏.‏‏. إن النهايات ظاهرة في البدايات‏، ولكن ظهورها يحتاج منـا إلى إعمـال فكر‏.‏‏. إن المعلم واحد - الله ‏.‏‏.