((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الديباجة

صفحة ٣٠

((30))


والآن فان الفرد البشري يولد أنانيا، فهو لا يرى أن هناك غيره، بل إنه يرى أنه يجب أن ينفرد بنيل ما يريد‏.‏‏. ثم هو يأخذ في التعلم، قليلا، قليلا، حتى يقيد رغبته برغبة المجتمع من حوله‏.‏‏. وكلما نما، كلما علم، أن حريته مقيدة بحرية الآخرين‏.‏‏.
ثم هو، إذا بلغ سن الرشد، أصبح واضحا أمامه وجوب تقييد نزواته، وفق العرف، والقانون، وإلا فإنه يتعرض للعقوبة التي تعرض لها الفرد البشري، في أول النشأة، مع الاختلاف طبعا، في عنف العقوبة بين الأمس، واليوم، وذلك بفضل الله، ثم بفضل تطور المجتمع، فالفرد البشري اليوم مولود وهو وارث لتجارب الحياة منذ بدايتها‏.‏‏. ووارث للكبت الذي فرضته الحياة، في المجتمع، على الفرد البشري، منذ بروز البشر من مستوى الحيوان‏.‏‏. ثم إن على الفرد البشري بالإضافة للكبت الموروث، أن يمارس كبتا مكتسبا في حياته بين الميلاد والوفاة‏.‏‏. ولقد كان الكبت دائما بفعل الخوف، ولكن الخوف يقل، ويقظة الضمير تزيد، كلما اقتربنا من عهد كمال الحياة البشرية على هذا الكوكب الذي نعيش فيه، ولقد كان الخوف صديقا، حيث به برزت العقول من الأجساد، ولكن لا بد من التحرر من الخوف من أجل كمال العقول وكمال الأجساد‏.‏‏. لقد كان الخوف صديقا في بداية النشأة، ولكنه قد أصبح عدوا منذ اليوم، حيث أقبلت الحياة البشرية على عهد كمالها‏.‏‏. لقد سار الفرد البشري من مستوى الحيوان إلى مستوى البشر، بفضل الله، ثم بفضل الكبت، الذي به انقسم على نفسه وسيسير من مستوى البشر إلى مستوى الإنسان، بفضل الله، ثم بفضل فضّ الكبت، حيث تتوحد البنية التي انقسمت بفعل الكبت ‏.‏‏.
إن جميع عصور البشرية، وإلى اليوم، قد تطورت فيها البنية البشرية وهي منقسمة على نفسها‏.‏‏. وهذا ما أسميناه مرحلة: ((الجسد والعقل المتنازعين))‏.‏‏. وستدخل البشرية مرحلة كمالها منذ اليوم، وذلك بفض الكبت، الموروث، والمكتسب، حيث تجيء مرحلة: ((الجسد والعقل المتسقين))‏.‏‏. ويومئذ تدخل البشرية الحاضرة مرحلة الإنسانية، حيث تتم وحدة البنية البشرية، التي عاشت منقسمة على نفسها طوال تاريخها الطويل‏.‏‏.
ولا يجيء فض الكبت فجأة، وبغير فكر يهدي التطور، كما يظن الماديون، حيث يتحدثون عن تحرير الغرائز، وهم لا يعلمون ما يقولون‏.‏‏. لا بد للفرد اليوم، من أجل تطوره في مضمار وحدة بنيته، من الكبت، المجود، الواعي، ليستطيع، بعد تجويد الكبت، أن يدخل مرحلة فضّ الكبت، بعلم، وبذكاء‏.‏‏.
إن الكبت المكتسب يجب أن يجيء من قناعة، ومن يقظة ضمير، ومن توقد ذهن، ومن علم بأصل البيئة، التي نعيش فيها- البيئة الطبيعية، والبيئة الاجتماعية – لا أن يجيء من الخوف الذي سلط على أوائلنا، من جراء الجهل‏.‏‏. لقد كان الخوف - كما قررنا - صديقا لأوائلنا، ولكنه، منذ اليوم، هو عدونا، ويجب، بفضل الله، ثم بفضل العلم الجديد بأصل البيئة الطبيعية، والاجتماعية، أن نتحرر منه.‏. وفي مضمار التحرر من الخوف يجيء فض الكبت‏.‏‏.