((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الديباجة

صفحة ٣١

((31))


لقد انصب الكبت في أول نشأة المجتمع كما سبق أن قررنا، على القوة الجنسية، وعلى حب التملك‏.‏‏. واليوم فإن الكبت يجب أن ينصب عليهما معا ولكن بعلم، وبقناعة، لا بخوف العقوبة من المجتمع‏.‏‏.
ولما كان في المرحلة لا بد من مستوى من الخوف، من أجل التحرر من الخوف، فقد وجب توحيد الخوف في مصدر واحد، ريثما يتم التحرر نهائيا من الخوف‏.‏‏. هذا المصدر الواحد إنما هو المعلم الواحد، الذي سير الحياة، من بدايات المادة، في المراقي نحو الكمال‏.‏‏. لقد قلنا لأن المعلم واحد فإن النهايات ظاهرة في البدايات، ولكن ظهورها يحتاج منا إلى إعمال فكر‏.‏‏. والآن فإنا نقرر أن دين التوحيد قد كان ظاهرا في دين التعدد، منذ نشأة الدين، عند الفرد البشري، قبل نشأة المجتمع‏.‏‏. فقد كان لكل فرد في الأسرة إلهه - للأب، وللأم، وللأبناء البالغين، ولغير البالغين - ولكن آلهتهم جميعا تخضع لإله الأب، كما يخضعون هم جميعا له‏.‏‏. ثم إن الأسرة الواحدة قد نشأت منها أسر جماعة، ترجع إلى رجل واحد، هو جدها‏.‏‏. ولهذه الأسر العديدة رجل حكيم، يأتمرون بأمره، ويذعنون لحكمته، ولإلهه تذعن آلهتهم، كما يذعنون هم له‏.‏‏. وهكذا سار التوحيد‏.‏‏. رجل حكيم، وذكي، يذعن له رجال قبيلته، ونساؤها، ولإلهه تذعن آلهة رجال قبيلته، ونسائها‏.‏‏. ثم إن القبائل تحترب، فيما بينها، فتغلب قبيلة قبيلة، فتذعن القبيلة المغلوبة للقبيلة الغالبة، وتذعن آلهة القبيلة المغلوبة لآلهة القبيلة الغالبة‏.‏‏. وهكذا سار التوحيد‏.‏‏.
ثم جاء عهد الملوك فتوجت القبائل شيوخها ملوكا عليها، ليحموها وليقودوها إلى النصر على أعدائها الذين ينازعونها الأرض، وينازعونها المرعى، وينازعونها الماء، ويشنّون عليها الغارات‏.‏‏. فإذا انتصرت قبيلة، بقيادة ملكها، على قبيلة أخرى، بقيادة ملكها، فان الملك المغلوب يذعن للملك الغالب، وتذعن معه، أو تذعن آلهته للآلهة الجديدة، ويتوحد الملك بين القبيلتين، ويتوحد الدين‏.‏‏. وهكذا يسير التوحيد‏.‏‏. ثم تطور عهد الملوك: من ملوك القبائل الرحل، إلى ملوك المدن المسوّرة، المحصنة بالقلاع، وتطورت، مع تطور الملوك الآلهة‏.‏‏. وتطورت الممالك، من ممالك المدن، إلى ممالك الدول الكبيرة‏.‏‏. وتطورت الآلهة أيضا حتى جاء عهد الملوك الذين كانوا يرون أنفسهم آلهة، والملوك الذين كانوا يرون أنفسهم أبناء الآلهة، والملوك الذين كانوا يرون أنفسهم ظلالا للآلهة، والملوك الذين كانوا يرون أنفسهم ظلالا لإله واحد‏.‏‏. هكذا يسير التوحيد‏.‏‏.
ولقد جاء دين التوحيد، من السماء باتصال الملك جبريل بالبشر المرسلين لتعليم الناس التوحيد، منذ آدم، أبو البشر الحاضرين، وذلك عهد بعيد، ممعن في البعد، ولكن دائرة دين التوحيد بهذا المستوى - مستوى رسالات السماء - قد كانت ضيقة‏.‏‏. وفي أثناء ذلك لقد خدم عهد الملوك دين التوحيد خدمة جُلّى‏.‏‏.