((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الديباجة

صفحة ٣٢

((32))


وجاء مؤخرا الملوك الموحدون: ((ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل، من بعد موسى، إذ قالوا لنبي لهم: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله‏.‏‏. قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا؟؟ قالوا: ومالنا ألاّ نقاتل في سبيل الله، وقد أخرجنا من ديارنا، وأبنائنا‏.‏‏. فلما كتب عليهم القتال تولوا، إلا قليلا منهم‏.‏‏. والله عليم بالظالمين * وقال لهم نبيهم: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا‏.‏‏. قالوا: أنّى يكون له الملك علينا، ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال؟؟ قال: إن الله اصطفاه عليكم، وزاده بسطة، في العلم، والجسم، والله يؤتي ملكه من يشاء، والله واسع عليم ‏.‏‏.)) وكان في جند طالوت داوود‏.‏‏. ويقص الله علينا من خبرهم: ((و لما برزوا لجالوت، وجنوده قالوا: ربنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين * فهزموهم، بإذن الله، وقتل داوود جالوت، وآتاه الله الملك، والحكمة، وعلمه مما يشاء‏.‏‏. ولو لا دفع الله الناس، بعضهم ببعض، لفسدت الأرض‏.‏‏. ولكن الله ذو فضل على العالمين ‏.‏‏.)) وخلف داوود سليمان ابنه، فكان ملكا رسولا‏.‏‏. وانتصر سليمان على بلقيس، ملكة سبأ، فجاءت مذعنة: ((قالت: رب إني ظلمت نفسي، وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين‏.‏‏.)) وكانت هي، وقومها، يعبدون الشمس، فتحولوا لما هزموا، إلى دين التوحيد‏.‏‏. وهكذا يسير التوحيد‏.‏‏.
واستمر عهد الملوك‏.‏‏. ولماء جاء المسيح، ابن مريم، نبيا عبدا، رفضه اليهود، لأنهم كانوا ينتظرونه نبيا ملكا‏.‏‏. ولقد جاء نبينا، فخير أن يكون نبيا ملكا، أو نبيا عبدا، فاختار أن يكون نبيا عبدا‏.‏‏. فانتصر بذلك للمستضعفين، في الأرض..
وبدأ عهد الجمهورية، من يومئذ، يدال له من عهد الملكية‏.‏‏. ولكن، لما كان الوقت لا يزال مبكرا لمجيء عهد الجمهورية، مجيئا عمليا، فقد قال نبينا: ((الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تصير ملكا عضوضا ‏.‏‏.))
وهكذا كانت، على عهد معاوية، وإلى وقت قريب، وفي بعض البلاد الإسلامية، إلى يومنا الحاضر‏.‏‏. وبالثورة الفرنسية، في القرن الثامن عشر، بدأ عهد الجمهورية بصورة، عملية، وجريئة‏.‏‏. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية، وبنهايتها اتسع النظام الجمهوري، وتقلص النظام الملكي، في كل الأرض‏.‏‏. لقد جاء عهد الشعوب، وبدأ التاريخ يكتب من جديد.. وهكذا يسير التوحيد‏.‏‏.