لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الديباجة

صفحة ٣٣

((33))


والآن فإن التوحيد قد بلغ مستوى طيبا جدا يسمح بتطور جديد في مستوى الحياة البشرية به تدخل عهد الإنسانية، الذي ظلت ترقبه، وتحلم به - أو بالأحرى يحلم به طلائعها من أنبياء الحقيقة‏..‏ ولقد رأينا كيف أن العلم المادي، بانفلاق الذرة، قد رد الوجود كله إلى أصل واحد، معلوم الخصائص، مجهول الكنه‏.‏‏. أصل واحد هو قوة - هو طاقة- تدفع، وتجذب، في الفضاء‏.‏‏.
ولقد اخترنا الحديث عن خط تطوير السلاح، من السلاح الحجري، إلى السلاح النووي، لأن الحروب تحفز على التطوير أكثر مما يحفز السلام‏.‏‏. وإلى اليوم، فإن الدول، ميزانياتها، تكاد تكون مفتوحة، لتمويل البحوث العلمية التي تطور الأسلحة الرهيبة، ذلك بأن السلام اليوم إنما يقوم على الخوف من الحرب بهذه الأسلحة الرهيبة، التي معها لن يكون هناك منتصر، ومنهزم، كما كانت الحالة بالأسلحة التقليدية، وإنما هو الدمار لكل الحياة‏.‏‏. وبفضل حوافز الحرب جاء تطوير العلم المادي التجريبي للحياة المعاصرة، من جميع وجوهها‏.‏‏. ثم إننا رأينا كيف سار توأم العلم المادي التجريبي- الدين- من التعدد أيضا إلى التوحيد‏.‏‏.
لقد كان هناك في بدء المسيرة آلهة كثيرة - آلهة بعدّ البشر - ولكن بعض الآلهة مهيمن على بعضها، هيمنة البشر، بعضهم على بعض‏.‏‏.
ولقد جاءت أديان التوحيد جميعها تحارب آلهة الأصنام، وآلهة العناصر، والأجرام، وآلهة الملوك، أمثال فرعون: ((فحشر فنادى * فقال أنا ربكم الأعلى.‏‏.)) حتى تم لها النصر، من حيث التنظير بنزول القرآن‏.‏‏.
وعندما جاء النبي الكريم بالقرآن في مكة كان في الكعبة، بيت الله الذي بناه أبو الأنبياء، إبراهيم، لعبادة الله وحده، نحو ثلاثمائة وستين صنما‏.‏‏. فقال: يا أيها الناس قولوا: ((لا إله إلا الله)) تفلحوا!! فقالوا فيما حكى عنهم القرآن: ((أجعل الآلهة إلها واحدا؟؟ إن هذا لشيء عجاب!!)) ولقد جاء جميع الأنبياء، والرسل، بقولة ((لا إله إلا الله))‏.‏‏. اللفظ واحد، والتحصيل، في الصدور، يختلف - المعنى يتفاوت‏.‏‏.
في جميع العصور كانت ((لا إله إلا الله)) تعني أن جميع الآلهة باطلة، إلا إلها واحدا، هو الله‏.‏‏. ((لا معبود بحق إلا الله))‏.‏‏. هذا معنى ((لا إله إلا الله)) عندنا، نحن المسلمين، في القرن السابع‏.‏‏. ذلك بأنه قد كانت هناك آلهة أصناما حسية، فكان هذا المعنى يناسب ذلك الطور، من أطوار المجتمع البشري‏.‏‏.
أما اليوم فإن التوحيد، بمحض الفضل الإلهي، قد ارتفع إلى قامة جديدة، تناسب مجتمع القرن العشرين، الذي طور العلم المادي التجريبي، حتى رد المادة كلها إلى أصل واحد، وحتى بفضل الله، علينا وعلى الناس، طور الآلة في مضمار القوة، والسرعة، والكفاءة، إلى الحد الذي ألغى، أو كاد أن يلغي، الزمان، والمكان‏.‏‏. فوحد بذلك هذا الكوكب الذي نعيش فيه.‏‏.
إن البشرية اليوم لا تعبد أصناما حسية، كما كان يفعل الناس، في القرن السابع، ولكنها، مع ذلك، تعبد أصناما معنوية، لها عليها سلطان، أقوى من سلطان الأصنام الحسية على عُبَّادها الذين ظلوا لها عاكفين‏.‏‏.