لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الديباجة

صفحة ٣٤

((34))


((اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا‏.‏‏.))
هذا اليوم، هو يوم عرفة، من سنة عشرة للهجرة، وهو يوم حجة الوداع، وقد كان يوم جمعة‏.‏‏. هذه الآية هي آخر من نزل من القرآن‏.‏‏. ولقد لبث النبي بعدها بين الناس، ذي الحجة، ومحرم، وصفر، ثم لحق بالرفيق الأعلى، وكان ذلك يوم 12 ربيع الأول، من السنة الحادية عشرة، من الهجرة المباركة‏.‏‏. لقد كمل يومئذ إنزال القرآن، ولكن لم يكمل بيانه، ولن يكمل، لأن بيانه عند الله، حيث لا عند: ((ثم إن علينا بيانه))، هكذا قال ربي العظيم، وما على الله بيانه لا يقع الفراغ من بيانه، لأنه مطلق، و((كل يوم هو في شأن))‏.‏‏. ولقد بين، تبارك وتعالى، لنبيه قدرا عظيما منه، ولكنه نهاه عن تبليغه للأمة: ((نحن معاشر الأنبياء، أُمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم))‏.‏‏. ولقد أرشدنا، تبارك وتعالى، إلى الطريقة التي بها نكون مهيئين لتلقي البيان منه، تبارك وتعالى، فقال: ((واتقوا الله، ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم ‏.‏‏.)) وقال النبي الكريم: ((إنما أنا قاسم، والله يعطي، ومن يرد به الله خيرا يفقهه في الدين ‏.‏‏.)) فالنبي جاء ليعلمنا كيف نتقي الله حتى يعلمنا الله‏.‏‏. فقوله ((إنما أنا قاسم)) يعني أرسلت بالشريعة لأعلمكم كيف تتقون، وأرسلت بالطريقة أيضا لأكون لكم قدوة باتباعها تزيدون في تقواكم لله، فيعلمكم الله، ((والله بكل شيء عليم))‏.‏‏. فهو يعلمكم بقدر استعداد المكان منكم للتعليم ‏.. ((و من يرد به الله خيرا يفقهه في الدين))‏.‏‏.
واليوم، بفضل الله، ثم بفضل اتّباع النبي الكريم، يدخل في الوجود زيادة بيان للقرآن يناسب القرن العشرين، حتى يكون الإسلام، والقرآن، للناس - جميع الناس - ملاذا، ومفازة ‏.‏‏. إن ((لا إله إلا الله)) اليوم لا تعني: ((لا معبود بحق إلا الله))، وإنما تزيد على ذلك المعنى، فتصبح: ((لا فاعل لكبير الأشياء، ولا لصغيرها، إلا الله))‏.‏‏. يقول تعالى: ((وكأينٍ من دابة لا تحمل رزقها، الله يرزقها، وإياكم، وهو السميع العليم * ولئن سألتهم: من خلق السموات، والأرض، وسخر الشمس، والقمر؟؟ ليقولنّ: الله‏.‏‏. فأنّى يؤفكون * الله يبسط الرزق، لمن يشاء من عباده، ويقدر له‏.‏‏. إن الله بكل شيء عليم ‏.‏‏.)) فكأن الناس يردون فعل الأشياء الكبيرة إلى الله، ولكن فعل الأشياء الصغيرة ينسبونه للمخلوقات، من دون الله‏.‏‏. وإنما جاء ذلك لوهم الإرادة التي ورطتنا فيها حركاتنا التلقائية‏.‏‏. نحن نظن أن عندنا إرادة مستقلة، عن الله، سبحانه وتعالى، بها ننفذ الأعمال الصغيرة، التي تتطلبها حياتنا اليومية، في هذه الدنيا، مثل تدبير الرزق، وهو أكبر شيء رسب الخوف في صدورنا، منذ نشأة الحياة، بين الماء، والطين، في سحيق الآماد‏.‏‏.
ولقد ساق الله لنا هنا الآية الأولى عن الرزق ثم ساق الآية الثانية عن خلق السموات، والأرض، وتسخير الشمس، والقمر‏.‏‏. وساق الآية الثالثة عن الرزق أيضا‏.‏‏. نحن لا دعوى لنا في خلق السموات، والأرض، ولا في تسخير الشمس، والقمر‏.‏‏. هذه لا طاقة لنا بها، فلا دعوى‏.‏‏. ولكن لنا طاقة بتدبير الرزق بالزراعة، وبالتجارة، وباحتراف الحرف المختلفة‏.‏‏. ولذلك فقد تورطنا في الدعوى ههنا‏.‏‏. واستولى علينا عقل المعاش‏.‏‏. وركز فينا خوف الجوع، وخوف الموت بالـجوع، وأمرنا بالبخل، وبالحرص، وبالادّخار، وبالعداوة، وبالحرب، وبكل مذام الصفات‏.‏‏. هذه هي الأصنام التي نعبدها اليوم، لا الأصنام الحسية‏.‏‏. لقد كانت الأصنام الحسية، في حينها، رمزا، مجسدا، لهذه المعاني‏.‏‏. كانت الأصنام الحسية رمزا للإرادة البشرية وتسويلاتها المختلفة التي أملاها علينا الجهل، في سحيق الآماد ‏.‏ ولقد جاء تبارك وتعالى، في فاصلة الآية الأولى بقوله: ((وهو السميع العليم))‏.‏‏. وفي فاصلة الآية الثالثة بقوله: ((إن الله بكل شيء عليم)) وجاءت فاصلة الآية المتوسطة بين الآية الأولى، والآية الثالثة، بقوله: ((فأنى يؤفكون؟؟))‏.‏‏. و((يؤفكون)) هنا تعني ((يُصرفون))‏.‏‏. كأنه قال: ((فكيف‏.‏‏. يجهلون؟؟))‏.‏‏. عبر، تبارك وتعالى، في ثلاث الآيات عن العلم، إشارة إلى وجوب الخلاص من وهم الحواس، ووهم العقول التي أملت علينا وهم استقلال الإرادة‏.‏‏.
إن صنمنا الأعظم اليوم إنما هو الإرادة البشرية المتوهّمة التي تعارض الإرادة الإلهية المحققة‏.‏‏.