لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الديباجة

صفحة ٣٥

((35))


الآية العظيمة التي صدرنا بها حديثنا هذا، وهي: ((اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا ‏.‏‏.)) أخطأ في فهمها جميع علماء الإسلام، حين ظنوا أن كل ما يخص الدين قد كمل، وأن ليس هناك أمر مستأنف، يجيء فيما يقبل من الزمان‏.‏‏. والحق إن الدين كله أمامنا‏.‏‏. وإنه لمن فضل الله، علينا، وعلى الناس، أن جاءتنا هذه البشارة، بان الله أكمل لنا ديننا، وأتمّ علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام دينا‏.‏‏.
معلوم إن الإسلام قد جاءت به جميع الرسالات السماوية، من لدن آدم، وإلى محمد، وقد قال المعصوم: ((خير ما جئت به، أنا والنبيون من قبلي: "لا إله إلا الله"‏.‏))‏.‏‏. اللفظ واحد، والتحصيل يختلف، بين الأمم، وأنبيائها، وبين الأمم، فيما بينها، وبين الأنبياء، فيما بينهم‏.‏‏.
وأكبر تحصيل، في ذلك، بين الأنبياء، ما قيضه الله، تبارك وتعالى، لنبيه الكريم‏.‏‏.
وأكبر تحصيل، في ذلك، بين الأمم، ما قيضه الله لأمة نبيه الكريم‏ - أمة المؤمنين.. فأما عند الأمة المؤمنة -أمة المؤمنين - فقد كانت تعني ((لا إله إلا الله)) لا معبود بحق إلا الله‏.‏‏. وقد سبق أن قررنا ذلك‏.‏‏. وأما عند النبي، فقد كانت تعني ((لا فاعل، لكبير الأشياء، ولا لصغيرها إلا الله..))
والدين الذي أشارت له الآية السابقة، هو الدين الذي أشارت إليه آية: ((فأقم وجهك للدين حنيفا، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيّم‏.‏‏. ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏.‏‏.)) هو الفطرة - ((فطرة الله التي فطر الناس عليها))، جميع الناس‏.‏‏. ولقد قال النبي: ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه.‏‏.)) وهذه الفطرة لا يقع عليها الكبت، وإنما يقع الكبت على حواشيها - هي في سويداوات القلوب‏.‏‏. ولذلك قال تعالى عنها: ((لا تبديل لخلق الله))‏.‏‏. ولقد سبقت الإشارة إلى الكبت، وقلنا سببه الخوف العنصري، وبه انقسم الإنسان على نفسه، وبهذه القسمة ارتفع فوق مستوى الحيوان، وأخذ الخطوة الأولى في سيره إلى مقام إنسانيته‏.‏‏. وستكون الخطوة الثانية في فضّ الكبت‏.‏‏. وبفضّ الكبت يصل السالك إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها، في سويداوات القلوب‏.‏‏.
ولقد وقع الكبت بين عقل المعاش، وعقل المعاد‏.‏‏. وعقل المعاد هو طبقة العقل التي تلي عقل المعاش فيما بينه وبين سويداء القلب‏.. وطبقات العقل سبع، تطابق النفوس السبع، عند أصحابنا السادة الصوفية‏.‏‏. وتطابق أسماء الصفات السبع: الحي، العالم، المريد، القادر، السميع، البصير، المتكلم‏.‏‏. فالحى في سويداء القلوب وهذه الحياة هي الفطرة - فطرة الله التي فطر الناس عليها‏.‏‏.