((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الديباجة

صفحة ٣٥

((35))


الآية العظيمة التي صدرنا بها حديثنا هذا، وهي: ((اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا ‏.‏‏.)) أخطأ في فهمها جميع علماء الإسلام، حين ظنوا أن كل ما يخص الدين قد كمل، وأن ليس هناك أمر مستأنف، يجيء فيما يقبل من الزمان‏.‏‏. والحق إن الدين كله أمامنا‏.‏‏. وإنه لمن فضل الله، علينا، وعلى الناس، أن جاءتنا هذه البشارة، بان الله أكمل لنا ديننا، وأتمّ علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام دينا‏.‏‏.
معلوم إن الإسلام قد جاءت به جميع الرسالات السماوية، من لدن آدم، وإلى محمد، وقد قال المعصوم: ((خير ما جئت به، أنا والنبيون من قبلي: "لا إله إلا الله"‏.‏))‏.‏‏. اللفظ واحد، والتحصيل يختلف، بين الأمم، وأنبيائها، وبين الأمم، فيما بينها، وبين الأنبياء، فيما بينهم‏.‏‏.
وأكبر تحصيل، في ذلك، بين الأنبياء، ما قيضه الله، تبارك وتعالى، لنبيه الكريم‏.‏‏.
وأكبر تحصيل، في ذلك، بين الأمم، ما قيضه الله لأمة نبيه الكريم‏ - أمة المؤمنين.. فأما عند الأمة المؤمنة -أمة المؤمنين - فقد كانت تعني ((لا إله إلا الله)) لا معبود بحق إلا الله‏.‏‏. وقد سبق أن قررنا ذلك‏.‏‏. وأما عند النبي، فقد كانت تعني ((لا فاعل، لكبير الأشياء، ولا لصغيرها إلا الله..))
والدين الذي أشارت له الآية السابقة، هو الدين الذي أشارت إليه آية: ((فأقم وجهك للدين حنيفا، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيّم‏.‏‏. ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏.‏‏.)) هو الفطرة - ((فطرة الله التي فطر الناس عليها))، جميع الناس‏.‏‏. ولقد قال النبي: ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه.‏‏.)) وهذه الفطرة لا يقع عليها الكبت، وإنما يقع الكبت على حواشيها - هي في سويداوات القلوب‏.‏‏. ولذلك قال تعالى عنها: ((لا تبديل لخلق الله))‏.‏‏. ولقد سبقت الإشارة إلى الكبت، وقلنا سببه الخوف العنصري، وبه انقسم الإنسان على نفسه، وبهذه القسمة ارتفع فوق مستوى الحيوان، وأخذ الخطوة الأولى في سيره إلى مقام إنسانيته‏.‏‏. وستكون الخطوة الثانية في فضّ الكبت‏.‏‏. وبفضّ الكبت يصل السالك إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها، في سويداوات القلوب‏.‏‏.
ولقد وقع الكبت بين عقل المعاش، وعقل المعاد‏.‏‏. وعقل المعاد هو طبقة العقل التي تلي عقل المعاش فيما بينه وبين سويداء القلب‏.. وطبقات العقل سبع، تطابق النفوس السبع، عند أصحابنا السادة الصوفية‏.‏‏. وتطابق أسماء الصفات السبع: الحي، العالم، المريد، القادر، السميع، البصير، المتكلم‏.‏‏. فالحى في سويداء القلوب وهذه الحياة هي الفطرة - فطرة الله التي فطر الناس عليها‏.‏‏.