لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الديباجة

صفحة ٣٦

((36))


بالكبت أخذنا أول خطوة في طريق السير إلى مقام إنسانيتنا‏.‏‏. وبفضّ الكبت نصل إليها‏.‏‏. ولقد ذكرنا أن التطور في مضمار البشرية، منذ أن ارتفعت فوق مستوى الحيوانية بالكبت، ظل في نطاق الكبت‏.‏‏. والكبت سببه الخوف‏.‏‏. والخوف سببه الجهل بالبيئة التي نعيش فيها‏.‏‏.
ولقد قلنا: إن العلم المادي التجريبي قد رد الكون الظاهري - أو قل قد رد المادة - إلى أصل واحد، هو الطاقة‏.‏‏. وعندما وصل الدين إلى معنى ((لا إله إلا الله)) بأنه لا فاعل لكبير الأشياء، ولا لصغيرها، إلا الله، فقد رد جميع مظاهر الوجود إلى مظهر واحد، هو الله - الكون مظهر الله في ذاته.. لقد تحققت وحدة الوجود بتضافر العلم المادي، والعلم الروحي‏.‏‏. وأصبحت البيئة القديمة بيئة جديدة‏.‏‏. هي بيئة روحية في مظهر مادي‏.‏‏. وأصبح علينا إذن أن نتواءم معها‏..‏
ثم إن هناك أمرا آخر تقرره الكلمة: ((لا إله إلا الله))‏.‏‏. هذا الأمر هو أن الوجود واحد، وأنه هو خير مطلق، وصرف، ولا مكان للشر فيه، إلا لحكمة تعليمنا نحن.. قال تعالى: ((ومن كل شيء خلقنا زوجين، لعلكم تذكرون* ففروا إلى الله‏.‏‏. إني لكم منه نذير مبين))‏.‏‏. "فالإثنينية" مظهر للواحد، وليست أصلا فيه‏.‏‏. والحكمة من الإثنينية أن نتعلم نحن، لأن حواسنا التي تؤدي المعاني إلى عقولنا إثنينية، وكذلك عقولنا‏.‏‏. فنحن إنما نعرف الأشياء بأضدادها - نعرف الظلام، بالنور‏.‏‏. ونعرف البرد، بالحر‏.‏‏. ونعرف الشر، بالخير، وهكذا‏.‏‏.
لقد دخل الشر في الوجود ليعرّفنا بالخير‏.‏‏. والله خير مطلق‏.‏‏. فإن نحن استطعنا أن نتواءم مع خلقه- نرضى بفعله - لا نرى الشر اطلاقا‏.‏‏. والله تعالى يقول: ((ما يفعل الله بعذابكم، إن شكرتم، وآمنتم، وكان الله شاكرا عليما؟؟))‏.‏‏. وفي الآيتين السابقتين يأمرنا، تبارك وتعالى، أن نفر من الثنائية إلى الوحدة، حيث ينقطع عنا الشر ويبقى الخير وحده‏.‏‏. هذه المعرفة الجديدة للبيئة القديمة هي التي تحررنا من الخوف‏.‏‏. وبالتحرر من الخوف ينفض الكبت الذي رسبه فينا الخوف الذي دفعه إلى قلوبنا الجهل بحقيقة البيئة‏.‏‏.