((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الديباجة

صفحة ٣٦

((36))


بالكبت أخذنا أول خطوة في طريق السير إلى مقام إنسانيتنا‏.‏‏. وبفضّ الكبت نصل إليها‏.‏‏. ولقد ذكرنا أن التطور في مضمار البشرية، منذ أن ارتفعت فوق مستوى الحيوانية بالكبت، ظل في نطاق الكبت‏.‏‏. والكبت سببه الخوف‏.‏‏. والخوف سببه الجهل بالبيئة التي نعيش فيها‏.‏‏.
ولقد قلنا: إن العلم المادي التجريبي قد رد الكون الظاهري - أو قل قد رد المادة - إلى أصل واحد، هو الطاقة‏.‏‏. وعندما وصل الدين إلى معنى ((لا إله إلا الله)) بأنه لا فاعل لكبير الأشياء، ولا لصغيرها، إلا الله، فقد رد جميع مظاهر الوجود إلى مظهر واحد، هو الله - الكون مظهر الله في ذاته.. لقد تحققت وحدة الوجود بتضافر العلم المادي، والعلم الروحي‏.‏‏. وأصبحت البيئة القديمة بيئة جديدة‏.‏‏. هي بيئة روحية في مظهر مادي‏.‏‏. وأصبح علينا إذن أن نتواءم معها‏..‏
ثم إن هناك أمرا آخر تقرره الكلمة: ((لا إله إلا الله))‏.‏‏. هذا الأمر هو أن الوجود واحد، وأنه هو خير مطلق، وصرف، ولا مكان للشر فيه، إلا لحكمة تعليمنا نحن.. قال تعالى: ((ومن كل شيء خلقنا زوجين، لعلكم تذكرون* ففروا إلى الله‏.‏‏. إني لكم منه نذير مبين))‏.‏‏. "فالإثنينية" مظهر للواحد، وليست أصلا فيه‏.‏‏. والحكمة من الإثنينية أن نتعلم نحن، لأن حواسنا التي تؤدي المعاني إلى عقولنا إثنينية، وكذلك عقولنا‏.‏‏. فنحن إنما نعرف الأشياء بأضدادها - نعرف الظلام، بالنور‏.‏‏. ونعرف البرد، بالحر‏.‏‏. ونعرف الشر، بالخير، وهكذا‏.‏‏.
لقد دخل الشر في الوجود ليعرّفنا بالخير‏.‏‏. والله خير مطلق‏.‏‏. فإن نحن استطعنا أن نتواءم مع خلقه- نرضى بفعله - لا نرى الشر اطلاقا‏.‏‏. والله تعالى يقول: ((ما يفعل الله بعذابكم، إن شكرتم، وآمنتم، وكان الله شاكرا عليما؟؟))‏.‏‏. وفي الآيتين السابقتين يأمرنا، تبارك وتعالى، أن نفر من الثنائية إلى الوحدة، حيث ينقطع عنا الشر ويبقى الخير وحده‏.‏‏. هذه المعرفة الجديدة للبيئة القديمة هي التي تحررنا من الخوف‏.‏‏. وبالتحرر من الخوف ينفض الكبت الذي رسبه فينا الخوف الذي دفعه إلى قلوبنا الجهل بحقيقة البيئة‏.‏‏.