لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الديباجة

صفحة ٣٧

((37))


فطرة الله التي فطر الناس عليها هي ((الحياة))‏.‏‏. هي حياة الإنسان، وما حياة الحيوان إلا الخطوة الأولى في السير إلى حياة الإنسان‏.‏‏. حياة الإنسان عالمة وحياة الحيوان جاهلة‏.‏‏. حياة الإنسان هي الحياة الأخرى، وحياة الحيوان هي الحياة الدنيا‏.‏‏. للحياة الأخرى عقل المعاد، وللحياة الدنيا عقل المعاش، وإنما جاء الدين ليهذب عقل المعاش، حتى يرتفع بنا إلى عقل المعاد‏.‏‏. ولقد ورد في ذلك بعض التفصيل‏.‏‏.
ولما كانت حياة الإنسان عالمة، كانت أيضا طائعة لله، مؤمنة به: ((الذين آمنوا، ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، أولئك لهم الأمن، وهم مهتدون‏.‏‏.)) ولقد قال، تبارك وتعالى، في الحياتين، الحياة الدنيا، والحياة الأخرى: ((وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان، لو كانوا يعلمون!!)) و"الحيوان" تعني المبالغة في الحياة - تعني الحياة الكاملة‏.‏‏.
ولقد خلق الإنسان- آدم- على هذه الفطرة - الحياة الكاملة‏.‏‏. ((لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)) وذلك في أعلى الجنان - في الملكوت - عند الله، وترد عنها العبارة القرآنية ((عند مليك مقتدر)) من قوله، تبارك وتعالى: ((إن المتقين في جنات، ونهر * في مقعد صدق، عند مليك مقتدر ‏.‏‏.))‏.‏‏. ثم إنه، من مقام ((أحسن تقويم)) قد رُد إلى ((أسفل سافلين))، وإنما رد بالأمر التكويني‏.‏‏. والأمر التكويني يقوم على حكمة الخلق‏.‏‏. ولقد رد إلى ((أسفل سافلين))، وفي ذاكرته ((أحسن تقويم))، ومن أجل ذلك ظل يحلم بالكمال دائما، ويسعى إلى تحصيله‏.‏‏.
ولقد قلنا: إن ((أسفل سافلين)) هو مرتبة أدنى التجسيد في عالم الملك - مرتبة ذرة بخار الماء - ذرة غاز الهايدروجين‏.‏‏. ولقد أخذ الإنسان طريقه، في العودة إلى الله، من ذلك التجسيد المهين، وذلك بمحض الفضل الإلهي.. ولقد أنفق في ذلك السير دهرا، دهيرا‏.‏‏. ولقد عبر، تبارك وتعالى، عن ذلك بقوله: ((هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا * إنا خلقنا الإنسان من نطفة، أمشاج، نبتليه‏.‏‏. فجعلناه سميعا بصيرا‏.‏‏.)) وهو إنما لم يكن شيئا مذكورا في ملكوت الله لأنه لم يبلغ أن يكون مكلفا، في ذلك الحين الطويل من الدهر، وإنما كان يتقلب في الحيوات الدنيا - حياة الذر، والهوام، والحيوان‏.‏‏. ثم إنه لما برز فيه العقل أصبح منورا بالعقل من أعلاه، مظلما بالنفس من أسفله‏.‏‏. وظل على ذلك متجاذبا بين الواجب، ويمليــه العقل، وبين الشهوة، وتمليها النفس‏.‏‏. وكان على ذلك أيضا خطاء‏.‏‏. وجعــل الله، تبارك وتعالى، كماله في هذه النشأة الخطّاءة‏.‏‏. فهو يخطئ، ويصيب، ويزيد رصيــد صوابه من ممارسة خطئه‏.‏‏. ولقد قال المعصوم: ((إن لم تخطئوا، وتستغفروا، فسيأتي الله بقوم، يخطئون، ويستغفرون، فيغفر لهم ‏.‏‏.)) وعندما نزل آدم الأول - آدم الخليفة - منزلة التكليف، فنبئ، أسكن جنة الملك - جنة الأرض: ((وقلنا يا آدم اسكن، أنت، وزوجك الجنة، وكُلا منها رغدا حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فأزلهما الشيطان عنها، فأخرجهما مما كانا فيه، وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض مستقر، ومتاع، إلى حين * فتلقى آدم من ربه كلمات، فتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم * قلنا اهبطوا منها جميعا، فأما يأتينكم مني هدى، فمن تبع هداي، فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون * والذين كفروا، وكذبوا بآياتنا، أولئك أصحاب النار‏، هم فيها خالدون))‏.‏‏.
((ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين))‏ هذا أول أمر تشريعي لآدم، بعد الأمر بالعبادة، وهو تنظيم القوة الجنسية‏.‏‏. ولقد كان هذا أول أمر تشريعي لأسلاف آدم عند ظهور العقل، وقبل وفرة العلم‏.‏‏. ولقد وردت إلى ذلك الإشارة عند الحديث عن نشأة المجتمع‏.‏‏. ولقد أُهبط آدم من جنة الأرض بمخالفة هذا الأمر التشريعي‏.‏‏. وهذه الخطيئة قد جُبرت بالاستغفار، وعاد آدم الخليفة إلى الطاعة، والهداية‏.‏‏. قال تعالى في ذلك: ((فتلقي آدم من ربه كلمات، فتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم))‏.‏‏. ولقد كانت تلك الكلمات هي قول آدم، وزوجه: ((ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا، وترحمنا، لنكونن من الخاسرين))‏.‏‏.
لقد أُهبط آدم من جنة الأرض - وذلك، في مستوى من المستويات، رد من ((أحسن تقويم)) إلى ((أسفل سافلين)) كما رد، أو أهبط، بعض ذريته، من بعده، ولا يزال هذا يجري، وسيظل يجري، مع كل خطيئة: ((وذا النون إذ ذهب مغاضبا، فظن أن لن نقدر عليه، فنادى في الظلمات، ألاّ اله إلا أنت، سبحانك، إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له، ونجيناه من الغم، وكذلك ننجي المؤمنين))‏.‏‏.
وعن قوم سبأ يخبرنا، تبارك وتعالى: ((لقد كان لسبأ، في مساكنهم، آية: جنتان، عن يمين، وشمال، كلوا من رزق ربكم، واشكروا له.. بلدة طيبة، ورب غفور * فأعرضوا، فأرسلنا عليهم سيل العرم، وبدلناهم، بجنتيهم، جنتين ذواتي أكل خمط، وأثل، وشيء من سدر قليل))‏.‏‏.