((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الديباجة

صفحة ٣٧

((37))


فطرة الله التي فطر الناس عليها هي ((الحياة))‏.‏‏. هي حياة الإنسان، وما حياة الحيوان إلا الخطوة الأولى في السير إلى حياة الإنسان‏.‏‏. حياة الإنسان عالمة وحياة الحيوان جاهلة‏.‏‏. حياة الإنسان هي الحياة الأخرى، وحياة الحيوان هي الحياة الدنيا‏.‏‏. للحياة الأخرى عقل المعاد، وللحياة الدنيا عقل المعاش، وإنما جاء الدين ليهذب عقل المعاش، حتى يرتفع بنا إلى عقل المعاد‏.‏‏. ولقد ورد في ذلك بعض التفصيل‏.‏‏.
ولما كانت حياة الإنسان عالمة، كانت أيضا طائعة لله، مؤمنة به: ((الذين آمنوا، ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، أولئك لهم الأمن، وهم مهتدون‏.‏‏.)) ولقد قال، تبارك وتعالى، في الحياتين، الحياة الدنيا، والحياة الأخرى: ((وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان، لو كانوا يعلمون!!)) و"الحيوان" تعني المبالغة في الحياة - تعني الحياة الكاملة‏.‏‏.
ولقد خلق الإنسان- آدم- على هذه الفطرة - الحياة الكاملة‏.‏‏. ((لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)) وذلك في أعلى الجنان - في الملكوت - عند الله، وترد عنها العبارة القرآنية ((عند مليك مقتدر)) من قوله، تبارك وتعالى: ((إن المتقين في جنات، ونهر * في مقعد صدق، عند مليك مقتدر ‏.‏‏.))‏.‏‏. ثم إنه، من مقام ((أحسن تقويم)) قد رُد إلى ((أسفل سافلين))، وإنما رد بالأمر التكويني‏.‏‏. والأمر التكويني يقوم على حكمة الخلق‏.‏‏. ولقد رد إلى ((أسفل سافلين))، وفي ذاكرته ((أحسن تقويم))، ومن أجل ذلك ظل يحلم بالكمال دائما، ويسعى إلى تحصيله‏.‏‏.
ولقد قلنا: إن ((أسفل سافلين)) هو مرتبة أدنى التجسيد في عالم الملك - مرتبة ذرة بخار الماء - ذرة غاز الهايدروجين‏.‏‏. ولقد أخذ الإنسان طريقه، في العودة إلى الله، من ذلك التجسيد المهين، وذلك بمحض الفضل الإلهي.. ولقد أنفق في ذلك السير دهرا، دهيرا‏.‏‏. ولقد عبر، تبارك وتعالى، عن ذلك بقوله: ((هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا * إنا خلقنا الإنسان من نطفة، أمشاج، نبتليه‏.‏‏. فجعلناه سميعا بصيرا‏.‏‏.)) وهو إنما لم يكن شيئا مذكورا في ملكوت الله لأنه لم يبلغ أن يكون مكلفا، في ذلك الحين الطويل من الدهر، وإنما كان يتقلب في الحيوات الدنيا - حياة الذر، والهوام، والحيوان‏.‏‏. ثم إنه لما برز فيه العقل أصبح منورا بالعقل من أعلاه، مظلما بالنفس من أسفله‏.‏‏. وظل على ذلك متجاذبا بين الواجب، ويمليــه العقل، وبين الشهوة، وتمليها النفس‏.‏‏. وكان على ذلك أيضا خطاء‏.‏‏. وجعــل الله، تبارك وتعالى، كماله في هذه النشأة الخطّاءة‏.‏‏. فهو يخطئ، ويصيب، ويزيد رصيــد صوابه من ممارسة خطئه‏.‏‏. ولقد قال المعصوم: ((إن لم تخطئوا، وتستغفروا، فسيأتي الله بقوم، يخطئون، ويستغفرون، فيغفر لهم ‏.‏‏.)) وعندما نزل آدم الأول - آدم الخليفة - منزلة التكليف، فنبئ، أسكن جنة الملك - جنة الأرض: ((وقلنا يا آدم اسكن، أنت، وزوجك الجنة، وكُلا منها رغدا حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فأزلهما الشيطان عنها، فأخرجهما مما كانا فيه، وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض مستقر، ومتاع، إلى حين * فتلقى آدم من ربه كلمات، فتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم * قلنا اهبطوا منها جميعا، فأما يأتينكم مني هدى، فمن تبع هداي، فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون * والذين كفروا، وكذبوا بآياتنا، أولئك أصحاب النار‏، هم فيها خالدون))‏.‏‏.
((ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين))‏ هذا أول أمر تشريعي لآدم، بعد الأمر بالعبادة، وهو تنظيم القوة الجنسية‏.‏‏. ولقد كان هذا أول أمر تشريعي لأسلاف آدم عند ظهور العقل، وقبل وفرة العلم‏.‏‏. ولقد وردت إلى ذلك الإشارة عند الحديث عن نشأة المجتمع‏.‏‏. ولقد أُهبط آدم من جنة الأرض بمخالفة هذا الأمر التشريعي‏.‏‏. وهذه الخطيئة قد جُبرت بالاستغفار، وعاد آدم الخليفة إلى الطاعة، والهداية‏.‏‏. قال تعالى في ذلك: ((فتلقي آدم من ربه كلمات، فتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم))‏.‏‏. ولقد كانت تلك الكلمات هي قول آدم، وزوجه: ((ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا، وترحمنا، لنكونن من الخاسرين))‏.‏‏.
لقد أُهبط آدم من جنة الأرض - وذلك، في مستوى من المستويات، رد من ((أحسن تقويم)) إلى ((أسفل سافلين)) كما رد، أو أهبط، بعض ذريته، من بعده، ولا يزال هذا يجري، وسيظل يجري، مع كل خطيئة: ((وذا النون إذ ذهب مغاضبا، فظن أن لن نقدر عليه، فنادى في الظلمات، ألاّ اله إلا أنت، سبحانك، إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له، ونجيناه من الغم، وكذلك ننجي المؤمنين))‏.‏‏.
وعن قوم سبأ يخبرنا، تبارك وتعالى: ((لقد كان لسبأ، في مساكنهم، آية: جنتان، عن يمين، وشمال، كلوا من رزق ربكم، واشكروا له.. بلدة طيبة، ورب غفور * فأعرضوا، فأرسلنا عليهم سيل العرم، وبدلناهم، بجنتيهم، جنتين ذواتي أكل خمط، وأثل، وشيء من سدر قليل))‏.‏‏.