لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الديباجة

صفحة ٣٨

((38))


لقد أُهبط آدم الخليفة من جنة المعاني، في الملكوت، إلى جنة المباني، في الملك، بالأمر التكويني، وعلى الأمر التكويني تقوم حكمة الخلق، ولا تقع، في الأمر التكويني، معصية، فما فيه غير الطاعة‏.‏‏. ثم إن آدم قد أُهبط من جنة الطاعة، حيث الرغد، والوفرة، إلى جنة الشقاء، والضيق، لما عصا الأمر التشريعي، ((ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين))‏.‏‏. وقال تعالى عنه: ((وعصى آدم ربه فغوى))‏.‏‏. وهو إنما عصى لأنه استمع لأمر الشيطان، ونسي أمر ربه: ((فوسوس إليه الشيطان: قال: يا آدم!! هل أدلك على شجرة الخلد، وملك لا يبلي؟؟ * فأكلا منها، فبدت لهما سوآتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه، فتاب عليه، وهدى))‏.‏‏. وهو إنما استمع لأمر الشيطان، لأن عقل معاده، قد كان محجوبا بعقل معاشه، وهو عقل يسيطر عليه الخوف العنصري، الساذج، ولذلك فقد طمع في الخلد، والملك الذي لا يبلى‏.‏‏. ولقد سبقت الإشارة إلى عقل المعاد وعقل المعاش‏.‏‏. ((ثم اجتباه ربه، فتاب عليه، وهدى))، هدى عقل معاشه بالتهذيب بالعبادة، وبالعقوبة، ليسير به إلى عقل معاده، حيث يعرف القيم، فيطيع أمر الله، ويعصى أمر الشيطان..
ولقد قلنا إن المعصية لا تقع في الأمر التكويني، فليس ثمة إلا الطاعة‏.‏‏. وقلنا على الأمر التكويني تقوم حكمة الخلق‏.‏‏. وأما على الأمر التشريعي فتقوم حكمة التعليم‏.‏‏. وفي الأمر التشريعي تقع المعصية، وتقع الطاعة‏.‏‏. الأمر التكويني مسيطر على عالم الملكوت وعلى عالم الملك - على عالم العقول، وعلى عالم الأجساد، على السواء‏.‏‏. ولهيمنة الأمر التكويني، على الأمر التشريعي، فليست هناك معصية، في الحقيقة، وإنما المعصية في الشريعة - في حكم العقل‏.‏‏. وفي هذا سر التسيير، والتخيير، الذي شغل، ولا يزال يشغل، عقول المفكرين، من علماء الدين، ومن علماء الدنيا..
والحكمة وراء المعصية، إنما هي ترويض العقول، لتسير، بالممارسة، من المعصية إلى الطاعة، حتى تصبح مطبوعة على الطاعة، وهي مختارة لها، ومقتنعة بقيمها‏.‏‏. لقد خلق الله، في الملكوت، خلقا مرحليين، وضرب عليهم الطاعة، فهم ((لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون))‏.‏‏. هم بذلك علماء، ولكنهم ليسوا أحرارا‏.‏‏. وخلق الله في الملك خلقا مرحليين، وضرب عليهم المعصية، فهم لا يطيعون ‏.‏‏. أولئك هم الملائكة‏.‏‏. وهؤلاء هم الأبالسة.. وعدم الحرية في أولئك، وهؤلاء إنما هو أمر مرحلي‏.‏‏. ثم إن الله خلق، بين أولئك، وهؤلاء، خلقا هم البشر‏.‏‏. الملائكة عقول بدون شهوة‏.‏‏. والأبالسة شهوة، بدون عقول، والبشر شهوة، رُكِّبت عليها العقول لتسوسها‏.‏‏. وجاء الشرع ليقوّي العقول على هذه السياسة، فتسير إلى الطاعة، وهي مدركة، وعالمة، فتكون الحصيلة، العلم، والحرية، وذلك بفضل الله، ثم بفضل كمال النشأة البشرية، التي أعطيت حق الخطأ‏.‏‏. وبهذه النشأة أصبح سائر البشر أكمل، مآلا، من سائر الملائكة‏.‏‏. ولا يكمل الملائكة، ولا الأبالسة، بأن يكونوا علماء، وأحرارا، حتى يدخلوا في هيكل الإنسان‏.‏‏.