لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الديباجة

صفحة ٣٩

((39))


لقد بدأنا هذا البحث بالحديث عن الديمقراطية‏.‏‏. ولقد جاء الحديث عن الديمقراطية، بعد الآية العظيمة، التي صدرنا بها حديثنا هذا، بدون أيّ مقدمة، حتى إني لأظن أن بعض الناس قد يستغرب هذا الأمر‏!!
قلنا إن الديمقراطية إنما هي حكم الشعب، بواسطة الشعب، لمصلحة الشعب‏.‏‏. وهذا الحكم إنما هو الحكم الباقي‏.‏‏. وهو حكم لم يجد تطبيقه، إلى اليوم، ولن يجده إلا في الإسلام‏.‏‏. وإنما من أجل تحقيق هذا الحكم العظيم، في واقع الناس، كتبنا هذا الاستقراء لنشأة الحياة، ونشأة المجتمع، ومجيء الأديان، وتعاقبها، حتى جاء دين التوحيد، في المصحف الشريف، الذي رسم خطة العودة إلى الله، في إطلاقه‏.‏‏.
في الإسلام الديمقراطية هي حق الخطأ‏.‏‏. وحق الخطأ هو كمال النشأة البشرية، على النشأة الملائكية‏.‏‏. وقد وردت الإشارة إلى ذلك، وقيل، وقتها: إن حق الخطأ يمكّن الإنسان من أن يكون عالما، وحرا، في نفس الأمر‏.‏‏. والحرية وسيلة الحياة‏.‏‏. والعلم وسيلة الحرية‏.‏‏. والحياة وحدها هي الغاية في ذاتها، فأكرم بالحرية من وسيلة، هي طرف، من أعظم غاية - الحياة‏.‏‏.
ولقد كرم النبي الكريم حق الخطأ، أعظم تكريم، حين قال: ((إن لم تخطئوا وتستغفروا فسيأت الله بقوم يخطئون ويستغفرون فيغفر لهم))‏.‏‏. وذلك لمكان الحرية، في الخطأ، والصواب‏.‏‏. ولمعزّة الحرية، عند الله، قال تعالى لنبيه الكريم: ((و قل: الحق من ربكم، فمن شاء، فليؤمن، ومن شاء فليكفر‏.‏‏. إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها، وإن يستغيثوا، يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه، بئس الشراب، وساءت مرتفقا ‏.‏‏.))
هذه هي الحرية، وهذا هو ثمنها - المسئولية‏.‏‏. والحرية، في الإسلام، مطلقة، لأنها إنما تتضوع من المطلق‏.‏‏. الحرية، في الإسلام، هي العبودية لله: ((وما خلقت الجن، والإنس، إلا ليعبدون)) ويقول: ((إن كل من في السموات، والأرض، إلا آت الرحمن عبدا * لقد أحصاهم، وعدهم عدا * وكلهم آتيه، يوم القيامة، فردا)) والعبودية هي أن تنعتق من رقك للعناصر ‏- من رقك للأحياء، والأشياء - أن تنعتق حتى من سيطرة الزمان، والمكان عليك، لتكون عبدا، خالصا لله، لا يشاركه في رقك شيء، على الإطلاق‏.‏‏. ومن ثم قلنا: إن الحرية، في الإسلام، مطلقة، وهي لا تقيد إلا بمقدرة الحر على القيام بحسن التصرف فيها‏.‏‏.