لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الديباجة

صفحة ٤٠

((40))


إن الفرد البشري، حين قيد نفسه بقيود أعراف المجتمع - طائعا أومكرها - إنما من أجل الحرية قيدها‏.‏‏. كأنه تنازل عن بعض حريته ليستمتع بباقيها، بفضل العيش في المجتمع، والانتفاع بالأمن، والحب، والدفء، الذي يوفره له المجتمع‏.‏‏.
الديمقراطية هي نظام الحكم، في وقتنا الحاضر، الذي يجب أن يوفر للفرد البشري كل الحرية التي تمكنه من أن يحقق فرديته، التي ينماز بها، عن أفراد القطيع‏.‏‏. وهذه لا تتحقق بمجرد الحرية في الجماعة التي يقوم الحكم الديمقراطي على توفيرها، وإنما تتحقق، بها، وبالمنهاج التعبدي، والتعاملي الذي يسوق الفرد، سوقا فرديا، في طريق الرجعى، إلى الله، تبارك، وتعالى، حيث صدرنا، أول الأمر، في طريق الاغتراب‏.‏‏. ((لقد خلقنا الإنسان، في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، فلهم أجر غير ممنون ‏.‏‏.))‏.‏‏. ((فلهم أجر غير ممنون)) يعني أن حبل العودة لهم من ((أسفل سافلين)) إلى ((أحسن تقويم)) موصول، غير مقطوع‏.‏‏. ذلك هو الإيمان، وعمل الصالحات - منهاج العبادة، والمعاملة‏.‏‏.
ولقد قلنا: إننا إنما هبطنا من ((أحسن تقويم)) إلى ((أسفل سافلين)) بالمعصية فنحن، إذن، لا نعود إلى ((أحسن تقويم)) إلا بالطاعة - هذا هو قانون المعاوضة..
لقد قلنا، عند حديثنا عن الفطرة، إن الله فطر الناس على الحياة الكاملة، وقلنا إن الحياة الكاملة عالمة، وهي، من ثمّ، طائعة لله، لا تعصيه - مسلمة له‏.‏‏. ونقول إن معنى الإسلام: الاستسلام - الطاعة‏.‏‏. قال تعالى، لأمة المؤمنين: ((يا آيها الذين آمنوا: اتقوا الله، حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون))، أي مستسلمون، طائعون‏.‏‏. ولقد سبقت الإشارة إلى أنه على الأمر التكويني تقوم حكمة الخلق، وأنه ليس، في الأمر التكويني، معصية، فليس ثمة إلا الطاعة، وإنما المعصية في الأمر التشريعي.. ولاشتمال الأمر التكويني، على الأمر التشريعي، فليس هناك معصية، في الحقيقة، وإنما المعصية في الشريعة لحكمة التعليم‏.‏‏. فلكأن الفطرة التي فطر الله الناس عليها إنما هي الطاعة.. وهو، تبارك وتعالى، يقول، في ذلك: ((تسبح له السموات السبع، والأرض، ومن فيهن‏.‏‏. وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إنه كان حليما غفورا ‏.‏‏.)) ولكن لا عبرة بتسبيح غير العقلاء، عند الله، وإنما العبرة، كل العبرة، بتسبيح - قل بطاعة - العقول، ولذلك فإنه، تبارك وتعالى، يقول: ((ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله، وهو محسن، واتبع ملة إبراهيم حنيفا، واتخذ الله إبراهيم خليلا؟؟)) ويقول: ((ومن يسلم وجهه إلى الله، وهو محسن، فقد استمسك بالعروة الوثقي، وإلى الله عاقبة الأمور‏.‏‏.)) وروح هاتين الآيتين في قوله: ((و هو محسن)) يعني يسلم وجهه لله، وهو عاقل، ومدرك، ومختار لهذا الإسلام - هو عالم، وحر، في ذلك التسليم‏.‏‏.
وفي موضع آخر يقول تبارك وتعالى: ((لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد، من الغي، فمن يكفر بالطاغوت، ويؤمن بالله، فقد استمسك بالعروة الوثقى، لا انفصام لها، والله سميع، عليم))‏.‏‏. والعروة الوثقى هي القرآن‏.‏‏. قاعدته شريعة، وقمته حقيقة‏.‏‏. وهو، بين الشريعة، والحقيقة، موصل إلى الله، ولذلك قال: ((و إلى الله عاقبة الأمور))‏.‏‏. العروة الوثقى هي طرف الحبل الممدود بين الله، والناس، من استمسك به سار إلى الله‏.‏‏.