((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الديباجة

صفحة ٤١

((41))


لقد تحدثنا عن التعليم، وقلنا: إنه، في جميع المجتمعات، قد كان محاولة لإعطاء الحى مقدرة على المواءمة بين حياته وبين بيئته‏.‏‏. وقلنا إن المشكلة إنما هي البيئة!! ما هي؟؟ ولقد فهمناها فهما خاطئا‏.‏‏. ولقد ظل هذا الفهم الخاطئ يلازمنا إلى اليوم، وإليه ترجع مشاكل المجتمع البشري برمتها وأخطاء تعليمه، بصورة خاصة‏.‏‏. ولقد قلنا إن العلم المادي التجريبي قد كشف لنا، بانفلاق الذرة، أن المادة، بالصورة التي تألفها حواسنا، وتعرفها عقولنا، ليست هناك، وإنما هي، لدى التحليل الأخير، طاقة، تدفع وتجذب، في الفضاء‏.‏‏. هذه الطاقة معروفة الخصائص، مجهولة الكنه، وليس في طوق العلم المادي أن يعرف كنهها، لا الآن، ولا في المستقبل، بل إنه لا يدّعي لنفسه هذه الإمكانية، بل إنه يقرر أنها خارج نطاقه‏.‏‏. هو يقف ههنا ويسلمنا إلى العلم الروحي - توأمه الأكبر - ليسير بنا، أمامه، في رحاب الوادى المقدس‏.‏‏.
هذا هو موقف العلم المادي التجريبي، بعد أن قطع مراحل التطور البدائية، من التعدد، إلى أن وصل إلى الوحدة‏.‏‏. فما هو موقف العلم الروحي التجريبي، بعد أن قطع مراحل التطور البدائية، من التعدديات، إلى أن وصل إلى الوحدة؟؟ ((كان الله ولا شيء معه‏.‏‏. وهو الآن، على ما عليه كان ‏.‏‏.)) هذا حديث نبوي شريف‏.‏‏. وفي حديث قدسي قال تعالى: ((كنت كنزا مخفيا، فأحببت أن أُعرف، فخلقت الخلق، فتعرفت إليهم، فبي عرفوني‏.‏‏.)) وأصحابنا الصوفية يقولون: ((ما في الكون إلا الله - ذاته، وأسماؤه، وصفاته، وأفعاله ‏.‏‏.)) وأسماء الله، وصفاته، وأفعاله ،إنما هي تنزلات من ذاته‏.‏‏. وهي لدى التناهي، ذاته‏.‏‏.
فرجع الأمر إلى صاحب الأمر‏.‏‏. ((ألا له الخلق والأمر))‏.‏‏. ((كنت كنزا مخفيا))، ذاتا، صرفا، مطلقا، فوق العبارة، وفوق الإشارة - فوق الأسماء والصفات‏.‏‏. ((فأحببت أن أُعرف فخلقت الخلق))‏.‏‏. ولقد كانت أول حركة في الخلق تنزل الذات من الصرافة - من الإطلاق إلى القيد - إلى مرتبة الاسم، ((الله))‏.‏‏. وهذه مرتبة الإنسان‏.‏‏. وهي مرتبة ((أحسن تقويم)) التي جاءت الإشارة إليها في قوله، تبارك، وتعالى: ((لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم))‏.‏‏. ولقد خلق الله بالإنسان الأكوان‏.‏‏. فجاء الفتق: (ثم رددناه أسفل سافلين))‏.‏‏. و((أسفل سافلين)) هي أدني، وأوهن، صور التجسيد، هي ذرة بخار الماء - ذرة غاز الهيدروجين، وهي في مركز الأرض‏.‏‏.
لقد كان الفتق من أعلى علّيّين إلى أسفل سافلين - من ألطف اللطائف، إلى أكثف الكثائف - فظهر بذلك النقيضان، وتحرك بندول الإنسان، في طريق الرجعى، من ((أسفل سافلين)) إلى ((أحسن تقويم))‏.‏‏. ولقد تحرك بندول الإنسان لأنه، ما في الكون الحادث، إلا الإنسان‏.‏‏. إن الاختلاف بين ((أحسن تقويم)) و((أسفل سافلين)) ليس اختلاف نوع، وإنما هو اختلاف مقدار‏.‏‏. التوحيد يمنع اختلاف النوع أن يدخل في المملكة، فلم يبق إلا اختلاف المقدار‏.‏‏. وعن البندول يقول تبارك، وتعالى: ((الله الذي خلق سبع سماوات، ومن الأرض مثلهن، يتنزل الأمر بينهن، لتعلموا أن الله على كل شئ قدير، وأن الله قد أحاط بكل شئ علما‏..))‏‏ فالنقيضان هنا هما السموات السبع، والأرضين السبع، والبندول الذي يتحرك بين النقيضين - بين اللطيف، والكثيف، هو الأمر - ((يتنزل الأمر بينهن))‏.‏‏. الأمر هو روح الله المنفوخ في الإنسان‏.‏‏. الأمر هو روح الإنسان‏.‏‏. الأمر هو الإنسان حين تتزاوج نفسه مع روحه هذه - حين تتم وحدة بنيته‏.‏‏. قال تعالى عن عيسى بن مريم: ((قال: كذلك!! قال ربك: هو على هين، ولنجعله آية للناس، ورحمة منا‏.‏‏. وكان أمرا مقضيا!!))