((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الديباجة

صفحة ٤٢

((42))


الإنسان، من حيث الحجم، لا يذكر، إذا ذكرت الأكوان، ولكنه من حيث القيمة لا يذكر معه شئ، لأنه هو سيد الأكوان‏.‏‏. خلق الله الإنسان بذاته من ذاته، وخلق الله بالإنسان الأكوان‏.‏‏. نفخ الله روحه في الإنسان، ونفخ روح الإنسان في الأكوان‏.‏‏.
وقال الله، تبارك وتعالى،((خلقت الإنسان لي وخلقت الأكوان للإنسان))‏.‏‏. وقال تعالى: ((ما وسعني أرضي، ولا سمائي، وإنما وسعني قلب عبدي المؤمن))‏.‏‏. لقد خلق الله كل شئ بالفتق - فتق النقيض من النقيض - فجاءت المثاني‏.‏‏. قال تعالى: ((ومن كل شئ خلقنا زوجين، لعلكم تذكرون ‏.‏‏.)) ثم حرك بندول فكر الإنسان بين النقيضين ليتعلم، فهو يفهم الضد، بالضد - يفهم الخير، بالشر‏.‏‏. وقال تعالى: ((سبحان الذي خلق الأزواج كلها، مما تنبت الأرض، ومن أنفسهم، ومما لا يعلمون‏.‏‏.))‏.‏‏. وأعلى الأزواج الذات المطلقة والذات المقيدة، حيث قيدت الذات المطلقة نفسها، بمحض الفضل، في مقام الاسم، الله - الإنسان - الذات المحمدية، التي هي أول قابل لتجليات الذات المطلقة‏.‏‏. فتنزل الذات الصرفة المطلقة لمقام الاسم - الله - هو أول الحركة - أول الفتق - أول الزمن - وإن كان زمنا يكاد يلحق بالمطلق‏.‏‏. ثم جاء الفتق الثاني من روح الإنسان إلى نفس الإنسان - من ((أحسن تقويم)) إلى ((أسفل سافلين))‏.‏‏.
ثم جاءت الفتوق كلها، ذلك بأن كل زوجين إنما هما مفتوقان من بعضهما، لتقوم الضدية، وتحدث حركة فكر الإنسان، بين الضدين، فيحصل العلم، ((ومن كل شئ خلقنا زوجين، لعلكم تذكرون‏.‏‏.))‏.‏ قال، تبارك، وتعالى: ((يا أيها الناس!! اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا، ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به، والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا!!))‏.‏‏.
فالنفس الواحدة ههنا هي نفسه، تبارك، وتعالى، في المكان الأول، ثم نفس آدم - الإنسان - في المكان الثاني‏.‏‏. وزوج آدم المخلوقة منه هي حواء، وعنها جاءت الإشارة في آية ((يس)) بقوله ((ومن أنفسهم))‏.‏‏. وزوج الذات المطلقة، المخلوقة منها، هو آدم، وعنه جاءت الإشارة في آية ((يس)) بقوله: ((ومما لا يعلمون))‏.‏‏. ومن لقاء حواء بزوجها آدم جاء الاستمتاع الجنسي، في علاقة زواج الحقيقة، والشريعة، وجاءت المعارف، وجاءت الذرية، من رجال ونساء‏.‏‏.
ومن لقاء آدم بزوجه الذات الصرفة جاءت العبودية، وجاءت المعارف‏.‏‏. ومن المعارف رجال ونساء - معارف فكر، ومعارف شعور‏.‏‏. ((سبحان الذي خلق الأزواج كلها، مما تنبت الأرض، ومن أنفسهم، ومما لا يعلمون!!)) وداخل الفتق الثاني - من روح الإنسان، إلى نفس الإنسان - تقع كل العوالم، ما نرى منها، وما لا نرى، وما نعرف منها، وما لا نعرف‏.‏‏. كل العوالم في الإنسان مطوية ولقد قال أحد العارفين في ذلك:

وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر؟؟

وهذا هو المعنى الذي أشرنا إليه، عندما قلنا: إن الله تبارك، وتعالى، قد خلق الإنسان بذاته، ثم خلق بالإنسان الأكوان‏..