لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الديباجة

صفحة ٤٢

((42))


الإنسان، من حيث الحجم، لا يذكر، إذا ذكرت الأكوان، ولكنه من حيث القيمة لا يذكر معه شئ، لأنه هو سيد الأكوان‏.‏‏. خلق الله الإنسان بذاته من ذاته، وخلق الله بالإنسان الأكوان‏.‏‏. نفخ الله روحه في الإنسان، ونفخ روح الإنسان في الأكوان‏.‏‏.
وقال الله، تبارك وتعالى،((خلقت الإنسان لي وخلقت الأكوان للإنسان))‏.‏‏. وقال تعالى: ((ما وسعني أرضي، ولا سمائي، وإنما وسعني قلب عبدي المؤمن))‏.‏‏. لقد خلق الله كل شئ بالفتق - فتق النقيض من النقيض - فجاءت المثاني‏.‏‏. قال تعالى: ((ومن كل شئ خلقنا زوجين، لعلكم تذكرون ‏.‏‏.)) ثم حرك بندول فكر الإنسان بين النقيضين ليتعلم، فهو يفهم الضد، بالضد - يفهم الخير، بالشر‏.‏‏. وقال تعالى: ((سبحان الذي خلق الأزواج كلها، مما تنبت الأرض، ومن أنفسهم، ومما لا يعلمون‏.‏‏.))‏.‏‏. وأعلى الأزواج الذات المطلقة والذات المقيدة، حيث قيدت الذات المطلقة نفسها، بمحض الفضل، في مقام الاسم، الله - الإنسان - الذات المحمدية، التي هي أول قابل لتجليات الذات المطلقة‏.‏‏. فتنزل الذات الصرفة المطلقة لمقام الاسم - الله - هو أول الحركة - أول الفتق - أول الزمن - وإن كان زمنا يكاد يلحق بالمطلق‏.‏‏. ثم جاء الفتق الثاني من روح الإنسان إلى نفس الإنسان - من ((أحسن تقويم)) إلى ((أسفل سافلين))‏.‏‏.
ثم جاءت الفتوق كلها، ذلك بأن كل زوجين إنما هما مفتوقان من بعضهما، لتقوم الضدية، وتحدث حركة فكر الإنسان، بين الضدين، فيحصل العلم، ((ومن كل شئ خلقنا زوجين، لعلكم تذكرون‏.‏‏.))‏.‏ قال، تبارك، وتعالى: ((يا أيها الناس!! اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا، ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به، والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا!!))‏.‏‏.
فالنفس الواحدة ههنا هي نفسه، تبارك، وتعالى، في المكان الأول، ثم نفس آدم - الإنسان - في المكان الثاني‏.‏‏. وزوج آدم المخلوقة منه هي حواء، وعنها جاءت الإشارة في آية ((يس)) بقوله ((ومن أنفسهم))‏.‏‏. وزوج الذات المطلقة، المخلوقة منها، هو آدم، وعنه جاءت الإشارة في آية ((يس)) بقوله: ((ومما لا يعلمون))‏.‏‏. ومن لقاء حواء بزوجها آدم جاء الاستمتاع الجنسي، في علاقة زواج الحقيقة، والشريعة، وجاءت المعارف، وجاءت الذرية، من رجال ونساء‏.‏‏.
ومن لقاء آدم بزوجه الذات الصرفة جاءت العبودية، وجاءت المعارف‏.‏‏. ومن المعارف رجال ونساء - معارف فكر، ومعارف شعور‏.‏‏. ((سبحان الذي خلق الأزواج كلها، مما تنبت الأرض، ومن أنفسهم، ومما لا يعلمون!!)) وداخل الفتق الثاني - من روح الإنسان، إلى نفس الإنسان - تقع كل العوالم، ما نرى منها، وما لا نرى، وما نعرف منها، وما لا نعرف‏.‏‏. كل العوالم في الإنسان مطوية ولقد قال أحد العارفين في ذلك:

وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر؟؟

وهذا هو المعنى الذي أشرنا إليه، عندما قلنا: إن الله تبارك، وتعالى، قد خلق الإنسان بذاته، ثم خلق بالإنسان الأكوان‏..