((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الديباجة

صفحة ٤٤

((44))


الكون الداخلي صغير جدا‏.‏‏. أبعد كواكبه، من الشمس، كوكب بلوتو‏.‏‏. وهو على بعد 3671 مليون ميل، تقريبا، من الشمس‏.‏‏. وأقرب نجم، من نجوم الكون الخارجي من الشمس، يقع على بعد ‏4.22 سنوات ضوئية‏.‏‏. يعنى أن نوره يصل إلى الشمس في 4.22 سنوات‏.‏‏. فإذا علمنا أن النور يسير بسرعة ‏186282 ميلا في الثانية الواحدة، تبين لنا كيف أن الكون الداخلي جيب صغير، داخل الكون الخارجي‏.‏‏. إن الكون الداخلي بمثابة الرحم، من الكون الخارجي‏.‏‏. وفي هذا الرحم تكونت الحياة - حياة الدم واللحم - في الأرض، كما تتكون حياة الأحياء في أرحام الأمهات اليوم‏.‏‏. الكون الداخلي صغير، ومحدود.. ولكن الكون الخارجي غير محدود، وغير متناه، وإنما هو مطلق، لأنه مظهر المطلق.. ونحن لم نقل أن الكون الداخلي صغير، ومحدود، إلا باعتبار المادة - باعتبار المسافات، وإلا فإنه أهم من الكون الخارجي، بنحو قريب من كون الإنسان - برغم صغر جرمه - أهم من جميـــع الأكوان‏.‏‏. وما دمنا نتحدث عن الأبعاد لتصوير صغر الكون الداخلي، إذا ما قورن، من حيث الحجم، بالكون الخارجي، فلنذكر أن نور القمر يصل إلى الأرض في 1.28 ثانية ((ولقد قطعت مسافة القمر من الأرض بمركبة القمر في أربعة أيام ‏.‏‏.)) فهل نستطيع أن نتصور بعد أقرب نجم إلينا من الكون الخارجي، حين يسافر نوره إلينا، في 4.22 سنوات؟؟ (أقرب نجم يبعد 131228880 ميل) وما هي فرصة الإنسان في السفر في الكون الخارجي؟؟ أو ما سمي بالفضاء الخارجي؟؟ (والحقيقة ليس هناك فضاء في الكون، وإنما كله معمور بالحياة، ولكنها ليست الحياة التي نعرفها بعقولنا)‏.‏‏. وما دمنا في ذكر القمر، فلنقل إنه، عند الفلكيين، ليس بكوكب من الكواكب السيارة، وإنما هو تابع للأرض والأرض هي الكوكب السيار حول الشمس‏.‏‏. ولكن، من وجهة نظر الدين، فإن القمر أهم من جميع الكواكب السيارة، ما خلا الأرض‏.‏‏. وثالوث الأرض، والشمس، والقمر، يرد كثيرا في القرآن‏.‏‏. ولقد ورد ذكر القمر سبعا وعشرين مرة‏.‏‏. وورد ذكر الشمس، ثلاثا وثلاثين مرة‏.‏ وورد ذكر الأرض، من حيث هي، نحو أربعمائة وستون مرة‏.‏‏. ولأهمية الكون الداخلي فإن الدين، في المرحلة، ركز عليه كثيرا‏.‏‏. يقول تعالى: ((و لئن سألتهم من خلق السموات والأرض، وسخر الشمس، والقمر، ليقولن الله‏.‏‏. فأنّى يؤفكون؟؟)) ويقول تعالى: ((الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها، ثم استوي على العرش، وسخر الشمس، والقمر، كل يجرى لأجل مسمى، يدبر الأمر، يفصل الآيات، لعلكم بلقاء ربكم توقنون ‏.‏‏.)) قولــه تعالى: ((كل يجــرى لأجل مسمى)) هو ما قلنا عنه: إن الدين ركز، في المرحلة على، الكون الداخلي، وإلا فإن، في عبارة السموات، موجودٌ الكون الخارجي المرئي الآن، وغير المرئي، المعروف الآن، وغير المعروف‏.‏‏. وفي الكون الداخلي، فإن السموات سبع، باعتبار أن الأرض هي المركز‏.‏‏. السماء الأولى القمر، والثانية الزهرة، والثالثة عطارد، والرابعة الشمس، والخامسة المريخ، والسادسة المشترى، والسابعة زحل‏.‏‏. والكواكب السيارة، فوق زحل، وهي ثلاثة، لا تكاد ترى بالعين المجردة‏.‏‏. وعلى عهد العرب، فإن الفلكيين كانوا يعتبرون زحلا أبعد الكواكب‏.‏‏. ولقد قال أبو العلاء المعري، في ذلك:

زحل أشرف الكواكب دارا من لقاء الردى على ميعاد

فالسموات السبع هن، الأجرام السبعة، ومداراتها السبعة، قال تعالى، في ذلك: ((ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق، وما كنا، عن الخلق، غافلين ‏.‏‏.)) وإلى هذه الأجرام السبعة وثامنتها الأرض، تشير لدى التجسيد، الأسماء الحسنى الثمانية، وهي: الملك للأرض، والقدوس للقمر، والسلام للزهرة، والمؤمن لعطارد، والمهيمن للشمس، والعزيز للمريخ، والجبار للمشترى، والمتكبر لزحل‏.‏‏. وهذه الأسماء، وجميع الأسماء الحسنى، هي في حق الإنسان، وتتعالى عنها الذات العلية، فهي فوق الأسماء، وفوق الإشارات‏.‏‏. ولأن الكون، من الإنسان، أبرزه الله خارجه ليعلمه به، قال تبارك وتعالى: ((سنريهم آياتنا، في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق‏.‏‏. أولم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد؟؟)) و(أنه الحق)) هنا تعود على الإنسان، ومن ورائه إلى الذات المطلقة، ولكن عندما يصبح الحق حقيقة، وعندما تنقطع العبارة والإشارة.‏‏.