((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الديباجة

صفحة ٤٥

((45))


كل ذرة، من ذرات الكون، أرضه، وسمواته، المرئي منها، وغير المرئي، والمعروف منها، وغير المعروف، له مقابل في بنية الإنسان - قلبه، وجسده، وعقله‏.‏‏. ذلك بأن الله، تبارك، وتعالى، قد خلق الكون على صورة الإنسان، وخلق الإنسان على صورته هو سبحانه وتعالى، ولقد قال المعصوم: ((إن الله خلق آدم على صورته))‏.‏‏. وهذه العلاقة الحميمة هي التي جعلت قوى العبادة في الإنسان تتجه إلى نظائرها في الكون، فعبد الشجر، وعبد الحجر، وعبد النار، وعبد الأجرام السماوية، وعبد الظواهر المختلفة، في البيئة التي تكتنفه‏.‏‏. وأرفع العبادة، لقوى الطبيعة، في طريق التوسل بها إلى خالقها، ما اتفق لإبراهيـم الخليل، حيث يقص علينا الله، تبارك، وتعالى، من خبره: ((وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات، والأرض، وليكون من الموقنين * فلما جنّ عليه الليل رأى كوكبا‏.‏‏. قال هذا ربى!! فلما أفل، قال: لا أحب الآفلين * فلما رأى القمر بازغا، قال: هذا ربى‏.‏‏. فلما أفل، قال: لئن لم يهدني ربى، لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة، قال: هذا ربى‏.‏‏. هذا أكبر‏.‏‏. فلما أفلت، قال: يا قومي!! إني برئ مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السموات، والأرض، حنيفا، وما أنا من المشركين))‏.‏‏. وكذلك هداه الله إلى الحق بآيات الآفاق‏.‏‏. ((سنريهم آياتنا، في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم انه الحق ‏.‏‏.))..
إن الكون هو الإنسان، ولكن الإنسان ليس هو الكون، لأن الإنسان أهم من الكون‏.‏‏. وإن الإنسان هو الله، ولكن الله ليس الإنسان، لأن الله باق - كائن - والإنسان فان - مستمر التكوين‏.‏‏. وهو مستمر التكوين يطلب كينونة الله!! وهيهات!! هيهات!! وإنما حظه من ذلك أن يكون مستمر التكوين، في السرمد، وهذا هو كماله، وليس لكماله نهاية، لأن نهايته إنما هي عند الله، حيث لا عند‏.‏‏. ((وأن إلى ربك المنتهى)) ولا منتهى ‏.‏‏.
هذا هو الله‏.‏‏. وهذا هو الكون‏.‏‏. نحن من الله، وإلى الله‏.‏‏. والكون منا، وقد خلقه الله لنا ليعيننا، فهو منا، وإلينا‏.‏‏. ولكن الجهل، منذ أول النشأة، وإلى اليوم، قد أوهمنا أننا إنما نعيش في وسط العداوة‏.‏‏. قال شاعرنا، في وقت متأخر جدا، إذا ما قورن ببدء النشأة:

كأن فجاج الأرض، وهي عريضة لدى الخائف، المطرود كفة، حابل
يؤتـى إليـه، أن كـل ثنيـة تيممهـا ترمـى إليه بقـاتــل‏.‏‏.

هذا الخوف الساذج، الفطري، الذي أملاه علينا الجهل، المطبق، في سالف عصورنا، لا يزال يوهمنا بالعداوات، ويغرى بيننا البغضاء، والأحقاد، والضغائن، ويثير الحروب‏.‏‏. وفى تطورنا نحو التحرر من الخوف ننزل المنازل المختلفة، ونعرف، في مستوى من المستويات، كل حين، حقيقة البيئة التي نعيش فيها‏.‏‏.
ولقد جاء القرآن ليوحد هذا الخوف في الله وحده، ريثما يحررنا، بالعلم، من الخوف العنصرى، الساذج، وحتى من خوف الله‏.‏‏. إقرأوا هذه الآيات، شديدة الدلالة على جهلنا، بالغة الحكمة في علاجنا، من ذلك الجهل‏.‏‏. قال تبارك وتعالى:
((وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات، أو قتل، انقلبتم على أعقابكم؟ ومن ينقلب على عقبيه، فلن يضر الله شيئا، وسيجزى الله الشاكرين * وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله، كتابا مؤجلا، ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها‏.‏‏. وسنجزي الشاكرين * وكأيّن من نبى قاتل معه ربيّون كثير، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا، وما استكانوا، والله يحب الصابرين * وما كان قولهم إلا أن قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين * فآتاهم الله ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة، والله يحب المحسنين * يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم، فتنقلبوا خاسرين * بل الله مولاكم، وهو خير الناصرين * سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله، ما لم ينزل به سلطانا، ومأواهم النار، وبئس مثوى الظالمين * ولقد صدقكم الله وعده، إذ تحسّونهم بإذنه، حتى إذا فشلتم، وتنازعتم في الأمر، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة، ثم صرفكم عنهم، ليبتليكم، ولقد عفا عنكم، والله ذو فضل على المؤمنين * إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، والرسول يدعوكم في أخراكم، فأثابكم غما بغم، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم، ولا ما أصابكم، والله خبير بما تعملون * ثم أنزل عليكم، من بعد الغم، أمنة، نعاسا يغشى طائفة منكم، وطائفة قد أهمتهم أنفسهم، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون: هل لنا من الأمر من شئ؟؟ قل إن الأمر كله لله‏.‏‏. يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك‏.‏‏. يقولون: لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا ههنا‏.‏‏. قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم، وليبتلي الله ما في صدوركم، وليمحص ما في قلوبكم، والله عليم بذات الصدور * إن الذين تولوا منكم، يوم التقى الجمعان، إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا، ولقد عفا الله عنهم‏.‏‏. إن الله غفور حليم * يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا، وقالوا لإخوانهم، إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غُزّى: لو كانوا عندنا ما ماتوا، وما قتلوا، ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم، والله يحيي، ويميت، والله بما تعملون بصير * ولئن قتلتم في سبيل الله، أو متّم، لمغفرة من الله، ورحمة، خير مما يجمعون * ولئن متّم، أو قتلتم، لإلى الله تحشرون * فبما رحمة، من الله، لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب، لانفضوا من حولك، فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين * إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، وعلى الله فليتوكل المؤمنون))‏.‏‏. ومشكلتنا كلها واردة في قوله تعالى: ((وطائفة قد أهمتهم أنفسهم، يظنون بالله غير الحق، ظن الجاهلية!!)) سبب الخوف جهلنا، وحرصنا على سلامة أنفسنا، حتى لقد ظننا بالله غير الحق‏.‏‏. والآن فإن كل وكد الدين هو تحريرنا من الخوف، عن طريق العلم، وعن طريق تسليم أنفسنا لله، فهو أولى بها منا‏.‏‏.
وإنما من أجل ذلك، كتب علينا أن نقاتل في سبيل نصرة الله، ونصرة الحق، قال تعالى: ((كتب عليكم القتال، وهو كره لكم‏.‏‏. وعسى أن تكرهوا شيئا، وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم، وأنتم لا تعلمون ‏.‏‏.))..