في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الديباجة

21) مرحلة الجسد والعقل المتنازعين، هي مرحلة الكبت، التي نعيشها الآن والتي بها ارتفع الإنسان فوق مرتبة الحيوان - فوق مرحلة الجسد الصرف - والفضل في ذلك لله، ثم للعقل‏.‏‏. والعقل عقلان: عقل المعاش، وعقل المعاد‏.‏‏. فأما عقل المعاش فهو القوة الّدرّاكه فينا، التي استلها من الجسد، الخوف من القوى الرهيبة التي هددت الحياة بالموت الذريع، منذ أول النشأة‏.‏‏. فهو، من أجل ذلك، قلق، مضطرب، خفيف، يجسد الخوف ويجسد الحرص‏.‏‏. وهو موكل بمجرد حفظ حياة الحيوان وحركته ليست فكرا، وإنما هي قلق، وخوف مما يجيء به المستقبل المجهول‏.‏‏. هو غريزي، وليس مفكرا‏.‏‏. هو شاطر، وليس ذكيا، وإدراكه علماني، وليس علميا‏.‏‏. وقد وردت الإشارة لهذين المعنيين قبل حين‏.‏‏. ومن هذا العقل يجيء الجبن، والحرص، وحب الإدخار، والبخل، وكل مذام الصفات‏.‏‏. وأما عقل المعاد فهو أيضا القوة الدّراكه فينا، وهو الطبقة التي تقع بين عقل المعاش، والقلب، هو أيضا خاثف، ولكن خوفه ليس عنصريا، ساذجا، وإنما هو خوف موزون بالذكاء الوقاد، الذي يملكه حين يفقده عقل المعاش الشاطر‏.‏‏. عقل المعاد، موزون، رزين، وقور‏.‏‏. وهو أيضا موكل بحفظ الحياة، ولكنه لا يخاف عليها من كل ناعق، كما يفعل عقل المعاش، وذلك لأنه يملك موازين القيم‏.‏‏. فهو قد يستهين بالخطر الماثل، في سبيل الأمن الدائم، وهو قد يضحي باللذة العاجلة، ابتغاء اللذة العاقبة.. هو ينشغل بالحياة الأخرى، أكثر مما ينشغل بالحياة الدنيا.. عقل المعاد هو عقل الدين - هو الروح.. نحن لا نفهم الدين بعقل المعاش، وإنما نفهمه بعقل المعاد‏.‏‏. وعقل المعاش يتأثر بعقل المعاد، ويؤثر فيه، قال تعالى في العقلين: ((الشيطان يعدكم الفقر، ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا، والله واسع عليم‏.‏‏.)) الشيطان هنا عقل المعاش، والرحمن عقل المعاد‏.‏‏. والشيطان داخلنا، وخارجنا‏.‏‏. خارجنا هو الروح الشرير الذي لا يأمر بخير، وداخلنا هو عقل المعاش، الذي ينصت للشيطان، ويأتمر بأمره‏.‏‏. وإنما هو داخلنا لأننا خلقنا مـن الطين المحروق بالنار، في حين خلق الشيطان من النار‏.‏‏. ((خلق الإنسان مـن صلصال كالفخار* وخلق الجان من مارج من نار))‏.‏‏. وعقل المعاش حين يؤثر على عقل المعاد يزلزله، ويخرجه من وقاره، ويذهله عن قيمه، وإنما من أجل تهذيب عقل المعاش جاءت الشريعة‏.‏‏. فهي، بوسيلة العبادة، وبوسيلة العقوبة، تسيّر عقل المعاش ليتهذب، ويلتقي بعقل المعاد‏.‏‏.

22) والعبادة ثلاث مستويات: فكرية وقولية، وعملية‏.‏‏. وأعلى مستويات العبادة العملـية الصلاة‏.‏‏. وهي تشمل الفكر والقول والعمل، منذ بداياتها‏.‏‏. والصلاة تهذب عقل المعاش، بصورة أوكد من كل عبادة، لأنها تحارب الجولان بين الماضي، والمستقبل، وتروض المصلي على أن يعيش اللحظة الحاضرة‏.‏‏. وهي قد فرضت في مقام: "ما زاغ البصر وما طغي"‏.‏‏. ومن ههنا اكتسبت المقدرة على محاربة الجولان، بين الماضي والمستقبل، الذي هو آفة فكر المعاش الأساسية‏.‏‏. وأما وسيلة العقوبة فأعلاها الحدود‏.‏‏. والحدود خمسة، وقد وردت الإشارة إليها في موضع سابق من هذا الحديث‏.‏‏. والحدود يمكن أن تنضوي تحت القصاص‏.‏‏. فالقصاص معاوضة- من أتلف شيئا يعوضه - والحدود معاوضة‏.‏‏. والقصاص قانون حياة، أولا، ثم قانون دين، ثانيا‏.‏‏. قبل ظهور العقول كان القصاص: ((فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره))‏.‏‏. ثم بعد ظهور العقول جاء قانون الدين: ((وكتبنا عليهم فيها: أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص..)) واليوم فإن قانون الحياة ساير‏.‏‏. وأحسن حالات الناس أن يسيروا بقانونهم مصاقبين لقانون الحياة، لأن الله تبارك وتعالى، يريد، بمحض فضله، للعقل البشري أن يصاقب، وينطبق، على العقل الكلي- العقل المحيط - العقل الالهي‏.. ومن أجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وشرع الشرائع‏.‏. ولقد جاء عندنا في القرآن: ((وأنزلنا إليك الذكر، لتبيّن للناس ما نزل إليهم، ولعلهم يتفكرون..))‏ فبالعبادة والمعاملة، في المجتمع، وفق الشريعة، والطريقة، والحقيقة، يقوى الفكر، ويسير العقل بالحياة مصاقبا للعقل الكلي، كل حين، وفي ذلك كمال العقل، والقلب، والجسد‏.‏.



23) وأشد القوانين انضباطا قوانين الحدود، والقصاص‏.‏‏. وآية انضباطها مقدرتها على التوفيق بين حاجة الفرد، وحاجة الجماعة‏.‏‏. هذه المقدرة عجزت عنها جميع الفلسفات البشرية القديمة، والمعاصرة‏.‏‏. وأظهر ما يظهر هذا العجز في الفكرة الماركسية‏.‏‏. وهي، عندما عجزت عن التوفيق بين حاجة الفرد إلى الحرية، وحاجة الجماعة إلى العدالة، اتخذت من عجزها فضيلة، فادّعت أن الجماعة أهم من الفرد، فهزمت بذلك الغاية بالوسيلة‏.‏‏.
وعجز الرأسمالية في هذا المجال ظاهر أيضا‏.‏‏. ويمكن القول بأن إفلاس الحضارة الغربية، الآلية المادية الحاضرة، إنما يرجع إلى انعدام المذهبية التي تملك القدرة على التوفيق بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة‏.‏‏. إن حاجة الفرد، بدون أدنى ريب، إنما هي إلى الحرية الفردية المطلقة‏.‏‏. وفي النظم السياسية التي تقوم عليها الحضارة الغربية الحاضرة، بشقيها، فإن الحرية الفردية المطلقة تعتبر فوضى، وما ذاك إلا لانعدام التربية التي ترتفع بالإنسان فوق مستوى القوانين - ترتفع به إلى مستوى الأخلاق التي هي قمة القوانين‏.‏‏. الحرية الفردية، عندنا، في الإسلام، على مستويين: الحرية النسبية، وهي أن يفكر الإنسان كما يريد، وأن يقول كما يفكر، وأن يعمل كما يقول، على شرط أن يتحمل مسئولية قوله، وعمله، أمام القانون الدستوري‏.‏‏. والحرية المطلقة، وهي أن يفكر الإنسان كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول على شرط أن يكون فكره، وقوله، وعمله، برا، وخيرا، بالأشياء، والأحياء‏.‏‏. والقانون الدستوري، هو الذي حين يطبق، يحقق، في آن معا، حاجة الفرد، وحاجة الجماعة‏.‏‏. فلا هو يضحي بالفرد لمصلحة الجماعة، ولا هو يضحي بمصلحة الجماعة في سبيل الفرد‏.‏‏. ولأن المعلم واحد، كما سبق أن قررنا، فإن الأعراف البدائية، الساذجة، البسيطة، التي نشأ عليها المجتمع البشري، حين نشأ، بتقييد القوة الجنسية، وبتقييد شهوة التملك، والتي هي بدايات الحدود عندنا، في الزنا، والقذف، والسرقة، وقطع الطريق، قد كانت دستورية، في معنى التوفيق، بين حاجة الفرد، يومئذ، وحاجة الجماعة‏.‏‏. لقد كانت عقوبات المخالفة لهذه الأعراف عنيفة، أشد العنف، وأقساه، ولكن هذا العنف، وهذه القسوة، قد كانت حاجة الفرد، في المكان الأول.. ذلك لأن الفرد قد كان حيواني النشأة، غليظ القلب، جافي الطبع، ضعيف العقل، لا يكاد عقله يسيطر على نزوته، ورعونة نفسه، فكان غرض هذا العنف به، والقسوة عليه، أن تقوى إرادته فيسيطر على نفسه، ويكبح جماحها‏.‏‏. وبهذا يسلك مسلك البشر، ويتجافى عن مسلك الحيوان‏.‏‏. هذه حاجة الفرد، في المكان الأول، وإن لم يدركها‏.‏‏. ثم إن المجتمع قد كفل له حقه في الأمن، وفي التماسك، في معنى ما كف أفراده عن مخالفات أعرافه، أو كادوا‏.‏‏.

24) إن الكبت قد بدأ من يومئذ‏.‏‏. والكبت يعني السيطرة على الشهوة، فلا تعبرعن نفسها في انطلاق بلا قيد، كما يفعل الحيوان‏.‏‏. وإنما تعبر عن نفسها من خلال شريعة الحرام، والحلال‏.‏‏. ويضعف عقل المعاش عن السيطرة على نزوة الشهوة، فيحتاج إلى التقوية، وذلك بالتربية، وبالعقوبة، حين تعجز التربية عن بلوغ المرام‏.‏‏.
ولقد جاء التعليم، وجاءت شريعة العبادة، وجاءت شريعة المعاملة، في القرآن، جاءت لتروض الشهوة حتى تسير في مراقي الإنسان، وتتجافي عن دركات الحيوان، قال تعالى: ((أتل ما أوحى إليك من الكتاب، وأقم الصلاة‏.‏‏. إن الصلاة تنهي عن الفحشاء، والمنكر، ولذكر الله أكبر‏.‏‏. والله يعلم ما تصنعون‏..‏))‏.‏‏. والفحشاء هنا تعني الزنا‏.‏‏. والمنكر يعني كل ما ينكره الشرع، ومن أعلاه القذف - قذف الآخرين بالزنا – ومن أعلى المنكر أيضا السرقة، وقطع الطريق‏.‏‏. من انتفع بصلاته امتنع عن الفحشاء، والمنكر‏.‏‏. ومن لم ينتفع تعرض للحدود‏.‏‏.
وحد الزنا للمحصن الرجم بالحجارة على رأسه حتى يتهشم‏.‏‏. وللبكر الجلد مائة جلدة.. وحد السرقة اختلاسا، وخفية، قطع اليد اليمنى.. أما حد الحرابة، وهي الخروج على الحاكم، وقطع الطريق، وإخافة السابلة في الطريق العام، خارج المدينة، وقتل النفوس، وأخذ الأموال، فهو درجات: فإن أخاف الطريق، وقتل، ولم يأخذ المال، يقتل‏.‏‏. وإن أخاف الطريق، وقتل، وأخذ المال، يصلب‏.‏‏. وإن أخاف الطريق، ولم يقتل، ولكنه أخذ المال، يقطع من خلاف - اليد اليمنى والرجل اليسرى‏.‏‏. وإن أخاف الطريق، ولم يقتل، ولم يأخذ المال، ينفى من أرض وطنه، لمدة يقررها القانون‏.‏‏. ‏ولقد تبدو، لأول وهلة، هذه العقوبات قاسية، وعنيفة، ولكنها ليست كذلك، في حقيقة الأمر، وإنما هي حكيمة، كل الحكمة، حيث وفقت، توفيقا تاما، بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة‏.‏‏. ويجب أن يكون مفهوما بأن هذه الحدود لا تطبق إلا من أجل إصلاح الفرد، في المكان الأول، ثم إصلاح المجتمع في المكان الثاني، وذلك لأن، في الإسلام، الفرد هو محط نظر الله إلى الوجود - الفرد هو الغاية، وكل شيء عداه هو وسيلته لتكميل نفسه، وتطويرها، وترقيتها في المراقي لتلاقي الله‏.‏‏. القرآن، والإسلام، وإرسال الرسول، وتشريع التشريع، الغرض منه الإنسان‏. ‏‏. المجتمع وسيلة الإنسان‏.‏‏. ولقد رأينا، في أول النشأة، كيف أن الله قد هدى الإنسان لاختراع المجتمع‏.‏‏. ((وأنزلنا إليك الذكر، لتبيّن للناس ما نزل إليهم‏.‏‏. ولعلهم يتفكرون‏.‏‏.)) لعلهم يتفكرون التفكير المستقيم الذي يخلصهم من جهالة عقل المعاش، ومن قلقه، ومن خوفه، ومن شطارته، ليصلوا إلى عقل المعاد، واتزانه، وشجاعته، وذكائه‏.‏‏.

25) بالتخلص من عقل المعاش- قل بتهذيب عقل المعاش - نتحرر من الخوف، ونفض الكبت الذي رسبه فينا جهلنا بالبيئة، التي عشنا فيها طوال الحقب السوالف من عمر الحياة على هذا الكوكب‏.‏‏. يقول تبارك وتعالى عن الجبال: ((ألم نجعل الأرض مهادا * والجبال أوتادا؟؟)) "أوتادا" ثبت بها الأرض‏.‏‏. وقال تعالى في ذلك: ((وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم، وجعلنا فيها فجاجا سبلا، لعلهم يهتدون..))‏ وهذا أوضح في تثبيت الله الأرض بالجبال.‏‏. ‏وقد جعل الله العقول في أرض البنية البشرية كالجبال في أرض الكوكب - فهي لتثبيت البنية أيضا‏.‏‏. الجبال هي عقل المعاش‏.‏‏. وقد جاء التشريع، والرسول، والقرآن، من أجل تهذيب عقل المعاش، وتطمينه من الخوف العنصري، الذي هو الأب الشرعي لكل آفات السلوك‏.‏‏. ولقد جسد الرسول القرآن فعاشه، في جميع حركاته، وسكناته‏.‏‏. فتحرر من المخاوف التي يسوقها عقل المعاش، فكان لا يخاف الرزق، من أين يجيء، وكان ينفق ما يزيد عن حاجته الحاضرة، وكان يأخذ من الدنيا زاد الراكب، وزهد في كل شيء عدا الله، فتحرر من حب الادّخار، وحب السلطة، وحب التعالي على الناس، ومن استرقاق العناصر إياه، فأخلص عبوديته لله: ((قل إن صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي، لله رب العالمين، لا شريك له‏.‏‏. وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين‏.‏.))‏.‏‏. هكذا كان، ونحن نرفع نموذجه للناس ليهذبوا عقول معاشهم، ويفضوا إلى عقول معادهم على نحو مما فعل‏.‏‏.