في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الديباجة

31) لقد انصب الكبت في أول نشأة المجتمع، كما سبق أن قررنا، على القوة الجنسية، وعلى حب التملك‏.‏‏. واليوم فإن الكبت يجب أن ينصب عليهما معا ولكن بعلم، وبقناعة، لا بخوف العقوبة من المجتمع‏.‏‏. ولما كان، في المرحلة لا بد من مستوى من الخوف، من أجل التحرر من الخوف، فقد وجب توحيد الخوف في مصدر واحد، ريثما يتم التحرر نهائيا من الخوف‏.‏‏. هذا المصدر الواحد إنما هو المعلم الواحد، الذي سير الحياة، من بدايات المادة، في المراقي نحو الكمال‏.‏‏. لقد قلنا لأن المعلم واحد فإن النهايات ظاهرة في البدايات، ولكن ظهورها يحتاج منا إلى إعمال فكر‏.‏‏. والآن فإنا نقرر أن دين التوحيد قد كان ظاهرا في دين التعدد، منذ نشأة الدين، عند الفرد البشري، قبل نشأة المجتمع‏.‏‏. فقد كان لكل فرد في الأسرة إلهه - للأب، وللأم، وللأبناء البالغين، ولغير البالغين - ولكن آلهتهم جميعا تخضع لإله الأب، كما يخضعون هم جميعا له‏.‏‏. ثم إن الأسرة الواحدة قد نشأت منها أسر جماعة، ترجع إلى رجل واحد، هو جدها‏.‏‏. ولهذه الأسر العديدة رجل حكيم، يأتمرون بأمره، ويذعنون لحكمته، ولإلهه تذعن آلهتهم، كما يذعنون هم له‏.‏‏. وهكذا سار التوحيد‏.‏‏. رجل حكيم، وذكي، يذعن له رجال قبيلته، ونساؤها، ولإلهه تذعن آلهة رجال قبيلته، ونسائها‏.‏‏. ثم إن القبائل تحترب، فيما بينها، فتغلب قبيلة قبيلة، فتذعن القبيلة المغلوبة للقبيلة الغالبة، وتذعن آلهة القبيلة المغلوبة لآلهة القبيلة الغالبة‏.‏‏. وهكذا سار التوحيد‏.‏‏. ثم جاء عهد الملوك فتوجت القبائل شيوخها ملوكا عليها، ليحموها وليقودوها إلى النصر على أعدائها الذين ينازعونها الأرض، وينازعونها المرعى، وينازعونها الماء، ويشنّون عليها الغارات‏.‏‏. فإذا انتصرت قبيلة، بقيادة ملكها، على قبيلة أخرى، بقيادة ملكها، فان الملك المغلوب يذعن للملك الغالب، وتذعن قبيلته معه، أو تذعن آلهته للآلهة الجديدة، ويتوحد الملك بين القبيلتين، ويتوحد الدين‏.‏‏. وهكذا يسير التوحيد‏.‏‏. ثم تطور عهد الملوك: من ملوك القبائل الرحل، إلى ملوك المدن المسوّرة، المحصنة بالقلاع، وتطورت، مع تطور الملوك الآلهة‏.‏‏. وتطورت الممالك، من ممالك المدن، إلى ممالك الدول الكبيرة‏.‏‏. وتطورت الآلهة أيضا حتى جاء عهد الملوك الذين كانوا يرون أنفسهم آلهة، والملوك الذين كانوا يرون أنفسهم أبناء الآلهة، والملوك الذين كانوا يرون أنفسهم ظلالا للآلهة، والملوك الذين كانوا يرون أنفسهم ظلالا لإله واحد‏.‏‏. هكذا يسير التوحيد‏.‏‏. ولقد جاء دين التوحيد، من السماء، باتصال الملك جبريل بالبشر المرسلين لتعليم الناس التوحيد، منذ آدم، أبو البشر الحاضرين، وذلك عهد بعيد، ممعن في البعد، ولكن دائرة دين التوحيد بهذا المستوى - مستوى رسالات السماء - قد كانت ضيقة‏.‏‏. وفي أثناء ذلك، لقد خدم عهد الملوك دين التوحيد خدمة جُلّى‏.‏‏.

32) وجاء مؤخرا الملوك الموحدين: ((ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل، من بعد موسى، إذ قالوا لنبي لهم: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله‏.‏‏. قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا؟؟ قالوا: ومالنا ألاّ نقاتل في سبيل الله، وقد أخرجنا من ديارنا، وأبنائنا‏.‏‏. فلما كتب عليهم القتال تولوا، إلا قليلا منهم‏.‏‏. والله عليم بالظالمين * وقال لهم نبيهم: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا‏.‏‏. قالوا: أنّى يكون له الملك علينا، ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال؟؟ قال: إن الله اصطفاه عليكم، وزاده بسطة، في العلم، والجسم، والله يؤتي ملكه من يشاء، والله واسع عليم‏.‏‏.)) وكان في جند طالوت داوود‏.‏‏. ويقص الله علينا من خبرهم: ((ولما برزوا لجالوت، وجنوده قالوا: ربنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين * فهزموهم، بإذن الله، وقتل داوود جالوت، وآتاه الله الملك، والحكمة، وعلمه مما يشاء‏.‏‏. ولو لا دفع الله الناس، بعضهم ببعض، لفسدت الأرض‏.‏‏. ولكن الله ذو فضل على العالمين‏.‏‏.)) وخلف داوود سليمان ابنه، فكان ملكا رسولا‏.‏‏. وانتصر سليمان على بلقيس، ملكة سبأ، فجاءت مذعنة: ((قالت: رب إني ظلمت نفسي، وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين‏.‏‏.)) وكانت هي، وقومها، يعبدون الشمس، فتحولوا لما هزموا، إلى دين التوحيد‏.‏‏. وهكذا يسير التوحيد‏.‏‏. واستمر عهد الملوك‏.‏‏. ولماء جاء المسيح، ابن مريم، نبيا عبدا، رفضه اليهود، لأنهم كانوا ينتظرونه نبيا ملكا‏.‏‏. ولقد جاء نبينا، فخير أن يكون نبيا ملكا، أو نبيا عبدا، فاختار أن يكون نبيا عبدا‏.‏‏. فانتصر بذلك للمستضعفين، في الأرض، وبدأ عهد الجمهورية، من يومئذ، يدال له من عهد الملكية‏.‏‏. ولكن، لما كان الوقت لا يزال مبكرا لمجيء عهد الجمهورية، مجيئا عمليا، فقد قال نبينا: ((الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تصير ملكا عضوضا‏.‏‏.)) وهكذا كانت، على عهد معاوية، وإلى وقت قريب، وفي بعض البلاد الإسلامية، إلى يومنا الحاضر‏.‏‏. وبالثورة الفرنسية، في القرن الثامن عشر، بدأ عهد الجمهورية بصورة، عملية، وجريئة‏.‏‏. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية، وبنهايتها اتسع النظام الجمهوري، وتقلص النظام الملكي، في كل الأرض‏.‏‏. لقد جاء عهد الشعوب، وبدأ التاريخ يكتب من جديد.. وهكذا يسير التوحيد‏.‏‏.

33) والآن فإن التوحيد قد بلغ مستوى طيبا جدا يسمح بتطور جديد في مستوى الحياة البشرية به تدخل عهد الإنسانية، الذي ظلت ترقبه، وتحلم به - أو بالأحرى يحلم به طلائعها من أنبياء الحقيقة‏..‏ ولقد رأينا كيف أن العلم المادي، بانفلاق الذرة، قد رد الوجود كله إلى أصل واحد، معلوم الخصائص، مجهول الكنه‏.‏‏. أصل واحد هو قوة - هو طاقة- تدفع، وتجذب، في الفضاء‏.‏‏. ولقد اخترنا الحديث عن خط تطوير السلاح، من السلاح الحجري، إلى السلاح النووي، لأن الحروب تحفز على التطوير أكثر مما يحفز السلام‏.‏‏. وإلى اليوم، فإن الدول، ميزانياتها، تكاد تكون مفتوحة، لتمويل البحوث العلمية التي تطور الأسلحة الرهيبة، ذلك بأن السلام اليوم إنما يقوم على الخوف من الحرب بهذه الأسلحة الرهيبة، التي معها لن يكون هناك منتصر، ومنهزم، كما كانت الحالة بالأسلحة التقليدية، وإنما هو الدمار لكل الحياة‏.‏‏. وبفضل حوافز الحرب جاء تطوير العلم المادي التجريبي للحياة المعاصرة، من جميع وجوهها‏.‏‏. ثم إننا رأينا كيف سار توأم العلم المادي التجريبي- الدين- من التعدد أيضا إلى التوحيد‏.‏‏. لقد كان هناك في بدء المسيرة آلهة كثيرة - آلهة بعد البشر - ولكن بعض الآلهة مهيمن على بعضها، هيمنة البشر، بعضهم على بعض‏.‏‏. ولقد جاءت أديان التوحيد جميعها تحارب آلهة الأصنام، وآلهة العناصر، والأجرام، وآلهة الملوك، أمثال فرعون: ((فحشر فنادى * فقال أنا ربكم الأعلى.‏‏.)) حتى تم لها النصر، من حيث التنظير، بنزول القرآن‏.‏‏. وعندما جاء النبي الكريم بالقرآن في مكة كان في الكعبة، بيت الله الذي بناه أبو الأنبياء، إبراهيم، لعبادة الله وحده، نحو ثلاثمائة وستين صنما‏.‏‏. فقال: يا أيها الناس قولوا: ((لا إله إلا الله)) تفلحوا!! فقالوا، فيما حكى عنهم القرآن: ((أجعل الآلهة إلها واحدا؟؟ إن هذا لشيء عجاب!!)) ولقد جاء جميع الأنبياء، والرسل، بقولة ((لا إله إلا الله))‏.‏‏. اللفظ واحد، والتحصيل، في الصدور، يختلف - المعنى يتفاوت‏.‏‏. في جميع العصور كانت ((لا إله إلا الله)) تعني أن جميع الآلهة باطلة، إلا إلها واحدا، هو الله‏.‏‏. ((لا معبود بحق إلا الله))‏.‏‏. هذا معنى ((لا إله إلا الله)) عندنا، نحن المسلمين، في القرن السابع‏.‏‏. ذلك بأنه قد كانت هناك آلهة أصناما حسية، فكان هذا المعنى يناسب ذلك الطور، من أطوار المجتمع البشري‏.‏‏.
أما اليوم، فإن التوحيد، بمحض الفضل الإلهي، قد ارتفع إلى قامة جديدة، تناسب مجتمع القرن العشرين، الذي طور العلم المادي التجريبي، حتى رد المادة كلها إلى أصل واحد، وحتى، بفضل الله، علينا وعلى الناس، طور الآلة في مضمار القوة، والسرعة، والكفاءة، إلى الحد الذي ألغى، أو كاد أن يلغي، الزمان، والمكان‏.‏‏. فوحد بذلك هذا الكوكب الذي نعيش فيه.‏‏. إن البشرية اليوم لا تعبد أصناما حسية، كما كان يفعل الناس، في القرن السابع، ولكنها، مع ذلك، تعبد أصناما معنوية، لها عليها سلطان، أقوى من سلطان الأصنام الحسية على عُبَّادها الذين ظلوا لها عاكفين‏.‏‏.

34) ((اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا‏.‏‏.))
هذا اليوم، هو يوم عرفة، من سنة عشرة للهجرة، وهو يوم حجة الوداع، وقد كان يوم جمعة‏.‏‏. هذه الآية هي آخر من نزل من القرآن‏.‏‏. ولقد لبث النبي بعدها بين الناس، ذي الحجة، ومحرم، وصفر، ثم لحق بالرفيق الأعلى، وكان ذلك يوم 12 ربيع الأول، من السنة الحادية عشرة، من الهجرة المباركة‏.‏‏. لقد كمل يومئذ إنزال القرآن، ولكن لم يكمل بيانه، ولن يكمل، لأن بيانه عند الله، حيث لا عند: ((ثم إن علينا بيانه))، هكذا قال ربي العظيم.. وما على الله بيانه لا يقع الفراغ من بيانه، لأنه مطلق، و((كل يوم هو في شأن))‏.‏‏. ولقد بين، تبارك وتعالى، لنبيه قدرا عظيما منه، ولكنه نهاه عن تبليغه للأمة: ((نحن معاشر الأنبياء، أُمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم))‏.‏‏. ولقد أرشدنا، تبارك وتعالى، إلى الطريقة التي بها نكون مهيئين لتلقي البيان منه، تبارك وتعالى، فقال: ((واتقوا الله، ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم‏.‏‏.)) وقال النبي الكريم: ((إنما أنا قاسم، والله يعطي، ومن يرد به الله خيرا يفقهه في الدين‏.‏‏.)) فالنبي جاء ليعلمنا كيف نتقي الله حتى يعلمنا الله‏.‏‏. فقوله ((إنما أنا قاسم)) يعني أرسلت بالشريعة لأعلمكم كيف تتقون، وأرسلت بالطريقة أيضا لأكون لكم قدوة باتباعها تزيدون في تقواكم لله، فيعلمكم الله، ((والله بكل شيء عليم))‏.‏‏. فهو يعلمكم بقدر استعداد المكان منكم للتعليم‏.. ((ومن يرد به الله خيرا يفقهه في الدين))‏.‏‏. واليوم، بفضل الله، ثم بفضل اتّباع النبي الكريم، يدخل في الوجود زيادة بيان للقرآن يناسب القرن العشرين، حتى يكون الإسلام، والقرآن، للناس - جميع الناس - ملاذا، ومفازة‏.‏‏. إن ((لا إله إلا الله)) اليوم لا تعني: ((لا معبود بحق إلا الله))، وإنما تزيد على ذلك المعنى، فتصبح: ((لا فاعل لكبير الأشياء، ولا لصغيرها، إلا الله))‏.‏‏. يقول تعالى: ((وكأينٍ من دابة لا تحمل رزقها، الله يرزقها، وإياكم، وهو السميع العليم * ولئن سألتهم: من خلق السموات، والأرض، وسخر الشمس، والقمر؟؟ ليقولنّ: الله‏.‏‏. فأنّى يؤفكون * الله يبسط الرزق، لمن يشاء من عباده، ويقدر له‏.‏‏. إن الله بكل شيء عليم‏.‏‏.)) فكأن الناس يردون فعل الأشياء الكبيرة إلى الله، ولكن فعل الأشياء الصغيرة ينسبونه للمخلوقات، من دون الله‏.‏‏. وإنما جاء ذلك لوهم الإرادة التي ورطتنا فيها حركاتنا التلقائية‏.‏‏. نحن نظن أن عندنا إرادة مستقلة، عن الله، سبحانه وتعالى، بها ننفذ الأعمال الصغيرة، التي تتطلبها حياتنا اليومية، في هذه الدنيا، مثل تدبير الرزق، وهو أكبر شيء رسب الخوف في صدورنا، منذ نشأة الحياة، بين الماء، والطين، في سحيق الآماد‏.‏‏. ولقد ساق الله لنا هنا الآية الأولى عن الرزق ثم ساق الآية الثانية عن خلق السموات، والأرض، وتسخير الشمس، والقمر‏.‏‏. وساق الآية الثالثة عن الرزق أيضا‏.‏‏. نحن لا دعوى لنا في خلق السموات، والأرض، ولا في تسخير الشمس، والقمر‏.‏‏. هذه لا طاقة لنا بها، فلا دعوى‏.‏‏. ولكن لنا طاقة بتدبير الرزق بالزراعة، وبالتجارة، وباحتراف الحرف المختلفة‏.‏‏. ولذلك فقد تورطنا في الدعوى ههنا‏.‏‏. واستولى علينا عقل المعاش‏.‏‏. وركز فينا خوف الجوع، وخوف الموت بالـجوع، وأمرنا بالبخل، وبالحرص، وبالادّخار، وبالعداوة، وبالحرب، وبكل مذام الصفات‏.‏‏. هذه هي الأصنام التي نعبدها اليوم، لا الأصنام الحسية‏.‏‏. لقد كانت الأصنام الحسية، في حينها، رمزا، مجسدا، لهذه المعاني‏.‏‏. كانت الأصنام الحسية رمزا للإرادة البشرية وتسويلاتها المختلفة التي أملاها علينا الجهل، في سحيق الآماد‏.‏ ولقد جاء تبارك وتعالى، في فاصلة الآية الأولى بقوله: ((وهو السميع العليم))‏.‏‏. وفي فاصلة الآية الثالثة بقوله: ((إن الله بكل شيء عليم)) وجاءت فاصلة الآية المتوسطة بين الآية الأولى، والآية الثالثة، بقوله: ((فأنى يؤفكون؟؟))‏.‏‏. و((يؤفكون)) هنا تعني ((يُصرفون))‏.‏‏. كأنه قال: ((فكيف‏.‏‏. يجهلون؟؟))‏.‏‏. عبر، تبارك وتعالى، في ثلاث الآيات عن العلم، إشارة إلى وجوب الخلاص من وهم الحواس، ووهم العقول التي أملت علينا وهم استقلال الإرادة‏.‏‏. إن صنمنا الأعظم اليوم إنما هو الإرادة البشرية المتوهّمة التي تعارض الإرادة الإلهية المحققة‏.‏‏.

35) الآية العظيمة التي صدرنا بها حديثنا هذا، وهي: ((اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا‏.‏‏.)) أخطأ في فهمها جميع علماء الإسلام، حين ظنوا أن كل ما يخص الدين قد كمل، وأن ليس هناك أمر مستأنف، يجيء فيما يقبل من الزمان‏.‏‏. والحق إن الدين كله أمامنا‏.‏‏. وإنه لمن فضل الله، علينا، وعلى الناس، أن جاءتنا هذه البشارة، بان الله أكمل لنا ديننا، وأتمّ علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام دينا‏.‏‏. معلوم إن الإسلام قد جاءت به جميع الرسالات السماوية، من لدن آدم، وإلى محمد، وقد قال المعصوم: ((خير ما جئت به، أنا والنبيون من قبلي: "لا إله إلا الله"‏..‏))‏ اللفظ واحد، والتحصيل يختلف، بين الأمم، وأنبيائها، وبين الأمم، فيما بينها، وبين الأنبياء، فيما بينهم‏.‏‏. وأكبر تحصيل، في ذلك، بين الأنبياء، ما قيضه الله، تبارك وتعالى، لنبيه الكريم‏.‏‏. وأكبر تحصيل، في ذلك، بين الأمم، ما قيضه الله لأمة نبيه الكريم‏ - أمة المؤمنين.. فأما عند الأمة المؤمنة -أمة المؤمنين - فقد كانت تعني ((لا إله إلا الله)) لا معبود بحق إلا الله‏.‏‏. وقد سبق أن قررنا ذلك‏.‏‏. وأما عند النبي، فقد كانت تعني ((لا فاعل، لكبير الأشياء، ولا لصغيرها إلا الله..))
والدين الذي أشارت إليه الآية السابقة، هو الدين الذي أشارت إليه آية: ((فأقم وجهك للدين حنيفا، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيّم‏.‏‏. ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏.‏‏.)) هو الفطرة - ((فطرة الله التي فطر الناس عليها))، جميع الناس‏.‏‏. ولقد قال النبي: ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه.‏‏.)) وهذه الفطرة لا يقع عليها الكبت، وإنما يقع الكبت على حواشيها - هي في سويداوات القلوب‏.‏‏. ولذلك قال تعالى عنها: ((لا تبديل لخلق الله))‏.‏‏. ولقد سبقت الإشارة إلى الكبت، وقلنا سببه الخوف العنصري، وبه انقسم الإنسان على نفسه، وبهذه القسمة ارتفع فوق مستوى الحيوان، وأخذ الخطوة الأولى في سيره إلى مقام إنسانيته‏.‏‏. وستكون الخطوة الثانية في فضّ الكبت‏.‏‏. وبفضّ الكبت يصل السالك إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها، في سويداوات القلوب‏.‏‏. ولقد وقع الكبت بين عقل المعاش، وعقل المعاد‏.‏‏. وعقل المعاد هو طبقة العقل التي تلي عقل المعاش فيما بينه وبين سويداء القلب‏.. وطبقات العقل سبع، تطابق النفوس السبع، عند أصحابنا السادة الصوفية‏.‏‏. وتطابق أسماء الصفات السبع: الحي، العالم، المريد، القادر، السميع، البصير، المتكلم‏.‏‏. فالحي في سويداء القلوب وهذه الحياة هي الفطرة - فطرة الله التي فطر الناس عليها‏.‏‏.