لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الديباجة

صفحة ٧

((7))


وقبيـل هـذه المرحلـة - مرحلة نشأة المجتمع - فإن التعليم قد بدأ‏.‏‏. بدأ التعليم بنشأة الفرد، وهي بالطبع سابقة لنشأة المجتمع..
لقد خلـق الله الفرد البشري وسطا، بين القوة والرخاوة، فلا هو قوي العضلات، قوة الأسد والفيل، فيعتمد في حل مشكلاته الحياتية على العضلات ولا هو رخو، لايستطيـع أن ينهض للمناجزة، وللقتال، فيعتمد، في حل مشكلاته الحياتية، على الفرار، والاستخفـاء، وفي هذه النشأة الوسط، وجـد العقـل فرصته للبروز، وللقوة، بحاجة الحى لرسم الخطط، ولتنفيذها‏.‏‏. ومن ثـم ارتفــع الحى البشري فوق مستوى الحيوان‏.‏‏. لقــد وجـد الفرد البشري نفسه محاطا بقوى البيئة الهائلة، المخيفة، البادية العداوة له، فاسترهبته، وأخافته، ولكنه بمحـض الفضل الإلهي عليه، وجد في هذه القوى الطبيعية، ما هو في صورة الصديق، كضوء الشمس، ونور القمر، والماء العـذب، والظـل الظليـل، والثمـر الداني، من الشجر المثمر، فسكن اليه‏.‏‏.
ووجد في هذه القوى الطبيعية ما هو في صورة العدو، كالصواعـق، والزلازل، والنيران المجتاحة، ففر منها‏.‏‏. ثم إنه هُدي، بمحض الفضل الإلهي، إلى تقسيم القوى العدوة إلى عدو يستطيع أن ينازله، ويصاوله، ويتغلب عليه، بالحيلة، والفكر، وبالقـوة العضليـة الميسورة، كالحيوان المفترس، وكالعدو من بني جنسه‏.‏‏. وإلى عدو ليست تناله الحيلة‏.‏‏. فنازل، وصــاول، واحتـال، صنوف الحيل، في مواجهة العدو الأول‏.‏‏.
ومن صنوف هذه الحيل، اتخاذ الآلة، من الخشب - العصا - ومن الحجر - السكين، والحربة‏ -‏ وأمـا القوى الصديقة وأما القوى العـدوة التي لا تنالهـا مناجزته، فقد هدته الحيلة إلى التزلف إليها، بمحبة للقوى الصديقة، وبخوف من القوى العدوة‏.‏‏. ومن يومئذ نشأ العلم التجريبي، الذي تطور من السلاح الحجرى إلى القنبلة الهايدروجينيـة، في وقتنا الحاضر‏.‏‏. ونشـأ الدين الذي تطور مـن التعدديات إلى دين التوحيد، في وقتنا الحاضر أيضا‏.‏‏. ومن القوى الصديقة في تعددها، ومن القوى العدوة في تعددها، نشأت فكرة الآلهة، في تعددها أيضا‏..
وآخر منازل تطور الآلهة المتعددة، نحو الإلـه الواحد، منزلة الثنائية، في إله النور، وإله الظـلام، الذي منه نشأت ديانة الفـرس، حين كانوا يعبدون النـار، فكانـوا مجـوسا.. كانوا يعبدون إلـه النورـ القوى الصديقة - لينصروه على إلـه الظلام - القوى العدوة - وجـاء هذا بعـد تطـور طويـل ووئيد للعبادة البدائية، التي نشأت في الزمن السحيق‏.‏‏. ويلاحظ أن هذه الثنائية قائمة، عنـــد المسلمين اليوم بصورة ملطفة فمن علماء المسلمين من يعتقد أن الشر ليس من الله، وإنما هو من إبليس‏.‏‏.