في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الديـن والتنمية الاجتماعية

نشأة الدين والعلم والمجتمع:-


وجد الإنسان الأول نفسه ، في البيئة الطبيعية ، أمام قوى رهيبة ، يأتيه من قبل بعضها النفع ، ويأتيه من قبل بعضها الآخر الضرر ، فاهتدى إلى المناجزة والتمليق ، في آنِ معاً .. أما المناجزة فقد هدته إلى إتخاذه الآلة البدائية ، وإلى افتنانه شتى الأفانين التي بها ييسر حياته ، ويؤمنها ، فكانت تلك نشأة العلم التجريبي الذي تطور الآن إلى ارتياد الإنسان الفضاء بمركبات الفضاء .. وأما تمليقه فقد تمثل في تقربه ، وفي تزلفه ، إلى تلك القوى التي فاقت قدرته ، وأعجزت حيلته .. وكان دافع التمليق الخوف منها حيناً ، والطمع فيها حيناً آخر ، فكانت تلك نشأة الدين .. فالدين ، والعلم التجريبي ، نشآ معاً ، وفي وقت واحد .. وهما إنّما نشآ كوسيلتين متكاملتين .. ونشآ نتيجة لمحاولة الإنسان أن يتلاءم مع بيئته .. فكلاهما ـ العلم التجريبي ، والدين ـ إنّما نشآ بدافع الخوف والطمع اللذين استوليا على الإنسان الأول ، وبخاصة الخوف .. ذلك بأن الإنسان قد وجد نفسه في بيئته الطبيعية ، محتوشاَ بالعداوات من جهاته الست ، فكان ، من ثم ، كلتا الوسليتين ـ العلم التجريبي ، والدين ـ وسيلة الإنسان إلى تيسير حياته ، وتأمينها..
و لقد نشأ الدين مع نشأة أول فرد بشري ، وكذلك نشأ العلم التجريبي .. وأما المجتمع فإنه قد نشأ بعيد ذلك ـ نشأ مع نشأة شريعة الدين ـ وتلك نشأة قد كانت مبكرة ، ذلك بأن الإنسان الأول ، بحكم ما ورثه من طور حيوانيته ، قد كان نزاعاً للعيش في القطيع .. وهو ، إلى ذلك ، قد كان يحتاج هذا العيش في الجماعة لما توفره له الجماعة من أسباب الأمن في وجه جوائح البيئة ، ومن أسباب التعاون على منادح كسب الرزق ، ومضانكه .. فحاجته إلى العيش في المجتمع قد كانت من قبيل حاجته إلى تيسير حياته ، وتأمينها .. وتلك هي الحاجة التي كانت ، كما سبق أن قررنا ، وراء نشأة الدين ، ونشأة العلم .. ولقد اضطر الإنسان ، من أجل العيش في المجتمع ، إلى التنازل عن قدر كبير من حريته .. وهو ، بالطبع الذي ورثه من طور حيوانيته ، قد كان شديد الشغف بتحصيل شهوتي البطن والفرج ، ولذلك فما كان للمجتمع أن ينشأ إلاّ على تقييد هاتين الشهوتين .. وكذلك قام العرف الأول على تنظيم الغريزة الجنسية ، وعلى تنظيم حب التملك .. ولقد كان هذا العرف هو جرثومة القوانين ، وبداية شريعة الحرام ، والحلال .. ولقد كان هذا العرف الأول عنيفاً بالفرد ، أشد العنف ، وذلك لمكان حاجة الفرد ، في ذلك الطور من أطوار النشأة ، إلى الترويض ، والتهذيب .. ولقد أعان ذلك العرف البدائي الإنسان الأول كل العون ، على تقوية إرادته ، وسيطرته على نفسه ، كما خدم المجتمع ، في ذات الوقت ، أجل خدمة ، بحفظ كيانه ، وبصيانة حقوقه ، مما جعل استمراره ، لمصلحة الفرد ، ولمصلحة الجماعة ، ممكناً ..
فالعلاقة بين الفرد والمجتمع قد قامت ، من الوهلة الأولى ، على التوفيق بين حاجة الفرد إلى الحرية ، وحاجة المجتمع إلى العدالة .. وهو توفيق موزون ، ومتمش مع ما يطيق الفرد ، وما يطيق المجتمع ، ومع ما يحتاجانه في ذلك الطور البدائي من أطوار نشأة الفرد ، ونشأة الجماعة .. ولقد كان للدين ، ثم للمجتمع ، كل الفضل في نشوء الوازع الداخلي (الضمير) في الإنسان ، إذ صار له اعتبار لغضب المجتمع ، ورضائه ، ولغضب الآلهة ، ورضائها .. ودخلت ، من ثم ، القيمة المعنوية في إعتباره .. فهو قد يؤجل اللذة العاجلة طمعاً في اللذة الآجلة ، وهو قد يستعصم عن اللذة الحسية طمعاً في اللذة المعنوية .. فمد كل أولئك في سعة تخيله ، وأعانه على تنمية عقله بزيادة سيطرته على نوازعه الشهوانية ..
و هذا العرف الأول الذي نظم الغريزة الجنسية ، وفرض احترام الملكية الفردية ، والذي قام عليه المجتمع ، أول ما قام ، قد كان شريعة إسلامية ، كما كانت عقيدة التعدد عقيدة إسلامية ، وكلاهما قد كان مراداً ، ومرضياً ، من الله .. فالإسلام هو الدين ، منذ بدء الدين ، ولكنه اتخذ صوراً مختلفة ، في الأزمنة المختلفة ، حسب حكم الوقت .. ذلك بأن الله يبدي ذاته لخلقه على قدر طاقتهم .. وإنّما كان العرف الأول إسلامياً لأنه حقق غرض الإسلام بتحقيق حرية الإنسان وكرامته .. ولقد ورد الحديث في متن المحاضرة عن دين الإسلام العام ، ودين الإسلام الخاص ، وجاء تعريف الدين بأنه الجزاء ، كما ورد الحديث عن مستوى الجزاء في الإسلام العام ، ومستوى الجزاء في الإسلام الخاص ، وعن العرف الأول الذي قام عليه المجتمع ، أول ما قام ، وهو تقييد غريزة الجنس ، وتنظيمها ، وتقييد حب الملكية ، وتنظيمها .. وجاءت الإشارة ، في متن المحاضرة ، إلى علاقة هذا العرف بشريعة الحدود الراهنة في الإسلام ، وهي: الزنا ، والقذف ، والسرقة ، وقطع الطريق ، مما يغني عن الإعادة ها هنا ..
و خلاصة الأمر ، في هذا الباب ، إن نشأة الدين ، ونشأة العلم ، ونشأة المجتمع ، إنّما كانت بدافع من حاجة الإنسان إلى تأمين حياته ، وتيسيرها ، مما يضع الإنسان ـ من حيث هو إنسان ـ موضع الغاية من كل سعي .. فكل شئ في الوجود إنّما هو وسيلة الإنسان ، كما قال تعالى ، في سورة لقمان: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات ، وما في الأرض ، وأسبغ عليكم نعمه ، ظاهرة وباطنة .. ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ، ولا هدى ، ولا كتاب منير) هكذا !! كل ما في الوجود إنّما هو وسيلة الإنسان ..

ما هي التنمية الاجتماعية؟؟


التنمية هي الزيادة ، كماً ، وكيفاً .. ولما كان الإنسان هو هدف كل مسعى إلى تطوير الحياة ، فإن التنمية الاجتماعية إنّما تعني زيادة المورد البشري ، وتحسين نوعه ـ تنمية الإنسان ـ وتنمية الإنسان إنّما تكون بتنمية موهبتيه الأساسيتين ـ العقل والقلب .. فهي إذن تعني تنمية حياة فكره ، وحياة شعوره .. وما يعوق هذه التنمية هو الجهل ، والخوف .. ولا تنمو حياة الفكر ، وحياة الشعور ، والعقل ملتو بالجهالات ، والقلب منقسم بالمخاوف .. وإنّما قدماً انقسمت البنية البشرية بفعل الخوف إلى عقل واعٍ ، وعقل باطن .. وما العقل الباطن إلا سجن الرغائب التي كبتها الإنسان ليأمن غوائل البيئة الطبيعية .. وإنّما كان الكبت بدواعي الخوف من العقوبات المترتبة على مخالفة عرف المجتمع ، والخوف من غضب الآلهة .. وهذا الانقسام ، في حد ذاته ، قد كان مرحلة ارتقاء نحو الهدف المنشود ، ولكنه يصبح ، في أخريات السير ، عقبة معوقة عن اطراد هذا الارتقاء .. ولا يكون التمام إلاّ بالتخلص منه .. وليس إلى الخلاص من سبيل إلاّ بتحرير الإنسان من الخوف العنصري ، لأن الإنسان ، بهذا التحرير ، يخلص إلى توحيد بنيته ، ومن ثم إلى توسيع حياة فكره ، وحياة شعوره ..