((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الميزان بين
محمود محمد طه
والأمانة العامة للشئون الدينية والأوقاف

القرآن ظاهر وباطن

القرآن ظاهر وباطن:


وتحت عنوانه ((السبب في انحرافه)) قال السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية (لقد تبين لى من مجموعة الكتب والرسائل التي وضعها لشرح آرائه فوجدته يذهب مذهب الباطنية في تفسير الآيات على النحو الذي أدعاه من قبل البهائية والقديانية وهما فرقتان خرجتا عن دائرة الإسلام وصارتا مستقلتين وأن تمسح أتباعهما بالإسلام. فمن ذلك قوله في رسالة الصلاة ص 49 في تفسير قوله تعالي: "أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها" قال محمود في تفسير هذه الآية الماء الحسي معروف، والأودية الحسية معروفة، ولكن من الناحية الباطنية الماء القرآن والأودية القلوب)
هذا ما قاله السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية.. ونحب، أولا، أن نفرق بين المعنى الباطنى للقرآن، والفرق الباطنية الضالة.. فلا يعنى وجود فرق باطنية باطلة ان المعاني الباطنية للقرآن باطلة.. فالقرآن ظاهر وباطن.. وهو كلام الله، والله تعالى ظاهر وباطن. وظاهر القرآن هو ما تعطيه اللغة، مما يقع في مضمار التفسير، وباطنه ما يعطيه التوحيد، وهو يقع في مضمار التأويل. وظاهر القرآن مجاز إلى باطنه ((سنريهم آياتنا، في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق: او لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟)).. فظاهر القرآن معنى بآيات لآفاق وباطنه معني بآيات النفوس.. ومن ههنا فان الماء، في الظاهر، هو القرآن في الباطن، والأودية في الظاهر، هي القلوب، في الباطن. والتأويل هو ما يؤول اليه الشيء.. ومعنى القرآن القريب إنما يؤول إلى معنى القرآن البعيد، ذلك بأن القرآن مثاني ((الله نزل أحسن الحديث، كتابا متشابها، مثاني..)) معنيين، معنيين، معنى بعيدا عند الرب، ومعنى، متنزلا منه، قريبا عند العبد. ونحن، بالتقوى، إنما نخرج من المعنى القريب إلى المعنى البعيد: ((واتقوا الله ويعلمكم الله)).. والقرآن إنما هو في صدور الذين أوتوا العلم: ((بل هو آيات بينات، في صدور الذين أوتوا العلم)).. والعلم، هنا، هو العلم الوهبى، (العلم اللدنى)، الذي يتلقاه العبد من الله كفاحا، بلا واسطة، ووسيلته العلم الكسبى.. العلم بالشريعة والعمل به وسيلة إلى علم الحقيقة: ظاهر القرآن مجاز إلى باطن القرآن ((من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم)) – كما قال المعصوم، عليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم.
ونحب، هنا، أن نواجه السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية بما قاله ابن عباس، حبر الأمة، في معنى قوله تعالى ((أنزل من السماء ماء، فسالت أودية بقدرها))... وذلك فيما يرويه القرطبى:
(قال ابن عباس: "أنزل من السماء ماء" قال قرآنا، "فسالت أودية بقدرها" قال: الأودية قلوب العباد)
هل أطلع السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية، بالأمانة العامة للشئون الدينية والأوقاف، على تأويل ابن عباس هذا!! لو لم يكن السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية يستشهد بأقوال ابن عباس، وبخاصة فيما يرويه القرطبى، كما فعل في حديثه عن تفسير "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف"، لقلنا أن السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية ينكر على ابن عباس المعاني الباطنية للقرآن!! ان كان السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية يحيط علما بتأويل ابن عباس هذا، وهو تأويل مشهور، ثم أغفله وذهب ينكره علينا، فهو مغرض.. وان لم يكن يحيط به علما فهو مقصر، ذلك بأن هذا التأويل لابن عباس تأويل مشهور كاد أن يدخل في مضمار التفسير. والسيد أحمد البيلي، بحكم منصبه كمدير للدراسات الدينية، بالأمانة العامة للشئون الدينية والأوقاف، إنما هو مظنة الاطلاع الواسع في مجال وظيفته. ونشفع تأويل ابن عباس لقوله تعالى ((أنزل من السماء ماء، فسالت أودية بقدرها)) بما ذهب اليه ابن كثير أيضا... قال: ((هو اشارة إلى القلوب، ونقاوتها، فمنها ما يسع علما كثيرا ومنها ما لا يتسع لكثير من العلوم، بل يضيق عنها..
وعن على بن أبى طلحة عن ابن عباس: هذا مثل ضربه الله احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها.. فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله..))
هل يريد السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية مزيدا من تأويل قوله تعالى: ((أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها))؟؟ يشبه النبي العلم بالغيث:
((ففي الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى: "أن مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم كمثل غيث، أصاب أرضا، فكان منها طائفة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ، والعشب الكثير.. وكان منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا، ورعوا، وسقوا، وزرعوا.. وأصابت طائفة منها أخرى.. إنما هي قيعان، لا تمسك ماء، ولا تنبت كلا، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه الله بما بعثنى به، ونفع به، فعلم، وعلم، ومثل من لم يرفع لذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به.."..))
وبعد، نعيد للقاريء الحديث السالف للسيد مدير مصلحة الدراسات الدينية عن الأستاذ محمود محمد طه:
"لقد تبين لى من مجموعة الكتب والرسائل التي وضعها لشرح آرائه فوجدته يذهب مذهب الباطنية في تفسير الآيات على النحو الذي أدعاه من قبل البهائية والقديانية وهما فرقتان خرجتا عن دائرة الإسلام وصارتا مستقلتين وان تمسح أتباعهما بالإسلام، فمن ذلك قوله في رسالة الصلاة صفحة 49 في تفسير قوله تعالي: "أنزل من السماء، ماء فسالت أودية بقدرها" قال محمود في تفسير هذه الآية: الماء الحسي معروف، والأودية الحسية معروفة، ولكن، من الناحية الباطنية، الماء القرآن، والأودية القلوب)
وقد أوردنا هذا الحديث للسيد مدير مصلحة الدراسات الدينية حتى نضع أمام القاريء المعلومات الوافية عن مستوى (تقويم وتقييم) السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية (للدعوة الإسلامية الجديدة)!! ويقول السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية (ومن الأخطاء الشنيعة التي يقع فيها استشهاده بالأحاديث الموضوعة المكذوبة عليه صلى الله عليه وسلم من مثل عبارة "وما وسعني أرضي ولا سمائي وإنما وسعني قلب عبدي المؤمن").. هذا ما قاله السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية..
أولا: صحة الحديث النبوى إنما تلتمس في القرآن، وأصول التوحيد، فان اتفق الحديث المروى عن النبي الكريم معها فهو حديث صحيح..
أما الحديث القدسى ((ما وسعنى أرضى ولا سمائى، وإنما وسعنى قلب عبدي المؤمن)).. فانما ثبت صحته قوله تعالى ((كلا!! بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون* كلا!! أنهم عن ربهم، يومئذ، لمحجوبون)).. وقوله تعالى عن القرآن: ((.. بل هو آيات، بينات، في صدور الذين أوتوا العلم)) .. فالقرآن كلام الله، وهو لدى التناهى ذاته.. والقلب إنما يسع الله سعة علم، لا سعة احاطة.