((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الميزان بين
محمود محمد طه
والأمانة العامة للشئون الدينية والأوقاف

الكتب التي صدرت في معارضة دعوتنا

الكتب التي صدرت في معارضة دعوتنا:


وتحت عنوانه ((رابعا – موقف العلماء منه)) قال السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية:
((وقد ألفت حتى الآن أربعة كتب ضده منها: 1- نبي آخر الزمان للأستاذ محمد علي يوسف. 2- القول الفصل للأستاذ حسين محمد زكي. 3- نقض مفتريات محمود محمد طه للأستاذ الدكتور الأمين داؤود 4- وهناك كتيب رابع صدر بقلم أحد علماء المملكة العربية السعودية ولم نقف على أسمه))..
هذا ما قاله السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية، بالأمانة العامة للشئون الدينية والأوقاف.. أما كتاب (محمد علي يوسف) فهو كتاب ينضح بالاسفاف، وينطق بسوء الغرض، وسوء الفهم، معا.. ونحن لا يهمنا منه الا قول المؤلف (صفحة 104 الطبعة الثانية) :
((يخطئ من يظن أن الإسلام رأسمالي، وينافق من يقول أنه شيوعي، ويجمع بين الخطأ والنفاق من يزعم أنه اشتراكي..))!! وهو قول يدل، أبلغ الدلالة، على فهم المؤلف للإسلام، فعنده أن من يزعم أن الإسلام اشتراكي إنما "يجمع بين الخطأ والنفاق"!! والسيد مدير مصلحة الدراسات الدينية إنما يلتقي معه في هذا الفهم.. ألم يكن من قبل مقرر ((الهيئة الوطنية للدستور الإسلامي الكامل))، وعضو لجنة الصياغة التي وضعت مذكرتها، والتي جاء فيها ((كذلك يحمل لفظ "الإشتراكية" من المعاني المتناقضة ما يجعل استعماله في أي شكل من الأشكال وسيلة لإستغلاله للانحراف بمبادئ العدالة الإنسانية واشعال حرب الطبقات بين المجتمع)) ؟؟ !! ورأى السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية في الإشتراكية ليس بدعا، فهو رأي سائر أضرابه من المشتغلين بالفقه والوعظ.. وهم إنما يضطرون إلى اخفائه وتمويهه اضطرارا وذلك مجاراة للأوضاع السياسية المتغيرة..
أما كتاب (الأمين داؤود) فهو مثل للاسفاف، ليس له نظير! ونحيل القارئ إلى الصفحات التالية منه، والتي جاء فيها من البذاء والاقذاع وساقط القول ما أن المرء ليتحرج من ايراده ههنا.. (الصفحات هي 33، 43، 46، 48، 63). وقد عمد فيه مؤلفه إلى أن ينقل من كتبنا، نقلا مخلا بالمعنى، والى أن يخرج التخريجات المغلوطة، والى أن يطلق الأحكام الباطلة، والى أن يهبط إلى دركات سحيقة من الاسفاف.. ومن أمثلة ذلك ما جاء في صفحة 26 من كتابه (الطبعة الثانية)، تحت عنوانه (مخلوق يرمى خالقه بعدم العدل) :
(في صحيفة الرأي العام بتاريخ 7/1/1965 يعترض محمود محمد طه على ربنا اعتراضا جريئا بأنه – سبحانه- ليس بعادل، وهذا الاعتراض لم ينشر في صحيفة الرأي العام وحدها، بل كرر نشره كثيرا في عدة صحف وفي كتبه وفي النشرات التي يوزعها على الناس من وقت لآخر، يقول بالحرف: "نجد أن حظ المرأة في تشريع الإسلام الذي بين أيدينا الآن، حظ مبخوس، فهي علي النصف من الرجل في الشهادة .. وعلى النصف منه في الميراث، وعلى الربع منه في الزواج، وهي دونه في سائر الأمور الدينية والدنيوية. فلماذا؟؟")
ويقف الأمين داؤود عند هذا الحد من النقل من منشور الجمهوريين.. وتمام النص وارد تحت عنوان (الأحوال الشخصية) من هذا الكتاب الذي بين يديك، نقلا عن كتاب (بيننا وبين محكمة الردة)، فلترجع اليه..
والأمين داؤود شوه النقل، فهو بدل أن يبدأ بأول الكلام، وهو قولنا ((وحين نجد أن حظ المرأة في القرآن، من المسئولية الفردية، مساويا لحظ الرجل مساواة مطلقة)).. يتركه وراءه ليبدأ من ((نجد أن حظها في التشريع الإسلامي الذي بين أيدينا الآن، حظ مبخوس .. الخ ..))، وهو بدل أن يواصل النقل بعد قولنا "فلماذا ؟؟" يقف.. ويذهب ليخرج تخريجات لو واصل النقل لما وجد إليها سبيلا.
هذا، وقد اعتمد الأمين داؤود على هذا النقل المشوه من منشور الجمهوريين في ادعائه، كمدع أول، أمام محكمة الردة- أو، بالأحرى، مهزلة محكمة الردة! – وقد ورد الرد على ادعائه الباطل في كتاب (بيننا وبين محكمة الردة) والذي ذكر السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية أنه اطلع عليه قبل كتابة تقريره!! وبالرغم عن تفنيد كتاب (بيننا وبين محكمة الردة) لادعاء الأمين داؤود يصر السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية على التمسك به، فيورده من ضمن حجج تقريره العجيب.. فلقد مر علينا قوله تحت عنوان ((الأحوال الشخصية)) من هذا الكتاب الذي بين يديك:
((ومن آرائه الباطلة فيما يتعلق بتشريع الأسرة في الإسلام قوله إن حظ المرأة في الميراث والشهادة حظ مبخوس، فإن حظ المرأة الشهادة وحظها في الميراث أمر مثبت في التنزيل الحكيم..))
هذا هو حظ السيد أحمد البيلي من الأمانة العلمية... ولا ننسى أنه مدير مصلحة "الدراسات الدينية" !! أكثر من ذلك، فان "الشئون الدينية" قد اشترت مئات النسخ من كتاب الأمين داؤود، كمرجع من المراجع التي يعتمد عليها جيش وعاظها في حربهم المعلنة ضدنا.. بل أنه صار يروج لهذا الكتاب في المساجد!! وليس استشهاد السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية به في تقريره ببعيد!! ونحن نحب أن يرجع الناس إلى الصفحات السالفة الذكر من كتاب الأمين داؤود، وبخاصة صفحة 33، معتذرين عما تسببه لهم من أذى، حتى يدركوا مبلغ ما انحدرت اليه ((الأمانة العامة للشئون الدينية)) من الخصومة الحمقاء، وذلك بتبنيها البذاء والاقذاع والقول الساقط باسم الدفاع عن الدين!!
ان كتاب الأمين داؤود ينم، تماما، عن قدر الأمانة العامة للشئون الدينية... فهي لن تعدو قدرها!! هذا، والكتاب مطبوع، في طبعته الثانية، بالمطبعة الحكومية!!
أما كتاب (حسين محمد زكى) فليس خيرا من سابقه! وحسين محمد زكي هو المدعي الثاني أمام مهزلة محكمة الردة وقد قال في ادعائه أمام تلك المهزلة (يقول محمود محمد طه في كتابه الرسالة الثانية صفحة 87 النص الآتي: ((وما من نفس إلا خارجة من العذاب في النار، وداخلة الجنة، حين تستوفي كتابها في النار، وقد يطول هذا الكتاب، وقد يقصر، حسب حاجة كل نفس إلى التجربة، ولكن، لكل قدر أجل، وكل أجل إلى نفاد.
والخطأ، كل الخطأ، ظن من ظن أن العقاب في النار لا ينتهي إطلاقا، فجعل بذلك الشر أصلا من أصول الوجود، وما هو بذاك. وحين يصبح العقاب سرمديا يصبح انتقام نفس حاقدة..)
ويقف حسين محمد زكى عند هذا الحد من النقل من كتاب "الرسالة الثانية من الإسلام" من صفحة 87 (الطبعة الأولى)، (صفحة 88 الطبعة الرابعة)، ثم يذهب ليقول "فهو بذلك يصف الله تعالى بالحقد" مع أن النص يقول: " والخطأ، كل الخطأ، ظن من ظن أن العقاب في النار لا ينتهي إطلاقا، فجعل بذلك الشر أصلا من أصول الوجود، وما هو بذاك. وحين يصبح العقاب سرمديا يصبح انتقام نفس حاقدة، لا مكان فيها للحكمة، وعن ذلك تعالى الله علوا كبيرا" .. فهو قد حذف عبارة " وعن ذلك تعالى الله علوا كبيرا" ليصل إلى غرضه المبيت.
ولقد أورد حسين محمد زكي ذلك النص من كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام) مبتورا، وذلك في كتابه الذي أسماه (القول الفصل في الرد على محمود محمد طه) – صفحة 142 – وقد بتر عبارة " وعن ذلك تعالى الله علوا كبيرا"، ثم ذهب يخرج التخريجات المغرضة.. والرد على ادعاء حسين محمد زكي أمام "مهزلة محكمة الردة" قد ورد في كتاب (بيننا وبين محكمة الردة) الذي زعم السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية أنه اطلع عليه، كما أطلع على كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)، قبل كتابة تقريره.. وبالرغم من ذلك يستشهد السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية بكتاب حسين محمد زكي الذي تضمن هذا الادعاء، كما تضمن ادعاءات أخرى على شاكلته.. مغفلا، عن قصد، ردنا عليه في كتاب (بيننا وبين محكمة الردة)..
ورجل، كالبيلي، على هذا القدر من عدم الأمانة العلمية، يتبوأ منصبا رسميا، ويتحدث باسم الدين، بل ويدعي الغيرة على الدين!! أما الكتاب الذي قال عنه السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية (وهناك كتيب رابع صدر بقلم أحد علماء المملكة العربية السعودية لم نقف على إسمه) فهو كتاب بعنوان (المحاضرة الدفاعية عن السنة المحمدية) لمحمد أمان.. والسيد مدير مصلحة الدراسات الدينية لم يقف على إسمه، ناهيك عن أن يطلع على محتواه، ومع ذلك يستشهد به كأحد الكتب التي صدرت في معارضة دعوتنا!! وهذا مثل آخر لعدم الأمانة العلمية التي يطفح بها تقريره العجيب. ويكفي أن نورد من هذا الكتاب، الذي قال السيد أحمد البيلي أنه لم يقف على إسمه، ما جاء في صفحة 26:
("حسنات الأبرار سيئات المقربين" وقد ذكرت في بعض مواقفي مع صاحبنا (يقصد الأستاذ محمود محمد طه) أن هذا الكلام ليس بقول الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا قول صحابي، ولا تابعي، بل هو قول أبى سعيد الخراز – أحد الصوفية – كفي الله المسلمين شرهم، كما ذكرت أنه غير صحيح من حيث المعنى)!!هذا ما جاء في كتاب (محمد امان)، أما رأيه في السادة الصوفية فليس جديدا ما دام هو "أحد علماء المملكة العربية السعودية"!! وهو رأي (جماعة أنصار السنة) الذين يلتقون مع الأخوان المسلمين، ورجال الأمانة العامة للشئون الدينية، في معارضة دعوتنا.. ورأي (جماعة أنصار السنة) في السادة الصوفية إنما يخبر عن مستواهم من الدين أحسن أخبار!! ونحب أن نورد هنا ما جاء في كتابنا (طريق محمد) عن التصوف الإسلامي ونسأل السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية رأيه فيه...
فقد جاء في صفحة 26 من هذا الكتاب (الطبعة الخامسة) :
((إن التصوف الإسلامي، في حقيقته، هو تقليد السيرة النبوية..فالنبي، في خاصة عمله، قبل البعث، وبعد البعث، هو عمدة الصوفية، وإن كان اسم الصوفية لم يظهر إلا مؤخرا. فالصوفية، في حقيقة نشأتهم هم أنصار السنة المحمدية، ولقد ازدهر التصوف في القرون السبعة التي تلي القرن الثالث، وكانت قمته في القرنين السادس والسابع، ثم لحق التصوف من التبديل، والتغيير، والضعف ما لحقه، مما نراه الآن، وهو، على ما هو عليه، من هذا الضعف، وهذا الانحراف عما كان عليه السلف، أقرب إلى الدين، من كثير من المظاهر الكاذبة، التي تدَّعي الدين وتعيش باسمه)) هذا ما جاء في كتاب (طريق محمد) ..
فالصوفية، في حقيقة نشأتهم، هم أنصار السنة المحمدية.. وكتاب محمد أمان (أحد علماء المملكة العربية السعودية) الذي أسماه (المحاضرة الدفاعية عن السنة المحمدية) إنما هو، برأيه هذا في السادة الصوفية، عمل ضد السنة المحمدية!! ومع ذلك فالسيد مدير مصلحة الدراسات الدينية مطمئن، تمام الاطمئنان، لكتاب يخرجه (أحد علماء المملكة العربية السعودية) في أمر من أمور الدين.. فهو يستشهد به، حتى من غير أن يقف على اسمه!!
والسيد أحمد البيلي، فيما يبدو، وشيج الصلة بدعوة (جماعة أنصار السنة)، وهي، عندنا، دعوة باطلة... ألم يقل السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية في تقريره: ((ومن الأخطاء الشنيعة التي يقع فيها استشهاده بالأحاديث الموضوعة المكذوبة عليه صلى الله عليه وسلم من مثل عبارة "ما وسعني أرضي ولا سمائي وإنما وسعني قلب عبدي المؤمن") ؟؟!!
ومعروف طعن (جماعة أنصار السنة) في صحة الأحاديث الشريفة والقدسية التي يوردها السادة الصوفية (ومنها هذا الحديث) وهي، في حقيقتها، آصل أصول الدين.. وقد رأينا، آنفا، كيف أنكر المعنى الباطني للقرآن.. كما تذهب (جماعة أنصار السنة) ..
ورجل كهذا الفقيه السعودي، لا يستحق أن نخوض معه في حديث عن الدين، وهذا رأيه في السادة الصوفية .. كما أننا ما كنا سنهرق في التعليق على كتابه قطرة واحدة من المداد، لو لم يستشهد به مدير مصلحة الدراسات الدينية..
هذه هي الكتب التي أشار إليها التقرير العجيب كمراجع يستشهد بها في معارضتنا، وهذا هو نصيبها من الدين، ومستواها من الأخلاق..
ويمضي السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية في تقريره ليقول: "وقد أصدرت لجنة الفتوى بالأزهر الشريف بعد اطلاعها على كتابه الرسالة الثانية فتوى بأن ما جاء في الكتاب (كفر صراح ولا يصح السكوت عليه) وطالبت بمصادرة هذا الفكر الملحد والعمل على ايقاف هذا النشاط الفكرى الهدام..))
هذا ما قاله السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية.. وبغض النظر عن صحة خبر هذه الفتوى، فان الأزهر ليس حكما على دعوتنا، ذلك بأن دعوتنا غريبة، كل الغرابة عليه. ونحن لن نتوقع الا أن يكون رأي الأزهر في دعوتنا صورة، كبرت أو صغرت، لمهزلة محكمة الردة!! أليس الأزهر هو المدرسة التي يتخرج فيها الأشياخ من أضراب رجال الأمانة العامة للشئون الدينية؟ وتاريخ الأزهر إنما هو، كله، سير خلف الحكام، حتى الأجنبي منهم، "وتفصيل" للفتاوى على قدر أهوائهم.. واليكم طرفا من هذا التاريخ الحافل بالمخازي:
* أصدر علماء الدين المصريون بيانا لتهدئة الثورة المصرية ضد الفرنسيين، ابان الغزو الفرنسي لمصر، يقول: "نصيحة من كافة علماء الإسلام بمصر المحروسة .. نعوذ بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، ونبرأ من الساعين في الأرض بالفساد ..)) ويستطرد البيان فيقول: " فعليكم الاّ تحركوا الفتنة، ولا تطيعوا المفسدين، ولا تسمعوا كلام الذين لا يقرأون العواقب، لأجل أن تحفظوا أوطانكم، وتطمئنوا على عيالكم، وأديانكم، فان الله سبحانه وتعالى، يؤتي ملكه لمن يشاء، ويحكم بما يريد، ونصيحتنا لكم، ألا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة.."!!
هذا هو موقف علماء الدين بمصر من الغزو الفرنسي! موقف التثبيط لثورة الشعب المصري ضد الاستعمار، وذلك بهذه "النصيحة": "ونصيحتنا لكم الا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" .. كلمة حق أريد بها باطل.. وهذه "النصيحة" هي التي كان "ينصح" بها علماء الدين في السودان الجمهوريين كلما اتصلوا بهم ليذكروهم بواجبهم الديني في مناهضة الاستعمار الانجليزي، ولم يكن موقف علماء الدين في السودان من الاستعمار الا من قبيل موقف أضرابهم من علماء الدين بمصر .. التزلف إلى الأنجليز والتزيى "بكساوى الشرف" التي كانوا ينعمون بها عليهم، والافتاء وفق الأغراض الاستعمارية.. ألم يفت مفتي الديار السودانية بتحليل الافطار في رمضان للجنود السودانيين المحاربين مع الانجليز، آنذاك، على أساس أنهم مجاهدون في سبيل الله ؟!! هذا، وليس بعيدا عن الأذهان، تشبيه أحد الوعاظ لقادة انقلاب 17 نوفمبر ببعض الصحابة والأنبياء؟!!
* وابان الاحتلال الانجليزي لمصر عام 1914 استعان الانجليز بعلماء الدين لتهدئة حركة المقاومة الشعبية.. وقد جاء في كتاب (حوليات مصر السياسية) – تأليف أحمد شفيق باشا رئيس الديوان الخديوي السابق – ما يلي:
((رسالة هيئة كبار العلماء في الحرب .. ولم يكتف القوم باعلان الأحكام العرفية، ولا باصدار القائد العام للجيوش البريطانية، المنشور الذي أعترف فيه بما للخيلفة من الاعتبار في نفوس مسلمي القطرالمصري، بل لجأوا، من باب زيادة الحيطة، إلى الاستعانة بهيئة كبار العلماء بالديار المصرية، فاستصدروا منها في 16/11/1914 رسالة إلى الأمة، تدعوها فيه إلى السكون، والتفادي عن الفتن، واطاعة الحكومة، وكان على رأس كبار العلماء صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر ((الشيخ سليم البشري شيخ الجامع الأزهر إذ ذاك والشيخ بكري عاشور مفتي الديار المصرية)) ولم يترك أصحاب الفضيلة، العلماء، آية من آيات الذكر الحكيم، أو حديثا من الأحاديث النبوية، تحض على عدم المخاطرة، وعدم إلقاء الأنفس إلى التهلكة، أو اتقاء الفتنة، أو البعد عن تدخل المرء فيما لا يعنيه، الا أتوا به في هذه الرسالة))!!
* جاء في مجلة الأزهر بمناسبة عيد ميلاد فاروق (سنة 1939) ما يلي: ((عيد ميلاد جلالة الملك المعظم فاروق الأول.. حضرة صاحب الفضيلة الإمام يحتفل به في الأزهر..
احتفلت الأمة المصرية عن بكرة أبيها يوم 11 فبراير الراهن بعيد ميلاد صاحب الجلالة الملك فاروق الأول احتفالا يستوقف النظر من اشراق الوجوه وافترار الثغور، وقد قام رجال الأزهر بواجبهم من الاحتفال بهذا العيد الكريم تحت رئاسة حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الامام الشيخ محمد مصطفي المراغي واحتشد فيه بعد صلاة العشاء اعلام العلماء والطلاب وكبار موظفي المعاهد. وما وافت الساعة الثامنة حتى نهض صاحب الفضيلة الأستاذ الامام فألقى خطبة جمعت فأوعت من مناقب حضرة صاحب الجلالة الفاروق..)) !!
* وجاء في مجلة الأزهر يوليو 1962:
((دعا الامام الأكبر شيخ الجامع الأزهر اساتذة الكليات وشيوخ المعاهد ومدرسيها وطلابها إلى مؤتمر عام يناقشون فيه مشروع الميثاق الوطنى من الوجهة الأزهرية، فلبى دعوته عشرات الألوف من جنود الرسالة المحمدية وورثتها في القاهرة والمحافظات تحت رئاسته في قاعة الامام محمد عبده بالأزهر..)) وخرج المؤتمر بتوصيات منها:
((بعد دراسته "الميثاق الوطني" ومناقشته قرر المجتمعون أن هذا الميثاق الوطني في مبادئه يتفق ومبادئ الدعوة الإسلامية، وانه ينشد مجتمعا إنسانيا قامت الدعوة الإسلامية في مكة على أساسه وجاءت مرحلة المدينة لتنظيم حياة هذا المجتمع)) !!
* وجاء في مجلة الأزهر، الجزء الأول – السنة الرابعة والثلاثون – المحرم سنة 1382 هـ، يونية 1962م ما يلي:
((عام جديد على أزهر جديد.. بقلم أحمد حسن الزيات:
.. ان ميثاقك الذي عاهدت الله الوفاء به، وعاهدك الشعب على اللقاء عليه، حروف من كلمات الله، لم يؤلفها أحد قبلك في أي عهد، لا في القديم، والحديث، لا في الشرق والغرب، ولم يبق شيء في نفوس المعذبين في الأرض والمستضعفين من الناس الا وجدوه فيه..))!!
* جاء في مجلة الأزهر يناير 1963 – الجزء السادس السنة الرابعة والثلاثون – تحت عنوان "عصرنا الذهبي الرابع" ما يلي:
((.. وسينتشر ضوء ميثاقك المحكم الهادي في كل نفس، وفي كل أرض، انتشار كلمة الله لأنه الحق الذي وضعه الله في شرعه والمنهج الذي سنه لجميع خلقه..)) !!
هذا هو تاريخ الأزهر!! سير في ركاب السلطة، وافتاء بما تريد، وتملق رخيص لها.. ولقد أخرج الأزهر بيانا عن الأخوان المسلمين جاء فيه:
((.. ولكن أعداء الإسلام حين عز عليهم الوقوف أمامه حاولوا حرب الإسلام باسم الإسلام، فاصطنعوا الأغرار من دهماء المسلمين، ونفخوا في صغار الأحلام بمغرور القول ومعسول الأمل. وألفوا لهم مسرحيات يخرجها الكفر لتمثيل الايمان وأمدوهم بأمكانيات الفتك وأدوات التدمير..))
((.. وإذا كان القائمون على أمر هذه المنظمات قد استطاعوا أن يشوهوا تعاليم الإسلام في افهام حفنة من الناشئة واستطاعوا أن يحملوهم بالمغريات على تغيير حقائق الإسلام تغييرا ينقلها إلى الضد منه والى النقيض من تعاليمه فان الأزهر لا يسعه الا أن يصوب ضلالهم ويردهم إلى الحق من مبادئ القرآن الكريم والسنة المشرفة..))
((.. واني لأعجب أشد العجب ممن يدعي الإسلام والغيرة عليه كيف يسوغ له أن يوالي أعداء الإسلام وأن يأخذ منهم مقومات الفتك بالمسلمين ويستعين بمالهم على أخوة له في الدين والوطن والإنسانية.. الا ساء ما يدعون وبئس ما يفترون..))
هذا هو رأى الأزهر في (( الأخوان المسلمين)) .. وهو رأي ما كان ليخرجه فيهم لولا أنه كان يمالئ به السلطة، فالأخوان المسلمون "والأزهر" إنما ينبعثون، جميعا، من اديم واحد هو التفكير الديني السلفي المتخلف.
وقد قال الدكتور منصور خالد في كتابه (حوار مع الصفوة) – صفحة 80، 81 – ما يلي:
((ان الإسلام ليس بملك لفرد أو جماعة.. فلا يكفي أن تأتي الدولة أو الصدفة التاريخية أو الميراث برجل توليه مكان الصدارة في أمور الدين فيظن بعض الناس، ويظن هو بظنهم، أنه قد أضحى كبيرا للمجتهدين، وواليا على المؤمنين وظلا على أرضه لله المكين..
وقد ظننت أن الأخوان المسلمين، وهم الذين يقولون بالعمل على ابراز الإسلام في صورته الصقيلة التي تناسب العصر، ظننت أنهم لن يروا في تأييد هذا النفر من شيوخ الدين التقليديين مكسبا ولن يروا في مؤازرتهم ربحا.. ظننت هذا وهم الذين يذكرون أن علم الشيخ المراغي غفر الله له – لم يمنعه من أن يكون مفتيا لأخطاء الملعون فاروق. وان اباحة الإفطار للمسلمين في تونس لم تجد لها من سند الا عند الشيخ ابن عاشور مفتي الديار التونسية.. وان الافتاء بكفر الأخوان المسلمين – يوم أن حاربتهم الدولة – إنما قال به الشيخ عبد الرحمن تاج شيخ الأزهر الشريف..))
وقال الدكتور منصور خالد في كتابه (صفحة 194):
((أتابع ما يدور.. وأسمع ما يتردد فلا أراه يختلف كثيرا في جوهره، عن ما شهدته مصر العشرينات.. أتابع وأسمع فأرى نماذج لشيوخ مصر وهم يدينون رجلا ذا عقل وارف وخيال مدرار مثل الشيخ علي عبد الرازق ويتهمونه بالزندقة والفسق. وأرى نماذج للشيخ التفتنازي.. ذلك الشيخ الذي يجب أن يوضع أمثاله في حوانيت العاديات كنموذج للتحجر الفكري.. أرى نماذج التفتنازي – أو الزفتنازي كما وصفه شاعر الشعب الصداح بيرم التونسي – أراه وهو يقف في المنابر ليدين المرحوم عمر لطفي المحامي داعية التعاونيات وأحد منارات الطريق في تاريخ التطور الاجتماعي في مصر .. يدينه بالالحاد والشيوعية لدعوته التعاونية تلك..))
هذا ما قاله الدكتور منصور خالد في كتابه (حوار مع الصفوة)..
والآن فما رأي السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية فيما رويناه ههنا من تاريخ الأزهر؟ وما رأيه في بيان الأزهر حول "الأخوان المسلمين"؟
قد يكون السيد أحمد البيلي "أخا مسلما"، أو قد لا يكون.. ولكنه، بالتأكيد، إنما ينطلق من نفس منطلق "الأخوان المسلمين" الفكري.. ويلتقي معهم، كل الالتقاء، في معارضة دعوتنا.. ألم يكن البيلي من دعاة "الدستور الإسلامي المزيف" الذي يدعو به "الأخوان المسلمون"؟ فليع السيد أحمد البيلي، وأشياخ الأمانة العامة للشئون الدينية كل أولئك، أما استناد السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية إلى رأى الأزهر في دعوتنا، فهو استناد إلى سبب واه لا يلقى إحتراما من ذي بصيرة.. وقد عرفنا تاريخ الأزهر في اصدار الفتاوى!! فالأزهر لا يمثل الا القلعة الكبرى للتفكير الديني السلفي المتجمد الذي عزل الدين عن الحياة الجديدة، وهو لا يقوم الا على نمط من التعليم الديني المتخلف، ولا يخرج إلا ضحايا لهذا النمط من التعليم، معزولين عن تيار الحياة الجديدة، يعانون، أشد المعاناة، من مركب النقص بإزاء هذه الحياة الجديدة.. والدعوة الإسلامية الجديدة إنما تقوم، ان شاء الله، على أنقاض هذا التفكير الديني المتخلف.. تبعث الإسلام وتحيي السنة، وتعيد الدنيا إلى حظيرة الدين..
ويمضي السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية ليقول في تقريره العجيب: ((وقد طالبه بعض العلماء بعقد مناظرة معلنة تقام بدار اتحاد طلاب جامعة الخرطوم على أن يحضر ويدافع عن آرائه فرفض الاشتراك في المناظرة متعللا بأنه فوق مستوى من سيناظره))
هذا ما قاله السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية.. أما "بعض العلماء" الذي قال عنه أنه طالب الأستاذ محمود محمد طه بعقد "المناظرة" فهو عطية محمد سعيد (أحد زعماء الأخوان المسلمين وجبهة الميثاق السابقة) .. وأحد شهود مهزلة محكمة الردة أيضا!! وحقيقة الأمر يحكيها ما نشر بصحيفة الرأي العام يومى 14/11/67، 26/1/1968.. ونترك القاريء مع ما نشر، يومئذ، ليحيط بالأمر من جميع أطرافه:
((الرأي العام 14/11/1967م "مناظرات" حول دعوة مناظرة "للأستاذ محمود محمد طه"))
أطلعت على دعوة السيد عطية محمد سعيد، للأستاذ محمود محمد طه، لمناظرته، تحت الشروط التي عددها- والاحظ أن الدعوة جاءت قلقة، ومضطربة، بسبب عقدة تقصير عانى منها السيد عطية، نتيجة مواقف وقفها بمدينة القضارف، أذكر منها:
1- ان السيد عطية كان موجودا بالقضارف، حين وصول الأستاذ محمود اليها، وقد طلب اليه نفر من المواطنين مواجهة الأستاذ محمود في محاضرته، بالنادى الأهلى، مساء ذلك اليوم السبت 25 نوفمبر، ولكنه اعتذر بسبب سفره لدوكة، أو عصار، على ما أذكر.
2- حينما عاد السيد عطية للقضارف، وجدها واقفة على قدم وساق مع الأستاذ محمود، حيث يتحدث لمواطنيها في محاضرته الخامسة، مساء ذلك اليوم، الأربعاء 29 نوفمبر، بدار المعلمين عن "أسس دستور السودان".. فبدل أن يحضر السيد عطية، لمواجهة الأستاذ محمود، بدار المعلمين، ذهب ليقيم محاضرة في نفس الوقت عن "محمود محمد طه في ميزان الإسلام" قوبلت بالاستهجان والاستخفاف لعدم الجدية في المواجهة.
3- في هذا الظرف أرسلت أنا – كاتب هذه السطور – وليس الأستاذ ذا النون جبارة – خطابا للسيد عطية، عن طريق جبهة الميثاق، اقترحت فيه قيام مناظرة نواجه فيها بعضنا تحت عنوان: "عطية محمد سعيد ومحمود محمد طه، يتناظران عن ماهية الإسلام". كما أقترحت النادى الأهلى مكانا للمناظرة، لامتيازه بحسن الموقع، وتوفر الاضاءة. وتركت للسيد عطية، وأخوانه، حق الاعتراض عليه، ومع ذلك، اعتذر السيد عطية أيضا بسبب السفر.. وقد أعلنت بنفسى صورة خطابى، واعتذاره، على المواطنين المجتمعين مع الأستاذ محمود بدار المعلمين..
وكأثر لرد فعل الظروف التي أوجزتها بعاليه، وما نشأ عنها من تعليقات بالقضارف، جاءت دعوة السيد عطية، المشروطة، لمناظرة الأستاذ محمود محمد طه، والتي أعلنت بجريدة الرأي العام.. ويلاحظ القاريء، من غير عناء في تدقيق النظر، اضطراب الدعوة، وعدم جديتها، لأن الداعى ترك أمر دعوته عائما، فهو لم يحدد تاريخ الدعوة، ولا مكانها، ولا موضوعها، وكان من واجبه أن يفعل ذلك، ثم يترك للمدعو حق الموافقة أو الرفض. ان وضع الأمر بهذه الصورة، التي نشره بها السيد عطية، ليس أكثر من تمثيلية ضعيفة الحبكة، قصد بها إدراك ما فاته بالقضارف.. وهيهات!
ثم من حق السيد عطية علينا أن يعرف أن اقتراحنا لمناظرته بالقضارف، لم نقصد من ورائه، البتة، منازلته في ميدان الفكر الديني، لأننا نعرف سلفا المستوى الثقافي لأفكاره، وإنما قصدنا، بحق، تعرية وكشف التضليل الذي يمارسونه بأسم الدين.. وقد تحكمت أيضا في الموقف ظروف القضارف، التي هي غير ظروف الخرطوم..
هذه بالاضافة إلى أننا نعلم، يقينا، أن السيد عطية عاجز، بطبيعة تفكيره، عن مناظرة أفكار الأستاذ محمود، وغير جاد فيما يدعى، والا فليقل لنا لماذا لم يتعرض هو، أو حزبه، لمؤلفات الأستاذ محمود بالنقد والنقاش، وهي كما تعلم كثيرة وقد وزعت منها عشرات الألوف في أنحاء البلاد المختلفة؟ ثم هي تنشر، وتبشر بأفكار دينية تختلف مع السيد عطية وحزبه، اختلافا أساسيا، فماذا فعلوا في معارضتها؟؟
وأخيرا أسوق مثالا حيا على عدم الجدية وسذاجة الفكر في دعوة السيد عطية، وهو اشتراطه، لقيام المناظرة، قيام لجنة تحكيم تكون قراراتها ملزمة للطرفين، مع ان البداهة في عرف قضايا الفكر ترفض هذا الرأى لسذاجته، ثم فيه دليل على أن فكر السيد عطية هين عليه، وهو على استعداد للتخلى عنه بقرار لجنة تحكيم! فهل رأى الناس هوانا للدين والفكر كهذا الهوان؟ تصوروا لو ان كفار مكة طلبوا إلى النبي مناظرتهم على مثل شروط السيد عطية.. أيقبلها؟! وعليه، فانى، نيابة عن الحزب الجمهوري، أرفض مناظرة الأستاذ محمود محمد طه للسيد عطية محمد سعيد..
سعيد شايب - الحزب الجمهوري))
ونشرت "الرأي العام" – 26 يناير 1968 – هذه الكلمة للأستاذ محمود محمد طه: "حول مناظرات الأستاذ عطية محمد سعيد..
تحية
1- بالاشارة لدعوتك أياى لمناظرة، المنشورة بصحيفة الرأي العام يوم الأربعاء 6/12/67 ورد الأستاذ سعيد الطيب شايب عليها نيابة عن الحزب الجمهوري..
2- كل ما قاله الأستاذ سعيد هو رأى الحزب الجمهوري، كان ولا يزال.
3- ولكن الحزب أطلع على دعوتك الثانية، المنشورة بجريدة الرأي العام الغراء عدد 17/1/68، وبخاصة، قولك ((خامسا.. لقد اتصلت ببعض المسئولين بهذه الجامعات فرحبوا بالفكرة ووعدوا بتقديم التسهيلات اللازمة للمناظرة وأنا في انتظار موافقكتم لتحديد التاريخ المناسب)) فرأى أن ينزل عن رأيه هو في أمر هذه المناظرة عند رأيك انت فيها – استجابة لرغبتك انت وأرضاء لخواطر أناس قد يكون الحاحك قد علق خواطرهم بقيامها، ابتغاء أن يظهر الله الحق، على لسانى، أو على لسانك، فينتفع به منتفع، ويهتدى به مهتد، أو يزيد هداية..
4- على هذا فأمض في سبيل الاعداد وارتبط بأى زمن يناسبك فانى لأرجو الله أن يمكننى من الالتزام به.. وان احتجت لأي مساعدة في الاعداد فان الحزب يمكنه أن يعين من أعضائه من يقوم بتقديم تلك المساعدة..
5- ليس للحزب أى شرط يشترطه غير أن تكون المناظرة مفتوحة للعامة، بغية توسيع الفائدة.. والله المسئول أن يظهر الحق ويزهق الباطل – "ان الباطل كان زهوقا".. هذا مع تحياتى واطيب أمنياتى..
يمكن الاتصال بتلفون 77089 – ذو النون جبارة الطيب – ص. ب 752 الخرطوم))
هذا ما كان من أمر الدعوة إلى "المناظرة" الذي يزعمه السيد أحمد البيلي، كما يزعمه عطية محمد سعيد (زعيم جبهة الميثاق السابقة)!! ولقد رفض الجمهوريون، أخيرا، قيام المناظرة بعد أن تبين لهم أن عطية محمد سعيد، بما تنم عنه شخصيته، وبما يمثله من فكر، ليس في مستوى النظير الذي يناظر الأستاذ محمود محمد طه.. كما اوضحوا استحالة قيام حوار فكرى في جو كالجو الذي أختاره عطية محمد سعيد حيث يتم حشد (الأخوان المسلمين) لاحداث التهريج واثارة الشغب. ولقد عرض الجمهوريون، بديلا لذلك، أسلوب المحاضرات، حيث يمكن أن يجرى فيه النقاش بين الطرفين على أساس ما يقدم المحاضر في محاضرته.. وقدم الأستاذ محمود محمد طه عشرات المحاضرات، فلم يظهر فيها أحد من هؤلاء (الفقهاء)!! والتهرب من مواجهة الأستاذ محمود محمد طه، في الحوار العلمى، كان دأب (الفقهاء) من زمن طويل.. وقد دعوا، مرات عديدة، إلى الحوار، دعوات عامة، ودعوات خاصة، فلم يلبوا الدعوة، ولم يعتذروا عنها.. وإنما ذهبوا ليشيعوا الشبهات حولنا، ويثيروا الفتنة في غيبتنا، بل أنهم عمدوا، دائما، إلى الحيلولة دون أن نعطى الفرصة في الدفاع عن أنفسنا في المنابر التي يحتكرونها للهجوم علينا.. واليكم مثلا لهؤلاء الفقهاء في التهرب من المواجهة الفكرية، والانصراف إلى الخوض في الأعراض:
في يناير 1960 فصل المعهد العلمى، بامدرمان، ثلاثة من الطلاب، لانضمامهم إلى الدعوة الإسلامية الجديدة التي وجدوا فيها من الصدق والجد، ما لم يجدوه في (فقهاء) ذلك المعهد، ولا فيما يتلقونه عنهم.. وقد بدت لهم مفارقة هؤلاء (الفقهاء) الواضحة للدين. وعلى إثر ذلك قام الشيخ محمد المبارك عبد الله، شيخ المعهد العلمى، بامدرمان، آنذاك، بالهجوم الجائر على الأستاذ محمود محمد طه بين جدران فصول الدراسة، وعلى أعمدة الصحف.. فرد الأستاذ محمود عليه بما يكشف خطل موقفه وباطل دعواه..
وقد نشرت صحيفة (الأخبار)، بتاريخ 31 يناير 1960، هذه الكلمة للأستاذ محمود:
((مع الحوادث والناس – الأخبار 31 يناير 1960 - محمود محمد طه يتحدث عن بيان مشيخة المعهد.. وفصل الطلاب الثلاثة وقصة رفع التكاليف كاملة:
1- في نكبة المعهد المؤسفة، جرجر شيخ العلماء اسمي بين جدران فصول الدراسة، وشهر بى في الصحف، في بلاغاته، وبيانه الرسمي، وأساء إلى سمعتى عند الرأي العام جميعه، بصورة مؤلمة، وانا أعرف ما لى من حق عليه عند القضاء، ولكن لست بصدده الآن، وإنما أنا الان بصدد ما لى عليه من حق أدبي يجعل من واجب محررى الصحف أن يعطوا هذا البيان نفس الاهتمام الذي أعطوه لبيان الشيخ.. ولقد كان الطلبة يسألون عن رأيهم فى، ويطالبون بأصدار حكم على، أنا بالذات، ويراد منهم ان يقولوا عنى أمرا لا يرونه فى.. فإذا قالوا إن محمود محمد طه غائب الآن، ولا موجب للتحدث عنه، ويمكنك، أيها الشيخ الجليل، أن تسأله في أى وقت شئت، وبأى وسيلة شئت، أصر الشيخ على الاجابة المحددة التي يريد.. فإذا ذهب الطلبة ليشرحوا رأيهم في طريقة الاستجواب، لم يمهلوا، وإنما أعجلوا اعجالا، واستفزوا استفزازا، واستخرجت منهم، في حالة الاستفزاز، والاثارة، عبارات بنى عليها الشيخ قراره المؤسف..
2- ان هؤلاء الطلبة الثلاثة، منهم اثنان يحملان الشهادة الأهلية، وينتميان إلى قسم الشريعة، في القسم العالى، وهو آخر مراحل المعهد العلمى، والشهادة الأهلية، في ذاتها، درجة علمية لا تحمل الجمهرة الغالبة من خريجى المعهد العلمى أكثر منها، ومع ذلك يقول الشيخ عنهما، وعن زميلهما، الذي هو ثالث فرقته: ((ان لهم خرافة سخيفة تتنافي مع ما علم من الدين بالضرورة)). ويقول في بيانه عن محيسى، وهو حامل الشهادة الأهلية، وهي، كما قلنا، مرتبة علمية يعترف بها المعهد ولا تحمل الجمهرة الغالبة من خريجيه أكثر منها – يقول عنه في بيانه: ((بل قد قال محيسى في بلاهة مضحكة أن محمود محمد طه لو صلى ما أتبعته))، ويقول عنهم في بيانه أيضا ((من نوع هؤلاء المغفلين الضالين الذين يجرون وراء الأوهام والأباطيل المفضوحة)))
3- والآن فان هناك أحد أمرين: اما ان الأفكار التي يحملها الطلبة الثلاثة ((من الأوهام والأباطيل المفضوحة))، فيكون طلبة المعهد العلمى، حتى بعد أن ينالوا درجته العلمية الأهلية، غير قادرين على الاعتصام عن ((الأوهام والأباطيل المفضوحة))، واما ان تكون هذه الأفكار أفكارا صحيحة، قوية، لها أصالة في الدين فاتت على شيخ العلماء، وشيخ العلماء يعلم أن هذه الأفكار قد قرأها هؤلاء الطلاب، فيما يقرأون من مادة خارج المعهد، وهو يعلم مصدرها حق المعرفة.. فما هو واجبه؟ أليس من واجبه نحو طلابه، ونحو دينه، ان يناقش هذه الأفكار، ويفضحها، ويظهر وهمها، وباطلها، او يعرف صحتها وسدادها، فيدخلها في المعهد عن بينة، أو يحاربها عن بينة، بدعوى أن للمعهد رسالة محددة، وأن حرية الفكر مكانها المعاهد المدنية لا الدينية؟.
4- والآن إلى الرأي العام جميعه أسوق هذا الحديث التالى:
لقد حملت أنا هذه الأفكار، التي من أجلها رفت شيخ المعهد الطلاب الثلاثة، إلى الدكتور كامل الباقر، مراقب مصلحة الشئون الدينية، وأخذت من وقته نحو الساعة، أناقشه فيها، بعد أن تركتها عنده في اليوم السابق ليقرأها قبل النقاش. وانتهينا من النقاش، وقد أقتنع الدكتور الباقر بأننا لو أجتمعنا أنا وشيخ العلماء في مجلس لعرف عن هذه الأفكار الكثير مما ينكره الآن..
فقد كنت اخبرت الدكتور الباقر بأن شيخ العلماء لم يعط نفسه الفرصة ليفهم ما نقول طيلة الثلاث سنين الأخيرة، وطلبت منه ان يعمل على ان نجتمع بالشيخ لهذا الغرض، فأخبرنى أنه سيعقد هذا الاجتماع اما في المعهد العلمى، واما في مكاتب مصلحة الشئون. وشعرت انه يميل لن يكون الاجتماع بالمعهد، اعتبارا لمكانة الشيخ فقبلت..
5- كان هذا الحديث بينى وبين الدكتور الباقر صباح يوم الثلاثاء الماضى، وفي حوالي الساعة الواحدة والنصف من نفس اليوم، اتصل الدكتور مشكورا وقال ان فضيلة الشيخ قد قبل ان يكون الاجتماع غدا (الأربعاء)، الساعة الرابعة بعد الظهر، بمنزله، فحاولت ان احتج على المكان، ولكن الدكتور لم ير في ذلك بأسا، وطلب منى الموافقة، فوافقت. وخرجت من مكتبى على ذلك، ولكن الشيخ عاد واتصل بالدكتور، بعد نصف ساعة، ليقول: ((أعفونى من هذا الاجتماع))، ولم يتمكن الدكتور الباقر من الاتصال بى الا صبيحة الأربعاء ليبلغنى آخر التطورات..
6- والآن فانى أرى انه من حقى، وقد خاض الشيخ فيما خاض فيه من أمري، ومن حق الطلبة المفصولين، والباقين، ومن حق الرأى العام السوداني، ومن حق الإسلام، على شيخ العلماء، أن يناقشنى في هذه الأفكار نقاشا علنيا، في مناظرة، يحضرها كل من يحب، حتى ينجلى الحق لذي عينين. وأنى اعتقد أن من واجب الصحافة ان تعلن طلبى هذا، وان تسانده، وان تسعى لتحقيقه.. وعلى الله قصد السبيل.. محمود محمد طه))
هذا، ولم يستجب شيخ العلماء لدعوة المناظرة، كما لم يحضر للمناقشة في أية محاضرة من المحاضرات التي قدمها الأستاذ محمود محمد طه، ودعا إليها (الفقهاء) خاصة وأفراد الشعب عامة..
ومن هذه المحاضرات محاضرة بعنوان (لحل مشاكلنا الحاضرة يجب تطوير الشريعة الإسلامية) التي كانت الدعوة إليها عامة، كما وزعت بطاقات دعوة خاصة إليها على زعماء الهيئات والأحزاب الإسلامية وعلماء الشريعة.. وقد أقيمت بدار الجمهوريين بالموردة بتاريخ 16/4/1965. وأقام الجمهوريون (مهرجان الصلاة) الذي بدات ليلته الأولى بدارهم في يوم 28/11/1965، ونشرت الدعوة اليه صحيفة السودان الجديد في نفس ذلك اليوم.. وكانت الدعوة لأفراد الشعب عامة، ولعلماء الشريعة الإسلامية خاصة. ثم قدم الأستاذ محمود محمد طه ندوة بعنوان (الرسالة الثانية من الإسلام) بدار الجمهورينن بالموردة بتاريخ 3/11/1966، وقد دعى إليها رجال الدين ببطاقات دعوة خاصة، أرفقوا معها “رسالة الصلاة”.. كل هذه المحاضرات والندوات، وغيرها، يعلن عنها، على أوسع نطاق، ويدعى إليها (الفقهاء) دعوات خاصة ودعوات عامة، فلا يلبون، ثم يذهبون، بعد تهربهم من المواجهة الفكرية، ليثيروا الشبهات حول دعوتنا، في غيبتنا!!
ان صنيع هؤلاء (الفقهاء) إنما هو مثل الخصومة الفاجرة ليس له نظير..