((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الميزان بين
محمود محمد طه
والأمانة العامة للشئون الدينية والأوقاف

استعداء السلطة

استعداء السلطة:


وجاء تحت عنوانه ((سادسا – موقف الجهات الرسمية بعد مايو 1969)) ما يلي:
((سادسا – موقف الجهات الرسمية بعد مايو 1969:- حتى الآن لم تتخذ الجهات الرسمية من دعوة محمود موقفا محددا لوقف نشاطه بكل ضروبه وقد حان الوقت لكي تقف الدولة منه موقفا محددا وحاسما حماية للإسلام دين الأغلبية لسكان هذا القطر وأن في ترك محمود يزاول نشاطه وهو مرتد خارج عن دين الإسلام، حسب ذلك الحكم الشرعى القائم، فيه اثارة لمشاعر المسلمين على اختلاف طوائفهم وطرقهم، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى ازعاج السلام العام في كل مكان يقف فيه محمود أو أحد أتباعه للتحدث باسم الإسلام..
وفي رأيي أن أنصار محمود الحقيقيين قلة لا يعبأ بها ولكن كثيرا من الشيوعيين انضموا إلى دعوته وبخاصة بعد حركة يوليو 1971 فانهم يلتقون معه في القول بشيوعية الأموال وفي تحطيم أركان الإسلام ركنا بعد ركن، فكل ما بينهما من فرق هو أن الشيوعية تلغي الدين من اعتبارها من أول وهلة – ولكن محمودا يخالفهم في أنه يزعم أن تجويد تقليد المعصوم في الصوم والصلاة والزكاة والحج ينتهي به إلى أن يتجاوزها جميعها إلى مرتبة تكون له شريعته الفردية المطلقة في كل أولئك، والشيوعيون تحت ستار الدعوة الإسلامية للجمهوريين يستطيعون أن يصلوا إلى بعض ما يريدون "زعزعة العقيدة الإسلامية" ثم اقتلاعها من نفوس كثير من الشباب هم في مأمن من أن تنالهم غضبة الشعب أو نصوص الدستور ما داموا سائرين وراء رسول الرسالة الثانية..))
هذا ما قاله السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية.. وهو، كما ترون، استعداء واضح للسلطة على “الدعوة الإسلامية الجديدة”.. والا فماذا تعني عباراته ((وقد حان الوقت لكي تقف الدولة منه موقفا محددا وحاسما حماية للإسلام دين الأغلبية لسكان هذا القطر))؟ إنما هو استعداء رخيص!! فما معنى أن يوصي في (توصيته) بأن تقوم حملة مكثفة، (منهم)، ضد الجمهوريين، وأن يفسح فيها المجال للجمهوريين للمناقشة، وأن "يدعى" الأستاذ محمود محمد طه إلى ((مناظرة علنية تذاع وتتلفز))!.. ما معنى هذا، وهو يطلب من الدولة أن تقف من الدعوة الإسلامية الجديدة ((موقفا محددا وحاسما حماية للإسلام دين الأغلبية لسكان هذا القطر)) – على حد تعبيره؟؟
كيف يبدو، حينا، وكأنه يطلب مقارعة الحجة بالحجة، ثم يذهب ليستعدي السلطة علينا ويطالبها بوقف نشاطنا؟.. ثم اتجه السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية اتجاها آخر في استعداء السلطة علينا، وذلك حين قال: ((وأن في ترك محمود يزاول نشاطه وهو مرتد خارج عن دين الإسلام، حسب ذلك الحكم الشرعي القائم، فيه اثارة لمشاعر المسلمين على اختلاف طوائفهم وطرقهم، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى ازعاج السلام العام في كل مكان يقف فيه محمود أو أحد أتباعه للتحدث باسم الإسلام))... هذا قول أحمد البيلي. فهو، اذن، يريد أن يثير حساسية السلطات تجاه حالة الأمن.. وذلك أيضا استعداء رخيص للسلطة علينا، لا يجوز على أحد، ولقد دلت التجارب انه إذا خلى السلفيون بيننا وبين هذا الشعب، فانه يتقبل منا ما نقول باهتمام، ويقبل عليه باعجاب. وكل الذي حدث، مؤخرا، هو أن السلفيين قد أخذوا يثيرون الشغب ويثيرون العواطف، مما أثار حساسية المسئولين تجاه حالة الأمن، فاستغل السلفيون هذه الحساسية في مزيد من اثارة العواطف واثارة الشغب!! وكان أحجى ان لو قصر السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية تقريره على ((تقويم وتقييم)) آرائنا – على حد تعبيره – بدلا من الحديث عن ازعاج ((السلام العام))، فان ذلك من واجب المختصين بالأمن..
والحديث عن الأمن يسوقنا إلى أن نقرر، بتأكيد شديد، أن الجمهور إنما يقابل حديث الجمهوريين، حينما خاطبوه، بتفهم واعجاب كبيرين.. ولا يحول بيننا وبين جمهورنا أى شيء، فنحن على صلة وثيقة وحميمة به.. كل ما هنالك هو ما يذيعه رجال الأمانة العامة للشئون الدينية من شبهات حول دعوتنا، وما يشنونه من هجوم جائر علينا، مسخرين في ذلك امكانيات الدولة، مستغلين مناصب الدولة.. غير أن هذا الغبار لم يستطع أن يحجب جمهورنا عن الرؤية الواضحة. ومثل لذلك ما حدث (بدار الفنانين)، بكوستي يوم 2/11/1973، حيث كان الأخ سعيد الطيب شايب يقدم محاضرة بعنوان (الإسلام وتحديات العصر)... فبعد مضي حوالي ثلث الساعة من المحاضرة، والجمهور منشد بكلياته إلى الحديث القوي الرفيع، أخذت حفنة قليلة، من الذين جاز عليهم تضليل رجال الشئون الدينية، تثير الشغب، وتهدد بالقتل، فتدخل رجال الأمن وخاطبوا هذه الحفنة بالتزام الهدوء، فلم تستجب، ففضت المحاضرة، وعلى اثر ذلك رفع الأخوان الجمهوريون قضية جنائية، أمام محكمة جنايات كوستي، ضد الحفنة المشاغبة... فجرمتها المحكمة، ولم تأخذ بادعاءات الدفاع، الذي حاول أن يوحي بأن دعوة الجمهوريين مثيرة لمشاعر الجمهور. ولقد جاء في حيثيات الحكم ما يلي:
((..ان النص على معاقبة من يهين الدين، موجود في قانون عقوبات السودان .. والمادة 16 (هـ) من الدستور، كما ذكرت عبارة عن مؤشرات للمشرع .. توضح له علامات الطريق، حتى لو سلمنا جدلا، بمنطق ممثل الدفاع، هل قام الشاكي بأي فعل، يعتبر اهانة للعقيدة الإسلامية!! انني، وبعد أن استمعت إلى أقوال الشاكي، واستمعت إلى تسجيل المحاضرة، التي ألقاها،لا يسعني الا أن أقول: أن الشاكي داعية، من دعاة الإسلام، بل وقد ذكر في حديثه، أنه ينتمي الي جماعة، تدعو الي بعث الإسلام من جديد .. ليقوم بدوره في المجتمع. لم أجد في حديث الشاكي، كلمة واحدة، يمكن أن تعتبر ماسة للعقيدة الإسلامية، وللنبي الكريم .. وكل ما هناك أن الشاكي، ورفاقه يدعون إلى الإسلام، بفهم جديد، ومختلف عن بعض ما ألفه الناس، ولهم آراء، تخالف الآراء التي يعتنقها البعض .. ان اختلاف المذاهب، والآراء، ما هو الا اثراء للحركة الفكرية، والإسلامية بوجه خاص، وقد شهد الإسلام، اختلاف المذاهب من عهد بعيد .. وبعد كل ما تقدم أقول: بأن الدفع الأول، الذي أثاره السيد، ممثل الدفاع، لا يجد ما يسنده من القانون، والواقع)) وقال السيد القاضي (مرتضى محيي الدين)، قاضي المحكمة، في ختام تلك الحيثيات: ((بقيت كلمة أخيرة، تود المحكمة أن توجهها للجميع ، والمحكمة، وهي تدين المتهمين الخمسة، تشجب في ذات الوقت، السلوك المتطرف، والغير لائق، الذي أتوه، وهو سلوك يتنافي مع الآداب العامة، وينم عن تسلط، وإرهاب فكري غير مقبول. وأن الدعوى بأن المتهمين، صدر منهم، ما صدر غيرة على دينهم .. لا يبرر سلوكهم هذا، فالقانون في هذه البلاد لا يزال سيدا .. والسلطات المختصة، وحدها هي المناط بها حماية الأمن، والاستقرار، ولا تسمح المحكمة بان يأخذ الناس القانون بأيديهم .. حتى تعم البلاد حالة من الفوضي، والاضطراب .. وإذا كان رأي المتهمين، ان ما صدر من المحاضر، أو خلافه يمس عقيدتهم الدينية .. فليس أمامهم، الا للجوء الي السلطات المختصة، وتبليغها الأمر. وتود المحكمة في ذات الوقت ان تشيد بالروح العالية، والخلق الكريم، الذي اتصف به المحاضر .. فلولا سعة صدره، ودرجة انضباطه العالية لمشاعره، لحدث ما لا يحمد عقباه في تلك الليلة)).. هذا ما جاء في حيثيات الحكم الذي صدر ضد المشاغبين الذين جاز عليهم تضليل المضللين من الفقهاء والوعاظ.. وعندما أعطى السيد القاضي الفرصة للمتهمين لالتماس أسباب تخفيف الحكم عليهم، نهض الأخ سعيد الطيب شايب، فأعلن، نيابة عن الجمهوريين، تنازله عن القضية، راجيا المحكمة أن تسعهم بالعفو الشامل، وذلك بهذه الكلمات:
((بسم الله الرحمن الرحيم ... وبعد..
أرجو أن أعرف محكمتكم الموقرة بأنه ليس من أسلوب الجمهوريين اللجوء إلى المحاكم لأخذ حقوقهم، ولم نفعل ذلك الا مضطرين، وبعد أن أعيتنا كل الحيل لاقناع هؤلاء الأخوان المتهمين بأننا أصحاب حق في التعبير عن رأينا وأن حريتهم في معارضتنا تنتهي حيث تبدأ حريتنا..
والآن، وبعد أن تأكد لهم أنهم مذنبون، وانهم بسبيل التماس تخفيف الحكم عليهم، فاني أعلن تنازلي عن هذه القضية، وأرجو من محكمتكم الموقرة أن تسعهم بالعفو الشامل))..
هذا مثل للشغب الذي يحركه (الفقهاء) والوعاظ في المساجد.. ومثل لرأي القضاء في الجمهوريين، وفي دعوة الجمهوريين.. كما هو مثل لوعي الجمهور، ولعدم استجابته لتحريض (الفقهاء)، فمن هو الفريق الذي يتسبب، فعلا، في ((ازعاج السلام العام))؟!!
ان اتجاه السلطات، إلى وقف محاضرات الجمهوريين، بحجة الحفاظ على حالة الأمن، إنما هو عمل ضد حرية الفكر، وضد الملتزمين بالنظام والقانون، ولمصلحة أعداء الفكر، وأعداء النظام والقانون.. ولقد أنى أن يصحح هذا الوضع دون ابطاء، فان له أسوأ الأثر على الحركة الفكرية في بلادنا..
ويشتط السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية في استعداء السلطة علينا حتى يقول:
((وفي رأيى أن أنصار محمود الحقيقيين قلة لا يعبأ بها ولكن كثيرا من الشيوعيين انضموا إلى دعوته وبخاصة بعد حركة يوليو 1971..)) هذا ما قاله السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية..
ونحن نترك للقارئ الحكم على مستوى هذه الخصومة الذي انحدر إليها السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية.. والتي تبيح له أن يزور في الكلام!! ما دليل السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية على أن "كثيرا من الشيوعيين" انضموا إلى (الدعوة الإسلامية الجديدة) وخصوصا بعد حركة يوليو 1971؟ أم أنه ظن أنه يمكن أن يثير، بقوله هذا، حساسية المسئولين؟ ان هذه الفرية لا تجوز على من له أدنى مستوى من الفهم.. ولذلك فنحن ننصرف عنها إلى النقطة الأخيرة في تقريره العجيب.. وذلك ما جاء تحت عنوانه:
((تاسعا – ما ينبغى اتخاذه نحو دعوته)) وهو:
((1- ان تقوم حملة مكثفة مركزة على أباطيله في جميع المدن الكبرى وأن يفسح المجال لأتباعه لكي يناقشوا ما يسمعون حتى ينفضوا عنه وهم على يقين من أنهم كانوا ضحية الجهل بحقائق الإسلام.
2- أن يتولى هذه المحاضرات علماء متمرسون على الجدل والمناظرة وأن يكونوا من الملمين بالفقه وأصول الفقه والحديث ومصطلح الحديث واللغة والتفسير والتصوف.. الخ...
3- بعد أن تلقى المحاضرات الكافية في كل المدن التي يظهر له فيها أتباع نحو مدن: مدني، كوستي، بورتسودان، عطبرة، الأبيض، العاصمة المثلثة وهلم جرا..
يدعى إلى مناظرة علنية تذاع وتتلفز على أن تخصص كل ليلة لموضوع واحد مثلا:
1- المناظرة الأولى حول الصلاة
2- المناظرة الثانية حول الزكاة
3- المناظرة الثالثة حول الصوم
4- المناظرة الرابعة حول الحج
5- المناظرة الخامسة حول المرأة
6- المناظرة السادسة حول المؤمنون والمسلمون
7- المناظرة السابعة حول ادعائه الرسالة الثانية وهلم جرا..
على أن يحضرها عدد ضخم من رجال الفكر في الجامعات الثلاث وفي غيرها وأن يدير المناظرة أحد أساتذة الجامعات، وأن يحكمها أساتذة الشريعة في جامعة الخرطوم، والجامعة الإسلامية، وجامعة القاهرة الفرع..))
هذا ما جاء في توصيات السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية.. أما التوصية الأولى فقد جاء فيها ((أن تقوم حملة مكثفة مركزة على أباطيله في جميع المدن الكبرى..)) فهي توصية تريد أن تخول للشئون الدينية إستغلال امكانيات الدولة، والمنصب الرسمي في الدولة، لمحاربة فكر ينبغي أن تكفل له حقوق الحرية، وهو يزعم انه هو الناطق عن المصحف اليوم!
أما التوصية بالمناظرة فعجيبة!! كيف يحكم المناظرة أساتذة الشريعة وهم خصم فيها، بحكم تفكيرهم السلفي؟!! وهل تحسم قضايا الفكر بلجنة تحكيم..؟ ان هذه التوصية لتتحدث عن مستوى الموصي بها أبلغ حديث!
وما جاء بشأن (المناظرة) في التقرير هو ((بعد أن تلقى المحاضرات الكافية في كل المدن التي يظهر له فيها أتباع نحو مدن مدني، وكوستي وبورتسودان وعطبرة والأبيض والعاصمة المثلثة وهلم جرا.. يدعى إلى مناظرة علنية تذاع وتتلفز...)) أولا: عبارة: ((يدعى إلى مناظرة علنية تذاع وتتلفز..)) تريد أن تقول إن على الأستاذ محمود محمد طه أن يمتثل لأمر بالمناظرة... وذلك ما نرفضه أشد الرفض..
ثانيا – المناظرة تقتضي ان يكون المناظر نظيرا لمن يناظره... والسيد أحمد البيلي ليس نظيرا للأستاذ محمود محمد طه.. لا، ولا أضراب السيد أحمد البيلي من "الفقهاء"!!.. وقد رأينا مستوى السيد أحمد البيلي من تقريره هذا، كما رأينا مستوى أضرابه من الفقهاء مثل الأمين داؤود وحسين محمد زكي، وذلك مما كتبوا وأذاعوا عن (الدعوة الإسلامية الجديدة)، باسم الدفاع عن العقيدة!
لقد سعينا كثيرا، إلى دعوة هؤلاء الفقهاء إلى الحوار حول دعوتنا، فلم يكن منهم الا الانصراف عن الحوار، الذي يليق بالعلماء، إلى تشويه آرائنا.. بل إلى التأليب علينا وإثارة الشغب ضدنا!! فلما تبين لنا أن هذا نصيبهم من العلم أغفلنا ما يكتبون، وما يذيعون عن دعوتنا، تاركين للشعب أن يقول كلمته فيهم..
ثالثا – نحن مستعدون إلى أن نخاطب الشعب بدعوتنا من خلال الصحف والاذاعة والتلفزيون، وللفقهاء أن يدلوا برأيهم فيها.. من خلال تلك الأجهزة.. حتى تتاح، أمامنا وأمامهم، كل فرص الحكم، لنا أو علينا..
فنحن لا نبتغي الا إجلاء وجه الحق.. ثم لا نبتغي الا أن تتاح كل الفرص لاجلاء وجه الحق..