((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الميزان بين
محمود محمد طه
والأمانة العامة للشئون الدينية والأوقاف

أمة المسلمين وأمة المؤمنين

أمة المسلمين وأمة المؤمنين:


والآن نتناول ما جاء في تقرير السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية، بالأمانة العامة للشئون الدينية والأوقاف، تحت عنوانه ((تقسيمه الأمة المحمدية إلى أمتين)). ونحن، اذ نقدمه على الموضوعات الأخرى، إنما نبتغى أن يكون مدخلا على فهمها. ونلاحظ أن السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية في طول تقريره، قد عمد إلى أن ينقل النصوص من كتبنا نقلا مخلا بالمعنى، كما عمد إلى التخريج الذي لا تعطيه نصوص كتبنا.. ولذلك فقد اتجهنا إلى أن نرد القاريء إلى هذه النصوص كلما وجدنا إلى ذلك سبيلا.
قال السيد مدير الدراسات الدينية تحت عنوانه ((تقسيمه الأمة المحمدية إلى أمتين)):
((ومما دار حوله كثيرا وصار سمة من سمات مذهبه أن سلف هذه الأمة المحمدية مؤمنون وليسوا بمسلمين وأن الأمة الإسلامية سوف تأتى عما قريب. أنظر في ذلك مثلا رسالة الصلاة صفحة 24))..
هذا ما قاله السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية ، وحقيقة ما جاء في رسالة الصلاة (الصفحات 67-68-69- الطبعة السادسة، الصفحات 23-24-25- الطبعة الأولى) هو ما يلى:- "إن الحديث هنا يقتضي فهم القرآن فهما جديدا وللاعانة على هذا الفهم لابد من تقرير أمور أربعة:- ((أولها أن الإسلام بداية ونهاية، وهو في البداية أقل من مرتبة الإيمان، ومقتضاه قولك: لا إله إلا الله محمد رسول الله: وعملك بالجوارح فيما أمرت بالعمل فيه من عبادات، ومن معاملات، وآية الإسلام الذي هو بداية من كتاب الله: (( قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا!! ولكن قولوا أسلمنا، ولما يدخل الإيمان في قلوبكم)).
والإسلام الذي هو نهاية، أعلى من مرتبة الإيمان، ومعناه الاستسلام والانقياد الواعي الراضي بالإرادة الإلهية، وآيته من كتاب الله: (( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن، واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا؟)) وروح هذه الآية في عبارة (( وهو محسن)) لأن العناصر كلها مسلمة وجهها لله، ولكنها غير واعية، والمسلم هو الذي يكون في تمام استسلامه لله كالعناصر الصماء في عدم اعتراضه على الله، ثم هو واع وراض ومختار لهذا الاستسلام، ومن ههنا قيل أن العبودية أن تكون بين يدي الله كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف شاء، من غير اعتراض منه، ولقد أسلفنا الإشارة إلى ذلك.
وثانيها أن مجتمع البعث الأول اسمه الخاص به (( المؤمنون))، عندما يوضع بازاء المجتمع اليهودي أو المجتمع النصراني، والقرآن مليء بذلك. (( إن الذين آمنوا، والذين هادوا، والنصارى، والصابئين، من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون)) وأنه لم يأخذ اسم المسلمين إلا من المعنى العام.. من الإسلام الذي هو بداية.. ولقد ندب مجتمع المؤمنين ليكونوا مسلمين فلم يطيقوا، وذلك حيث قال تعالى (( يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون))، فنزل إلى مستوى ما يطيقون، وجاء الخطاب (( فاتقوا الله ما استطعتم، واسمعوا، وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)).
وثالثها أن المجتمع المسلم حقا لم يدخل في الوجود بعد، وسيجيء في مستقبل الأيام القريبة إن شاء الله، حيث تقوم المدنية الجديدة التي تحدثنا عنها هنا، وفيها يبلغ ساير الأفراد الإسلام، وهي مرتبة لم تتحقق في المجتمعات الماضيات إلا للأنبياء، وحتى هؤلاء قصر عنها بعضهم كما يحدثنا القرآن: (( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور، يحكم بها النبيون الذي أسلموا، للذين هادوا، والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله، وكانوا عليه شهداء))
((...أننا سنفهم القرآن فهما أحسن من ذي قبل إذا عرفنا أنه عندما يخاطب المؤمنين إنما يخاطب مرحلة معينة من مراحل سير الأمة الحاضرة نحو الأمة الإسلامية المستقبلة، وهو حين يقول: (( يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)) إنما يطلب أن يرتقي أفراد المجتمع المؤمن، من مرحلة الإيمان، إلى مرحلة الإسلام، وهو بذلك يدعو إلى التطور المستمر في مراقي الكمال والتجدد، ولا يقر الناس على الثبات في مرتبة واحدة.)) ..
هذا ما جاء في كتاب (رسالة الصلاة)، ومن هنا يتضح أن عبارته:
((ومما دار حوله كثيرا وصار سمة من سمات مذهبه أن سلف هذه الأمة مؤمنون وليسوا بمسلمين ..)) عبارة تحتاج إلى ضبط، ذلك بأن النبي كان، بين سلف هذه الأمة المؤمنة، المسلم الوحيد.. كان مسلما، في حين لم يكن أصحابه الا مؤمنين، ولا يطلق عليهم الإسلام الا في المعنى العام الأولى. وفي حقهم فان الاسم الدقيق إنما هو المؤمنون، وفي حقه فان الاسم الدقيق إنما هو المسلمون، ولم يكن، يومئذ، مسام غيره... ((قل ان صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي، لله رب العالمين* لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين))
ولبيان الفرق بين الايمان، والإسلام الأخير، نورد ما جاء في صفحة 85 من كتاب (تطوير شريعة الأحوال الشخصية) – الطبعة الأولى – فيما يلي:
((ولقد بينا أن الإسلام قد جاء في مرحلتين لأمتين.. مرحلة (( الإيمان)) لأمة المؤمنين.. وهذه تقع في ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان.. ولقد حواها حديث جبريل المشهور.. ومرحلة (( الإيقان)) لأمة المسلمين، وهي أمة لم تجئ إلى اليوم، وإنما هي مقبلة.. وقد عناها النبي الكريم بحديث الإخوان المشهور.. فإنه قد قال: واشوقاه لإخواني الذين لما يأتوا بعد!! قالوا: أولسنا إخوانك، يا رسول الله؟! قال: بل أنتم أصحابي!! واشوقاه لإخواني الذين لما يأتوا بعد!! قالوا: أولسنا إخوانك، يا رسول الله؟!! قال: بل أنتم أصحابي!! واشوقاه لإخواني الذين لما يأتوا بعد!! قالوا: من إخوانك، يا رسول الله؟ قال: قوم يجيئون في آخر الزمان، للعامل منهم أجر سبعين منكم!! قالوا: منا أم منهم؟؟ قال: بل منكم!! قالوا: لماذا؟؟ قال: لأنكم تجدون على الخير أعوانا، ولا يجدون على الخير أعوانا!! وهذا الحديث الشريف مأخوذ من القرآن الكريم.. من قوله تعالى: (( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم، يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب، والحكمة، وإن كانوا، من قبل، لفي ضلال مبين  وآخرين منهم، لما يلحقوا بهم.. وهو العزيز الحكيم  ذلك فضل الله، يؤتيه من يشاء.. والله ذو الفضل العظيم)).. أشار إلى الإخوان الذين لما يأتوا بعد، بقوله، (( وآخرين منهم، لما يلحقوا بهم)).. وجاء بقوله: (( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.. والله ذو الفضل العظيم)).. في مقام الرد على التساؤل (( لماذا؟؟)) الذي ورد الرد عليه في الحديث بقوله: (( لأنكم تجدون على الخير أعوانا، ولا يجدون على الخير أعواناً))..
أمة المسلمين التي لما تأت بعد يكون دينها ذا سبع مراتب: ثلاث مراتب (( الإيمان)).. وثلاث مراتب (( الإيقان)).. ثم تتوج هذه ست المراتب بمرتبة الإسلام.. وهذا هو الإسلام الذي عناه الله، تبارك، وتعالى، حين قال: (( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه.. وهو في الآخرة من الخاسرين)).. ومراتب الإيقان، التي لم ترد في حديث جبريل، حواها القرآن.. وهي فوق مراتب الإيمان.. هي مراتب (( علم)) مراتب علم اليقين، وعلم عين اليقين، وعلم حق اليقين.. وهذه هي مستوى آيات الأصول..))
هذا ما جاء في كتاب (تطوير شريعة الأحوال الشخصية) في التفريق بين أمة المؤمنين وأمة المسلمين... أما قول السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية: ((وبمعنى آخر حين يكون الايمان الحق فهناك الإسلام وحين يكون الإسلام الحق فهناك الايمان..)) فقد زاده شرحا قوله: ((ومن الأدلة على أن المؤمنين مسلمون ومؤمنون في ذات الوقت..)) فهو يرى أن كل مؤمن مسلم الإسلام الأخير.. ذلك من غير أن يواجه ما جاء في صفحة 16 من كتاب (الرسالة الثانية) من أن "الأمة الأولى مؤمنة، وليست مسلمة بهذا المعنى النهائى للإسلام"، حيث جاء:-
((ومرحلة العلم هي مرحلة الأمة المسلمة.. وهي أمة الرسالة الثانية.. وهذه الأمة لم تجئ بعد، وإنما جاء طلائعها، فرادى، على مدى تاريخ المجتمع البشري الطويل. وأولئك هم الأنبياء، وفي مقدمتهم سيدهم، وخاتمهم، النبي، الأمي، محمد بن عبد الله، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.. وهو قد بشر بمجئ هذه الأمة المسلمة، كما جاء برسالتها، مجملة في القرآن، مفصلة في السنة، وقد أسلفنا الإشارة إلى معنى السنة.. وحين تجئ هذه الأمة المسلمة فإنها لا تبدأ إلا بما بدأت به الأمة المؤمنة، وهي مرحلة العقيدة، ولكنها لا تقف في الدرجة الثالثة من درجات السلم التي وقف جبريل في أسئلته عندها، وإنما تتعداها في التطور إلى ختام الدرجات، فتكون بذلك صاحبة عقيدة، وصاحبة علم، في آن معا، فهي مؤمنة، ومسلمة، في حين أن الأمة الأولى مؤمنة، وليست مسلمة، بهذا المعنى النهائي للإسلام..))
هذا ما جاء في صفحة 16 من كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)... كما جاء في صفحة 108 من نفس الكتاب، في هذا المعنى، ما يلي:
((الرسالة الأولى هي التي وقع في حقها التبيين بالتشريع وهي رسالة المؤمنين.. والمؤمنون غير المسلمين، وليس الاختلاف بين المؤمن والمسلم اختلاف نوع، وإنما هو اختلاف مقدار، فما كل مؤمن مسلم، ولكن كل مسلم مؤمن))..
هذا والفرق بين الأيمان والإسلام الأخير تعطيه أيضا قصة سيدنا إبراهيم فيما يحكيه القرآن:-
(((( وإذ قال إبراهيم: ربى أرني كيف تحيي الموتى!! قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي...)) فهو مؤمن ولكنه يريد طمأنينة القلب.. يريد الايقان.. وقد أعطيه: ((وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض، وليكون من الموقنين)).. فأسلم: ((اذ قال له ربه: أسلم، قال: أسلمت لرب العالمين))..
فمقالة السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية بأن ((المؤمنين مسلمون)) الإسلام الذي ((هو الانقياد التام لله تعالي ظاهرا وباطنا)) – على حد تعبيره- إنما ((تصادم النصوص الصريحة في القرآن))!!
وخلاصة الأمر أن الإنسان يدخل في الإسلام، أول أمره، قبل أن يؤمن بالله، لأنه لا يعرف عنه ما يكفي، ولكنه يؤمن بصدق النبي، فيصدقه، ويطيعه، وهذه مرتبة القول باللسان، والعمل بالجوارح، فإذا أحسن الاقتداء في ذلك بالنبي يدخل في قلبه معنى هو الايمان، فيصير مؤمنا بالله.. وتلك مرتبة تصديق بالقلب، واقرار باللسان، وعمل بالجوارح.. ثم يزيد الايمان فيصبح علم يقين، ثم يزيد فيصبح علم حق يقين، وعندها تطمئن النفس إلى الله، وتسلم له قيادها، وتعيش وفق تدبيره، وتسير خلف ارادته، وهي راضية، قريرة العين، لأنها علمت وجودها في الله. وهذا الانقياد القرير العين هو الإسلام الذي قال تعالى عنه: ((ان الدين عند الله الإسلام)).. أين هذا من قول السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية:-
((ومن المجمع عليه أن الايمان هو إسلام القلب وأن الإسلام هو إسلام الجوارح، وبمعنى آخر حين يكون الايمان الحق فهناك الإسلام. وحين يكون الإسلام الحق فهناك الايمان. ولما كان الإسلام وهو تطبيق الأحكام الشرعية الإسلامية مظهرا قد يكون مظهريا فقط دون أن يصحبه أيمان القلب فقد وصف به المشركون من الأعراب الذين خلعوا على أنفسهم صفة الايمان وهم ليسوا كذلك.. الآية: ((قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا، ولما يدخل الايمان في قلوبكم))..
أما قول السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية: ((ومن الأدلة على أن المؤمنين مسلمون ومؤمنون في ذات الوقت قوله تعالى عن حواري عيسى ((نحن أنصار الله، آمنا بالله، وأشهد بأنا مسلمون)) فهو قول أغفل فيه السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية ما جاء في صفحة 140 من كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)، مما يدل على أنه لم يواجه كثيرا من نصوص كتبنا، فقد جاء هناك ما يلي:-
((وقال تعالى في ذلك (( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي، قالوا آمنا! واشهد بأننا مسلمون.)) فإسلامهم هنا مطابق للإيمان، وهو ما وقع به الإذن بالوحي. فإن الله إنما أوحى إليهم أن يؤمنوا.. فلما آمنوا وقالوا (( آمنا)) وقع لهم أن هذا الإيمان إسلام وكذلك قالوا (( واشهد بأننا مسلمون)) والعارف يسمع إجابة القدس إياهم في فحوى: (( قل لم تسلموا ولكن قولوا آمنا)). لم يسلموا الإسلام الأخير.. أعني درجة البداية منه.. وإنما أسلموا الإسلام الأول.))
وقال السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية (... وقوله تعالى عن هذه الأمة المحمدية: ((ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين)) النحل 89، فلو أن المسلمين حقا لم يظهروا بعد، وإنما تتهيأ الأرض في أيامنا هذه لمجيئهم بظهور الأستاذ محمود وتلاميذه كما يظنون فان القرآن المنزل على نبينا عليه الصلاة والسلام لم يكن لهم فيه هدى ورحمة ولا بشرى، وإنما أدخر الله ذلك لأمة المسلمين التي سوف تأتى بعد أربعة عشر قرنا من نزول القرآن ويبدأ ظهور هذه الأمة المسلمة في السودان.)) هذا ما قاله السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية، فما رأيه فيما جاء في الآية 102 من نفس سورة النحل ((قل نزله روح القدس من ربك بالحق، ليثبت الذين آمنوا، وهدى، وبشرى للمسلمين)).. أليس هناك أى فرق بين ((الذين آمنوا))، و((المسلمين)) في هذه الآية؟ ان مقالة السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية بأن ((المؤمنين مسلمون)) الإسلام الذي هو ((الانقياد التام لله تعالى ظاهرا وباطنا)) – على حد تعبيره- إنما ((تصادم النصوص الصريحة في القرآن)).. فهو يتهمنا بما هو متورط فيه، كما رأينا..
وهناك من الآيات ما ورد فيها الهدى والبشرى للمؤمنين أيضا، مثل: ((قل: من كان عدوا لجبريل، فانه نزله على قلبك باذن الله، مصدقا لما بين يديه، وهدى وبشرى للمؤمنين)).. فان المؤمنين مهديون ومرحومون ومبشرون في مستواهم من الايمان، وأن المسلمين مهديون ومرحومون ومبشرون في مستواهم من الإسلام.. أما قول السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية: ((والإسلام الكامل هو الانقياد التام لله تعالى ظاهرا وباطنا وهو الذي يحبه كل محمدى لنفسه)).. فهو قول يقتضيه أن يفرق بين أمة المؤمنين وأمة المسلمين، ذلك بأن ((الإسلام الكامل)) هو الإسلام الأخير، ولقد كان النبي مسلما ذلك الإسلام، حينما كانت أمته مؤمنة... وستكون الأمة المقبلة مسلمة ذلك الإسلام.. كما سلف القول بذلك. فالمؤمنون في الأمة المؤمنة ليسوا مسلمين الإسلام الذي هو ((الانقياد التام لله تعالى ظاهرا وباطنا...)).. نرجو ان يعيد السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية النظر فيما ذهب اليه من أن ((المؤمنين مسلمون))!
أما قوله عن ((الإسلام الكامل)) : (وهو الذي سأله إبراهيم عليه السلام له ولعقبه "ربنا وأجعلنا مسلمين لك، ومن ذريتنا أمة مسلمة لك".) فقول يحتاج إلى ضبط، فقد جاء في صفحة 14 من كتاب "الرسالة الثانية من الإسلام" ما يلي: ("ربنا وأجعلنا مسلمين لك" يعنى الإسلام الأخير، وقد كانا مسلمين من ذلك الطراز. وأما قوله "ومن ذريتنا أمة مسلمة لك" فانه يعنى، في المدى القريب، أمة مسلمة على مستوى الإسلام الأول، ثم يتداعى بها الترقى، والتطور حتى تبلغ، في المدى البعيد، مراقى الإسلام الأخير.) هذا ما جاء في كتاب "الرسالة الثانية من الإسلام" وهو على قد كبير من الدقة أغفله السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية ليذهب إلى ما ذهب اليه من تعميم مخل..
هذا ما كان من أمر التفريق بين "أمة المؤمنين" و"أمة المسلمين": فأمة المؤمنين هي امة الرسالة الأولى التي إنما نعيش اليوم في أخريات أيامها، وأمة المسلمين هي أمة الرسالة الثانية التي نستقبلها في مقبل أيامنا.. والنبي إنما هو من المسلمين.. هو "أول المسلمين".. وأمة المسلمين المقبلة هم أخوانه، وامة المؤمنين الماضية هم أصحابه.. وقد أشتاق إلى أخوانه، وهو بين أصحابه – كما سلف القول.. لذلك فان مقالة السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية بأن "المؤمنين مسلمون ومؤمنون في ذات الوقت" إنما تجافي روح القرآن ونصه أشد المجافاة..
ونعيد هنا للسيد مدير مصلحة الدراسات الدينية ما أدعى انه أطلع عليه من كتاب "الرسالة الثانية من الإسلام" – صفحة 14 – لعله أن يحدث على ضوئه، مراجعة لرأيه حول "المؤمنين" و"المسلمين".
((الإسلام فكر يرتقي السالك فيه درجات سلم سباعي، أولها الإسلام، وثانيها الإيمان، وثالثها الإحسان، ورابعها علم اليقين، وخامسها علم عين اليقين، وسادسها علم حق اليقين، وسابعها الإسلام من جديد.. ولكنه في هذه الدرجة يختلف عنه في الدرجة الأولية، اختلاف مقدار، فهو في الدرجة الأولية انقياد الظاهر فقط، وهو في الدرجة النهائية انقياد الظاهر والباطن معا.. وهو في الدرجة الأولية قول باللسان، وعمل بالجوارح، ولكنه في الدرجة النهائية انقياد، واستسلام، ورضا بالله في السر والعلانية.. وهو في الدرجة الأولية دون الإيمان، ولكنه في الدرجة النهائية أكبر من الإيمان.. وهذا ما لا يقوى العلماء الذين نعرفهم على تمييزه..))
هذا ما جاء في كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام) ... وهو يدل على أن السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية بالأمانة العامة للشئون الدينية، قد أغفل نصوص كتبنا، فلم يواجهها، ثم راح يطلق الأحكام على دعوتنا.. بغرض مبيت، وفي خصومة جائرة...