((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الميزان بين
محمود محمد طه
والأمانة العامة للشئون الدينية والأوقاف

الصلاة

الصلاة:


قال السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية في تقريره:
((يجمع علماء المذاهب الإسلامية الثمانية المالكية / الحنفية / الشافعية / الحنابلة / الشيعة / الزيدية / الأباضية / الظاهرية / ومن قبلهم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين يجمعون على أن الصلاة ذات التكبير والتسليم والتي فرضها الله على المسلم خمس مرات في اليوم، اتفقوا على أنها واجبة على كل مكلف ولا تسقط بحال من الأحوال ودليلهم نصوص القرآن ونصوص السنة وفعل الخلفاء الراشدين واجماع علماء الإسلام في كل العصور. فمن النصوص القرآنية قوله تعالى: ((واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون)) النور 56. والخطاب في هذه الآية وأمثالها لجميع أتباع محمد (ص) وفي كل العصور. ومن نصوص السنة مداومته صلى الله عليه وسلم على الصلوات الخمس من يوم فرضت وحتى لحق بالرفيق الأعلى وكذلك داوم عليها خلفاؤه الراشدون والمهديون وغيرهم من أهل القرون الثلاثة الأولى المشهود لهم بالخيرية وأهل القرون التي تلتهم إلى يومنا هذا. ومن النصوص النبوية قوله صلى الله عليه وسلم ((صلوا كما رأيتمونى أصلي)) وفي جميع النصوص الواردة في القرآن والسنة لا يوجد نص واحد يدل على أن هناك صلاة خاصة ببعض الأفراد وتسمى صلاة الأصالة كما يزعم محمود محمد طه بغير برهان من الكتاب والسنة))..
هذا ما قاله مدير مصلحة الدراسات الدينية .. أما قوله (.. يجمعون على أن الصلاة ذات التكبير والتسليم والتي فرضها الله على المسلم خمس مرات في اليوم، أتفقوا على أنها واجبة على كل مكلف ولا تسقط بحال من الأحوال، ودليلهم نصوص القرآن ونصوص السنة وفعل الخلفاء الراشدين واجماع علماء الإسلام في كل العصور) فهو قول في غير محله، ذلك بأننا لم نقل أن "الصلاة ذات التكبير والتسليم" غير واجبة، حتى يضطر لأن يقول: ((اتفقوا على أنها واجبة على كل مكلف)... كما أننا لم نقل أن الصلاة تسقط حتى يضطر لأن يورد الدلائل من ((نصوص القرآن ونصوص السنة وفعل الخلفاء الراشدين واجماع علماء المسلمين)) على وجوب الصلاة ((على كل مكلف)) – ان كنا قد قلنا ذلك فليأتنا بشهيد من كتبنا.. ان ما قلناه هو أن صلاة التقليد تفضي بالمقلد، المجود للتقليد، إلى صلاة الاصالة، فهو لا تسقط عنه الصلاة، وإنما يسقط عنه التقليد. اننا، نحن الأخوان الجمهوريين، الدعاة الحقيقيون للصلاة، ونحن نعرف لها من القدر ما لا يعرفه لها أحد من الناس، سوانا، اليوم. فقد جاء في مقدمة الطبعة الرابعة لكتاب (رسالة الصلاة) – صفحة 8 الطبعة السادسة – ما يلي:
((وليس في عمل الإنسان ما هو أهم، ولا أكمل، ولا ما هو أعود بالخير، والنفع، عليه، ولا على الإنسانية، من الصلاة..
والله تبارك وتعالى يقول: (( من كان يريد العزة فلله العزة جميعا، إليه يصعد الكلم الطيب ، والعمل الصالح يرفعه..)) فالكلم الطيب هو التوحيد.. هو (( لا إله إلا الله )).. والعمل الصالح، على رأسه الصلاة، والأعمال الصالحة الأخرى تتبع.. وهي إنما يكون صلاحها بصلاح الصلاة ..
والصلاة فريضة ليس في الدين ما هو أوكد منها.. فإذا كانت الشهادتان في الدين أول الكلام، فان الصلاة فيه أول العمل .. وهي علم، وعمل بمقتضى العلم، وهذا، في حد ذاته، يجعلها شديدة الأثر في توحيد البنية البشرية.. وحكمة مشروعيتها ترجع إلى هذا النفع الجليل.. والصلاة، من ثم، ليست عمل الشيوخ، أو عمل السذج، والبسطاء، غير المثقفين، كما يخيل للشباب، في وقتنا الحاضر، وإنما هي عمل الأذكياء، والمثقفين، في المكان الأول..))
هذا ما جاء في مقدمة الطبعة الرابعة لكتاب (رسالة الصلاة)، وكتاب (رسالة الصلاة) من الكتب التي ذكر السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية أنه أطلع عليها قبل كتابة تقريره. وهذا الكتاب إنما هو، كله، دعوة إلى الصلاة، وكله تبشير بفضائلها، وهو قد قدر الصلاة حق قدرها، وبوأها مكان أهم الأعمال وأكملها، وأعودها بالخير والنفع على الإنسان، وعلى الإنسانية... فهل يجوز لمن أطلع على هذا الكتاب أن يذكرنا بأن الصلاة ((واجبة على كل مكلف))؟!!
اليك طرفا مما جاء في هذا الكتاب عن قيمة الصلاة، وعن غاية الصلاة.. جاء في صفحة 61 من الكتاب (صفحة 15 الطبعة الأولى) :-
((فإذا كان القرآن وسيلة الفرد وهو بلا ريب كذلك، فقد أصبح جميع التشريع وسيلته كذلك، ومن باب أولى.. وأعظم تشريع طوع لإنجاب الفرد الحر حرية فردية مطلقة تشريع الصلاة))
وجاء في صفحة 63 من الكتاب (صفحة 18 الطبعة الأولى)،
((فإذا أحسن العبد التوسل بوسيلة الصلاة أعانته على الدخول في مقام الرضا بالله، فإذا أحسن السلوك في مراقيه بالمزيد من إتقان الصلاة دخل في درجات العبودية. ولمقام العبودية بداية، وهو مقام النفس الراضية، وليست له نهاية لأنه في ذلك كالربوبية لا يتناهى. والعبودية هي التكليف الأصلي، والعبادة هي التكليف الفرعي، وبعبارة أدق.. العبادة هي الوسيلة، والعبودية هي غاية العبادة..)) وجاء في صفحة 67 من الكتاب (ص 23 من الطبعة الأولى) :
((ان العبودية هي الحرية.. لأنها حرية من الخوف. ووسيلة العبودية العبادة، وفي قمة العبادة الصلاة.))..
هذا طرف مما جاء في كتاب (رسالة الصلاة) عن قيمة الصلاة، وغاية الصلاة.. وهو ما أغفله السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية اغفالا تاما، ليقول ((..وفي جميع النصوص الواردة في القرآن والسنة لا يوجد نص واحد يدل على أن هناك صلاة خاصة ببعض الأفراد تسمى صلاة الأصالة كما يزعم محمود محمد طه بغير برهان من الكتاب والسنة)).. والسيد مدير مصلحة الدراسات الدينية ليس بدعا فيما ذهب اليه، فقد ذهب المدعى الأول أمام محكمة الردة – أو بالأحرى مهزلة محكمة الردة - نفس المذهب، ولقد ورد في كتاب ((بيننا وبين محكمة الردة)) رد الأستاذ محمود محمد طه على المدعى الأول في تلك المحكمة.. ولست أدرى كيف يكون السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية قد اطلع على هذا الكتاب، قبل كتابة تقريره، ثم يورد نفس الادعاء في التقرير!!
جاء في كتاب (بيننا وبين محكمة الردة) – صفحة 8 الطبعة الثانية ما يلي:
((وقال المدعي الأول أمام المحكمة في حقنا: ((وفات عليه كذلك أن الإسلام لا يعترف الا بصلاة واحدة هي التي تلقاها المسلمون عن رسول الله صلي الله عليه وسلم)) والمدعي يجزم بهذا القول ولا يتعرض، بأدنى اعتبار، للحديث المدعم بالآيات الكريمات الوارد في صفحة 15 من كتابنا، رسالة الصلاة، تحت عنوان ((الصلاة وسيلة)) حيث جاء .. ((والصلاة التي هي وسيلة، الصلاة الشرعية المألوفة في الحركات المعروفة، والأوقات، وهي وسيلة الي المقام الذي يكون فيه الفرد في صلة تامة، وجمعية شاملة بربه، والقرآن في هذا الباب لا يحوجنا الي طويل تفكير، فهو حاسم وقاطع .. فاسمعه يقول ((وأقم الصلاة، ان الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون)) واسمعه يقول أيضا ((وأقم الصلاة لذكري)) وذكر الله في هذه الآية، وفي سابقتها، الحضور مع الله بلا غفلة، ووسيلته الصلاة) هذا ما ورد في كتاب رسالة الصلاة .. والآن فما رأي المدعي، وما رأي المحكمة، إذا قيل لهما أن ذكر الله الوارد في هذه الآية، وفي سابقتها هو الصلاة التي (يعترف) بها الإسلام اعترافا بوأها مكان الغاية من صلاته الشرعية .. وهي الصلاة التي عبر عنها النبي بقوله "الصلاة صلة بين العبد وربه" في حين أنه عبر عن الصلاة الشرعية بقوله: "الصلاة معراج العبد الي ربه"؟؟
هذا ما جاء في كتاب (بيننا وبين محكمة الردة)، وهو يواجه المدعى الأول في تلك المحكمة، كما يواجه السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية، من بعده، بهذا السؤال:
((.... والآن فما رأي المدعي، وما رأي المحكمة، إذا قيل لهما أن ذكر الله الوارد في هذه الآية، وفي سابقتها هو الصلاة التي (يعترف) بها الإسلام اعترافا بوأها مكان الغاية من صلاته الشرعية .. وهي الصلاة التي عبر عنها النبي بقوله: "الصلاة صلة بين العبد وربه" في حين أنه عبر عن الصلاة الشرعية بقوله: "الصلاة معراج العبد الي ربه"؟؟
والسيد مدير مصلحة الدراسات الدينية، بدلا من أن يواجه هذا السؤال، ذهب ليذكرنا بأن ((الصلاة ذات التكبير والتسليم والتي فرضها الله على المسلم خمس مرات في اليوم)) .. (( واجبة على كل مكلف))!! ان ما يعرض له السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية لأمر غريب عليه، كل الغرابة.. ولكنه إنما هو آصل أصول الدين... وسنده من القرآن والسنة جد عتيد.. غير أن السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية، لم يواجهه بما ينبغى له من الورع، واصطناع الاناة، والاستقصاء الأمين... وإنما ذهب ليحكم على مكنون العلم بانكار لا مسوغ له.. والمعصوم يقول: ((ان من العلم كهيئة المكنون، لا يعلمه الا أهل العلم بالله... فإذا تحدثوا به لا ينكره الا أهل الغرة بالله!!))
ويذهب السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية مذهبا آخر فيقول: (ومن عجيب أمره أنه يسجل الحق تارة على نفسه ولا يتبعه، فقد تعرض للآية: "وحافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وقوموا لله قانتين" البقرة (238) فقد قال هنا: يعنى حافظوا على الصلوات الخمس المكتوبة بتمام أدائها لمواقيتها وكمال أركانها (رسالة الصلاة 54) وأنه يستثنى نفسه من هذا النص وأشباهه باعتبار أن هذا النص كما يقول لأمة المؤمنين، وهي الأمة التي نعيش في أخريات أيامها الآن 1966م "رسالة الصلاة 43"..)
هذا ما قاله السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية... وهو، كما ترون قول يدخله في تناقض.. فان من يقول ((حافظوا على الصلوات الخمس المكتوبة بتمام أدائها لمواقيتها وكمال أركانها...)) لا يحتاج إلى أن يذكره أحد بأن الصلاة المكتوبة واجبة على كل مكلف – كما فعل السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية!! أما قوله ((.. ولكنه يستثنى نفسه من هذا النص وأشباهه باعتبار أن هذا النص كما يقول لأمة المؤمنين، وهي الأمة التي نعيش في أخريات أيامها الآن 1966م "رسالة الصلاة 43"..) فهو قول أراد به أن يوحى بأننا نقول بسقوط الصلاة في حق أمة المسلمين المقبلة. فإليك ما جاء في كتاب (رسالة الصلاة) – صفحة 84 الطبعة السادسة، صفحة 46، 47 الطبعة الأولى – وذلك تحت عنوان (الصلاة بين المؤمن والمسلم)..
((ويصبح شأن الآية (( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا)) مع المسلم الذي يمر بمرحلة الإيمان، الذي هو مرتبة الأمة الأولى، أن الصلاة الشرعية، في حقه، فرض له أوقات يؤدى فيها، فإذا ارتقى: بحسن أدائها بتجويده تقليد المعصوم، حتى ارتقى في مراقي الإيقان، التي ذكرناها، حتى بلغ حق اليقين، وسكن قلبه، واطمأنت نفسه، فأسلمت، طالعه المعنى البعيد لكلمة (( موقوتا)) في الآية (( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا)) وذلك المعنى، في حقه هو، أن الصلاة الشرعية فرض، له وقت ينتهي فيه، وذلك حين يرتفع السالك إلى مرتبة الأصالة، ويخاطب بالإستقلال عن التقليد ويتهيأ ليأخذ صلاته الفردية، من ربه بلا واسطة، تأسيا بالمعصوم.. فهو، حينئذ، لا تسقط عنه الصلاة، وإنما يسقط عنه التقليد، ويرفع من بينه وبين ربه، بفضل الله، ثم بفضل كمال التبليغ المحمدي، الحجاب الأعظم.. الحجاب النبوي.
إن الإسلام، في حقيقته، ليس دينا بالمعني المألوف في الأديان، وإنما مرحلة العقيدة فيه مرحلة إنتقال إلى المرحلة العلمية منه .. مرحلة الشريعة فيه مرحلة إنتقال إلى مرتبة الحقيقة .. حيث يرتفع الأفراد، من الشريعة الجماعية، إلى الشرائع الفردية، التي هي طرف من حقيقة كل صاحب حقيقة، وتكون الشريعة الجماعية محفوظة ومرعية لمصلحة السلوك والتربية والتنظيم للقاعدة البشرية، التي تستجد كل يوم، وتجاهد بالتجارب كل حين، لترقى المراقي.))
ونحب أن يلاحظ القاريء، في النص السابق عبارة ((فهو، حينئذ، لا تسقط عنه الصلاة، وإنما يسقط عنه التقليد))، وعبارة ((وتكون الشريعة الجماعية محفوظة ومرعية لمصلحة السلوك والتربية والتنظيم للقاعدة البشرية، التي تستجد كل يوم، وتجاهد بالتجارب كل حين لترقى المراقى))..
بذلك فأن السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية أما أن يكون قد أغفل، في اطلاعه، بعض نصوص كتبنا، أو أنه لم تتح له الفرصة الكافية لفهم ما جاء في تلك النصوص. فان التخريجات التي انتهى اليها، كما رأينا، لم يحالفها التوفيق فقوله: ((ومن نصوص السنة مداومته صلى الله عليه وسلم على الصلوات الخمس من يوم فرضت وحتى لحق بالرفيق الأعلى..)) إنما هو ادعاء ما كان يجب أن يصر عليه وقد اطلع على رد الأستاذ محمود محمد طه، في كتاب (بيننا وبين محكمة الردة) على المدعى الأول أمام تلك المحكمة والذي أدعى نفس الادعاء، وذلك مما جاء في صفحة 8 من هذا الكتاب:-
((إذا وضح من هذا أن الصلاة لا تسقط وإنما يسقط التقليد يصبح قول المدعي الأول في حقنا أمام المحكمة ((وفات عليه أن الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه كان يصلي الي أن التحق بالرفيق الأعلي حتى تورمت قدماه)) قولا في غير محله، وذلك لأن النبي لم يكن مقلدا لأحد من العالمين وإنما كان أصيلا – هو لا تعترضه عقبة التقليد في الصلاة الشرعية وإنما تعترض أمته من ورائه – وقد ورد هذا الأمر في كتابنا “رسالة الصلاة” صفحة 34 حيث يقول تحت عنوان التقليد ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) !! هكذا أمر النبي في تبليغ رسالة ربه.. فالصلاة معراج النبي بالاصالة ومعراج الأمة من بعده بالتبعية والتقليد ..) ..
أما أصحاب النبي فقد كانوا من المؤمنين، وقد سبقت الاشارة الي أن المؤمنين لن ينفكوا عن التقليد، وإنما يخاطب بسقوط التقليد من ارتفع درجات الايمان الثلاث، ودخل في درجات الايقان الثلاث، وبلغ مرتبة الإسلام الذي يمثله الرضا بالله ..))