((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




بيننا وبين الشئون الدينية وأساتذتها
من أزهريين ومن سعوديين

المقدمة

المقدمة


في هذه المرحلة الدقيقة من مراحل الوعي في بلادنا غدا السودان الحبيب وشعبه العملاق، هدفين من أهداف الأطماع الخارجية المتربصة، والمحدقة، بشعبنا، وببلادنا.. وهي تتمثل في أظهر صورها في الجهل المسيطر على الأنظمة الرجعية في كل من مصر والسعودية، وفيما يدور في فلكيهما من جهلاء الشعوب الإسلامية والعربية، المتصدرين للزعامة والرئاسة، تحت ستار حماية الدين، والذود عن الإسلام!!
ومنذ أيام قلائل وقعت في أيدينا ثلاث رسائل: الأولى من "الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بمكة"، والثانية من "الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر"، وهاتان الرسالتان موجهتان للشئون الدينية بالسودان.. وفي كلتيهما تدخل سافر، وغير كريم، في أخص شئوننا الداخلية، لا ترضاه نفس حر، ولا يقبله عقل كريم!.. ذلك أنه يحط من قدرنا كأمة لها اعتبارها، وكشعب له كينونته، ومميزاته، ثم هو بعد ذلك كله، يقدح ويجرح من كرامتنا التي اشتهرنا بها على مر العصور، وفي أحرج الأوقات.. والتي عبَّر عنها يوماً الأستاذ محمود محمد طه في خطاب مفتوح للمرحوم اللواء محمد نجيب قال فيه: "إن السودانيين قوم يؤذيهم أن يطمع طامع فيما يحمون، كما يؤذيهم أن يبالغ في العطف عليهم العاطفون".. فيجب علينا اليوم أن نردد، بحالنا وبمقالنا، هذه العبارات المضيئة المشرقة لتنير لنا طريق الحرية، ولتفتح أمامنا أبواب المجد، فنحفظ تراثنا، وندفع عن كرامتنا..
أما الرسالة الثالثة، والتي حملت رد الشئون الدينية على رسالة الأزهر، فقد كانت بكل أسف، مثلاً من أمثلة الطيش والتهافت، لا تشرِّف كاتبها، وتدمغ، في نفس الوقت، جهاز الشئون الدينية بالغدر، والتآمر، على قضية الدين، والفكر، بهذا البلد.. وقد اتجهت الرسائل الثلاث إلى الخوض في عرض الجمهوريين على غير هدى، ولا بيِّنة، ولا كتاب منير، وبجرأة على الحق لا يملكها العارفون.. ولقد عمدت تلك الرسائل إلى تشويه أفكارنا، وإثارة الفتن حول دعوتنا، على نحو لا يليق إلا بتلك الجهات المشبوهة التي تحكي، وتدَّعي الدين، بلا دين.. ومما يدعم رأينا، ويؤكد اتهامنا بتآمر تلك الجهات، مجتمعة، على دعوتنا، أنهم قد اتجهوا جميعاً، وفي خبث واضح، إلى استعداء السلطة علينا، ومطالبتها بتحريم نشاطنا، ومصادرة أفكارنا، ولكن هيهات!! فإن الله معنا وهو حسبنا، ونعم الوكيل!!
وحسب أشياخ الشئون الدينية من الهوان أن يصبحوا غرضاً من أغراض الطامعين، وهدفاً من أهدافهم، يستخدمونهم في كبت الأفكار، ومصادرة الحريات..
أما بعد، فإن الجمهوريين يرفعون النذير العريان، كعهدهم دائماً، وقبل فوات الأوان.. لكي لا تزلَّ قدم بعد ثبوتها..
والآن، فإن التآمر الخارجي لم يقف، ولن يقف عند الجمهوريين وحدهم، وإنما سيتجاوزهم كلما وجد سبيله سهلاً وممهداً إلى مكتسبات الشعب ليرمي به مرة أخرى في أحضان الطائفية والرجعية، لتلتقي النظارئ بالنظائر، وتنضم الشكول إلى الشكول.. ولكن ذلك لن يكون، فإن الله لهم بالمرصاد.. فقد قال، وهو أصدق القائلين: "ويمكرون ويمكر الله.. والله خير الماكرين"..