((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




بيننا وبين الشئون الدينية وأساتذتها
من أزهريين ومن سعوديين

الرسالة الأولى من "الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة"

الرسالة الأولى من "الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة"


قلنا في مقدمة هذا السفر أننا قد وضعنا أيدينا على ثلاث رسائل، ولم نشأ أن نفصل عنها في ذلك الموضع من الكتاب، بأكثر من الإشارة الإجمالية عنها.. كما سنمسك الآن عن التعليق عليها حتى نورد نصها كاملاً لنوجد المشاركة الفعلية بيننا وبين القارئ فنتفق على واضحة منها أو نختلف عليها.. وها نحن فيما يلي نورد النص الكامل لرسالة "الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة":-
بسم الله الرحمن الرحيم
((واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا))
رابطة العالم الاسلامي.. الرقم 1 ـ 723/
الأمانة العامة. التاريخ 5 ربيع الأول 1395 هـ
مكة المكرمة. المرفقات..
حضرة صاحب المعالي الأخ الدكتور/ عون الشريف قاسم
وزير الشئون الدينية والأوقاف ـ الموقر.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أفيد معاليكم بأنّ من ضمن القضايا الاسلامية التي ناقشها المجلس التأسيسي لرابطة العالم الاسلامي في دورته السادسة عشرة (محمود محمد طه) السوداني الذي ادعى الرسالة وأنكر ختم الرسالة وأنه المسيح المنتظر كما أنكر الجزء الثاني من الشهادة الى آخر ما جاء في ادعاءاته الباطلة.. وبعد مناقشة الموضوع من جميع جوانبه أصدر المجلس حكمه بالإجماع بارتداد المذكور من الإسلام وتأييدا لما حكمت به المحكمة الشرعية العليا بالخرطوم وأنه يجب على المسلمين أن يعاملوه معاملة المرتدين كما يجب مصادرة كتبه أينما وجدت ومنع طبعها.
أرجو من معاليكم التكرم بنقل هذا القرار الى حكومتكم الموقرة وبذل مساعيكم الحميدة لدى المسئولين فيها للمساهمة معنا في تنفيذه خاصة وقد صدر من مجلس يضم نخبة من العلماء والزعماء الممثلين من معظم الشعوب الإسلامية في العالم. وانتهز هذه الفرصة للإعراب عن صادق شكري وتقديري لتعاونكم الدائم مع الرابطة فيما يرفع شأن الاسلام والمسلمين وتفضلوا بقبول فائق التحية والاحترام.
التوقيع
الأمين العام ـ أحمد صالح القزاز

بهذا الخطاب الجاهل المغرض قد تأكَّد، واستعلن، بُعد المسلمين ومفارقتهم لجوهر دينهم، والتي لم تعد شيئاً خلافياً يقع الإختلاف عليه، كما كان الحال قبل وقت مضى، وإنما أصبح بفضل الله، ثم بفضل الحوادث التي يسوقها لنا أمراً ظاهراً، ومشهوراً، يتفق عليه جميع الناس، اللهم إلا من مكابر أعماه التعصب، وطمسه الحقد عن رؤية الحق الأبلج، أو من طابع استذله حب الدنيا، فسعى ليأكلها بتغفيل الناس وإيهامهم أنهم على الجادة وأنهم بخير.. ولئن جاز مثل هذا العبث، وهذا التضليل على بعض البسطاء والسُّذج من المسلمين اليوم، فلن يجوز عليهم غداً، وذلك بفضل المجهودات الهادفة، والوعي النامي المتزايد، الذي زحمت به الدعوة الإسلامية الجديدة أجواء الحياة في بلادنا على نحو لم تسبق عليه، مما أثار، وحرَّك، أطماع المغرضين من ذوي النفوس المريضة، فسعوا بالفتنة والشقاق حتى تم لهم ما أرادوا من إصدار تلك الأحكام، وتلك الفتاوى، التي حواها خطاب الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي للدكتور عون الشريف.. والتي ظنوا أنها ستقضي على الفكرة الجمهورية بجرة قلم، ولكن هيهات! فإن هذه الدعوة لم تؤسس قواعدها على أكوام الرمل، وإنما بنيت على الحجر الصلب! فواعجبي من هؤلاء الذين لا يعرفون قدر أنفسهم ولا قدر خصومهم.
إن الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بمكة تقف بعملها الطائش هذا، وغير المسئول، كأكبر دليل على أن المسلمين قد أصبحوا اليوم غثاء، كغثاء السيل، لا يبالي الله بهم.. وسنرى أدلة كل أولئك مفصلة في مناقشتنا لما حواه ذلك الخطاب العجيب!:-

دَعْوَى الرِّسالة


جاء في ذلك الخطاب العجيب زعمهم أن الأستاذ محمود محمد طه قد "ادعى الرسالة" فهل هذا صحيح؟ أم أنهم قد تورطوا في هلكة؟؟ قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين".. فهلاَّ تذكر محررو ذلك الخطاب المتهافت هذا النذير الإلهي، فأراحونا وأراحوا أنفسهم من هذه الهلكة وهذه الغثاثة التي يتورطون، ويسوقون الناس جهلاً إلى التورط معهم، فيها، إذ يخوضون فيما ليس لهم به علم؟! نحن نطالبهم باسم الشعب السوداني الذي يستهدفونه من وراء هذه الأباطيل وهذه الإتهامات الجوفاء، أن يثبتوا لنا أن الأستاذ محمود محمد طه قد ادعى الرسالة قولاً، أو كتابة، وألاَّ يلقوا بالقول على عواهنه، ودونكم مؤلفات الأستاذ، ودونكم محاضراته، وندواته، ومجالسه الخاصة، فإن ظفرتم من ذلك بشيء تطمئن إليه نفوس المؤمنين فافعلوا، وإلاَّ فاستحيوا من أنفسكم قبل غيركم، وأنتم الذين تدَّعون قيادة المسلمين! من غير أن تحتكموا لآداب الإسلام على نحو ما رأينا في النذير القرآني قبل قليل.. أما نحن فننفي هذا الإدعاء، نفياً قاطعاً، لعلمنا أنه لم يقع مطلقاً، ثم لعلمنا أن إنسانية اليوم ليست بحاجة إلى رجل يعلن عليها أنه رسول، وإنما هي بحاجة حياة أو موت إلى داعية يحلم أحلامها، ويعيش مشاكلها، ثم هو قادر على تقديم الحلول الناجعة لمشاكل أفرادها، ومجتمعاتها، على نحو يفضي بالوسائل إلى غاياتها فيقوم المجتمع السليم المعافى الذي ينجب الأفراد الأحرار.. هذه هي حاجة إنسانية اليوم.. وقد فعل الأستاذ محمود في هذا السبيل فعلاً يتقاصر أمام عظمته كل داعية، ويتأدب من هيبته كل دَيِّن اطلع على حقائق الدين وخبر كرامة الفكر.. هذا ما نحن عليه، وهو واضح لا يحتاج إلى دليل، إلا إذا احتاج النهار إلى دليل.. ولكننا برغم ذلك الوضوح نسوق للشعب الحقائق حتى يكون على بينة منا ومن دعوى المدَّعين علينا:-
جاء في كتابنا طريق محمد الطبعة الثالثة من قول الأستاذ "ويؤخـذ من دقائـق حقائق الدين أن نبينا رسول الأمتين: الأمة المؤمنة ـ الأصحاب ـ.. والأمة المسلمة ـ الأخوان ـ.. وأنه بذلك صاحب رسالتين: الرسالة الأولى محمدية، والرسالة الثانية أحمدية.. أو قل الرسالة الأولى الشريعة التي فصلها للأمة، والرسالة الثانية السنة التي أجملها، ولم يفصلها إلا في معنى ما مارسها، وعاشها دما ولحما.." جاء هذا في كتاب طريق محمد.. أما في كتاب الرسالة الثانية فقد ورد في الصفحة الخامسة من الطبعة الرابعة ما أكَّد أن الرسالة الثانية هي السنة النبوية، فاسمعوا إذن ما قاله الأستاذ في هذا المعنى: " فالسنة هي شريعة النبي الخاصة به.. "هي مخاطبته هو على قدر عقله".. وفرق كبير بين عقله، وبين عقول عامة الناس.. وهذا نفسه هو الفرق بين السنة والشريعة.. وما الرسالة الثانية إلا بعث هذه السنة لتكون شريعة عامة للناس"..
من هذا يتضح، وبجلاء، أن موضوع الرسالة الثانية عندنا هو تفصيل ما عاشه النبي صلى الله عليه وسلم، وما أجمل تبليغه بسيرته، وأن ذلك لا يكون إلا لرجل آتاه الله الفهم عنه في القرآن، وأذن له في الكلام.. فما رأي القراء إذن؟ وما رأي الشعب السوداني المستهدف وراء تلك الأكاذيب، وتلك المفتريات؟؟
هذه واحدة.. أما الثانية فقد جاءت أهزل من سابقتها، وهي إن دلَّت على شيء إنما تدل على أن أشياخ "رابطة العالم الإسلامي" بمكة، عوام لا يعرفون الدين، ومن باب أولى يجهلون القرآن.. فماذا قالوا عن ختم الرسالة:

ختم الرسالة


قال "علماء رابطة العالم الإسلامي" في خطابهم الهزيل الذي مرَّ بنا قبل قليل في هذا الكتاب، أن الأستاذ محمود محمد طه "أنكر ختم الرسالة".. ألقوها هكذا عارية، ومن غير أن يوردوا شيئاً من أقوال الأستاذ، إمعانا منهم في التضليل، وكتم الحقائق على الناس.. قال تعالى وهو أصدق القائلين "إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيَّنَّاه للناس في الكتاب، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * إلا الذين تابوا، وأصلحوا، وبينوا، فأولئك أتوب عليهم.. وأنا التواب الرحيم" فنعوذ بالله من وعيد الله..
ومن جانبنا فإن هذا الصنيع منهم لا يضيرنا بقدر ما يدل علينا، حتى ينتبه الناس فيأخذوا دينهم على بينة، وعلى بصيرة.
ومن هذه البينات، وهذه البصائر، قولنا بعدم ختم الرسالة، فإن هذا حق غفل عنه كل الناس، فدرجوا على ما ألفوا من غير هدى، وها نحن نحاول إيقاظهم بنجاح.. وأول ما يقال في هذا الأمر أن النبوة قد ختمت بنبينا محمد عليه صلوات الله وسلامه، ولكن الرسالة لم تختم، وبينة هذا الأمر يجليها قوله تعالى "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين.. وكان الله بكل شيء عليماً" وفي هذا القول كفاية للعارفين، ولكن لا بد من تبسيطه، وتذليل صعوبات الفهم لمن هم دونهم، من المسلمين وغيرهم حتى يصبح الأمر جلياً وواضحاً.. فمن أجل ذلك نسوق في هذا الكتاب ما ورد عن الأستاذ محمود محمد طه في كتابه الرسالة الثانية من الإسلام، الطبعة الرابعة الصفحة "10" والذي تكفل بشرح هذا الأمر شرحاً دقيقاً ووافياً.. فقد جاء في ذلك قوله "والحق أن كثيراً ممن يعترضون على دعوتنا إلى الرسالة الثانية من الإسلام لا يعترضون على محتوى هذه الدعوة، بل إنهم قد لا يعيرون محتوى الدعوة كبير اعتبار.. وإنما هم يعترضون على الشكل.. هم يعترضون على أن تكون هناك رسالة، تقتضي رسولا، يقتضي نبـوة، وقد ختمت النبـوة، بصريح نص، لا مرية فيه.. وإنه لحق أن النبـوة قد ختمت، ولكنه ليس حـقا أن الرسالة قد ختمت: ((ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله، وخاتم النبيين.. وكان الله بكل شيء عليما)).. ومعلوم أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا.. ولكن النبوة ما هي؟؟ النبـوة هي أن يكون الرجل منبأ عن الله، ومنبئاً عن الله.. أي متلقياً المعارف عن الله بواسطة الوحي، وملقيا المعارف عن الله إلى الناس، على وفق ما تلقى، وبحسب ما يطيق الناس.. فبمرتبة التلقي عن الله يكون الرجل نبياً، وبوظيفة الإلقاء إلى الناس يكون رسولا.. هذا هو مألوف ما عليه علم الناس.. ولكن هناك شيئا قد جد في الأمر كله، ذلك هو معرفة الحكمة وراء ختم النبوة بمعناها المألوف.. لماذا ختمت النبوة؟؟
أول ما تجب الإشارة إليه هو أن النبـوة لم تختم حتى استقر، في الأرض، كل ما أرادت السماء أن توحيه، إلى أهل الأرض، من الأمر.. وقد ظل هذا الأمر يتنزل على أقساط، بحسب حكم الوقت، من لدن آدم وإلى محمد.. ذلك الأمر هو القرآن.. واستقراره في الأرض هو السبب في ختم النبوة.. وأما الحكمة في ختم النبوة فهي أن يتلقى الناس من الله من غير واسطة الملك، جبريل - أن يتلقوا عن الله كفاحا - ذلك أمر يبدو غريبا، للوهلة الأولى، ولكنه الحق الذي تعطيه بدائه العقول، ذلك بأن القرآن هو كلام الله، ونحن كلما نقرؤه إنما يكلمنا الله كفاحا، ولكنا لا نعقل عنه.. السبب؟ أننا عنـه مشغـولون.. قال تعالى في ذلك: ((كلا‍‍!! بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون * كلا!! إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)).. وإنما جاء القرآن بمنهاج شريعته، ومنهاج طريقته، وبأدبه في كليهما، ليرفع ذلك الريـن، حتى نستطيع أن نعقل عن الله ما يحدثنا في القرآن، فإذا وقع هذا الفهم لرجل فقد أصبح مأذوناً له في الحديث عن أسرار القـرآن، بالقدر الذي وعى عن الله.." انتهى.
فما رأي "علماء" ومشايخ "رابطة العالم الإسلامي" بمكة، في هذا الذي نقول؟ هل اطلعوا عليه؟ أم ساقوا ما قالوا على ما وردهم من سفه وإشاعات؟ وقد كنا نربأ بأمثالهم عن هذا الهوان الذي اختاروه لأنفسهم، بأنفسهم، فذهبوا في إهلاك أنفسهم وتضليل شعوبهم مذهباً يدل على أنهم آخر وأبعد من يتحدث عن أمر الدين، ذلك أن من يتحدث عن الدين لا بد أن يكون محكوماً بقواعد، وآداب الدين، وما بدا منهم لا يدل على أنهم يتحلون بشيء من ذلك.. قال تعالى "ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم، ولتعرفنهم في لحن القول.. والله يعلم أعمالكم".. وكما عبَّر أيضاً عن هذا المعنى أصحابنا الصوفية، فقالوا: "تحدَّثوا تُعرفوا" وقد تحدث هؤلاء بما دل عليهم، وأعان على معرفتهم.. فالحمد لله الذي وهبنا من الدين ما نميز به بين الأمرين، فنجنب شعبنا مزالق الزيغ، والهوس، حتى لا يؤخذ بحملات التضليل المسعورة، والمستوردة على غرة.. ونحن، وكما قلنا قبل قليل، كنا نود أن نسمع من "علماء" "رابطة العالم الإسلامي" رأيهم فيما ورد عنا عن "ختم النبوة" و "ختم الرسالة" بدلاً من مهاترات العوام التي ذهبوا إليها.. أوليس من الأليق بهم وبحرمة "العلماء" أن يتبينوا وأن يتثبتوا من كل ما وردهم عنا حول هذا الأمر الجلل، وأن يذهبوا في مناقشته مناقشة موضوعية تواجه ما ذهبنا إليه من الحجج بدلاً من السير في تلك المتاهة المهلكة بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير.. ثم أليس في ذلك مصداق لما أخبر به القرآن الكريم حيث قال "ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يُدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين؟؟"
ومن ناحيتنا، فإننا لا نحفل بأمثال هؤلاء، ولكننا فقط أردنا إلى تسليط الضوء عليهم حتى يكون الشعب على بصيرة من أمر "الشئون الدينية" في بلادنا، والتي تحفل بأمثال هؤلاء الجهلة، بما تفسح لهم المجال لتضليل الشعب، وبما تمكنهم من مخادعتنا حين ينسبون لوزيرنا من التعظيم والألقاب الكبيرة ما يأباه الدين، وتتأذى منه نفوس المؤمنين.. اقرأوا مرة ثانية قولهم "حضرة صاحب المعالي الأخ الدكتور".. ألا تدل هذه الألقاب الكثيرة على فراغ في الفكر، ومرض في النفس، أم ما رأيكم أنتم؟؟

والمسيح المنتظر؟!


قال مشايخة "رابطة العالم الإسلامي" في خطابهم المتهافت آنف الذكر، أن الأستاذ محمود محمد طه قد ادعى بأنه "المسيح المنتظر" كما أنكر "الجزء الثاني من الشهادة" وكما وعدنا القراء، فإنا سنواصل استقصاء تلك الإتهامات الرعناء واحداً واحداً حتى نأتي عليها جميعاً، على نحو يزيل اللبس، ويمكِّن من الحقيقة، حتى يكون شعبنا الكريم على بينة وواضحة من الأمر..
وأول ما يقال عن هذا الأمر، أن لم يرد عنا ادِّعاء لمقام المسيح في أي من كتبنا أو أحاديثنا، وذلك لسبب بيسط وبديهي وهو أن المقامات لا تنال بادعائها، كما أنه ليس من أدب الدين في شيء ادعاء المقامات لأن الادِّعاء في شرعة التوحيد عجز عن الوفاء بالتزام واجب العبودية نحو الربوبية.. ثم لأن التستر خلف الأسماء الكبيرة، والمقامات العالية، ينطوي على شيء من الإرهاب الفكري، للناس، الذين يريدون حلاً لمشاكلهم، ولذلك فإننا حريصون، أشد الحرص، على عرض المحتوى الموضوعي للإسلام بعد نفي الغموض الديني عنه، وعلى نحو يبرز للناس فضيلة الإسلام التي لا تُجارى، فيسلكوا إلى الله على فكر ويقين.. ومهما يكن من الأمر، فإن قولنا هذا ليس مقصوداً منه أن ينفي مجيء المسيح، فإن ذلك أمر مفروغ منه بالضرورة، وإنما قصدنا به إلى نفي فرية ادعائنا لذلك المقام.. لأنه من الجهل بمكان، إضاعة الوقت في ادعاء مقام لا يكون إلا بالتحقيق، ولا يجلى إلا لوقته في اليوم الموعود.. ثم نضيف بأن مجيء المسيح أمر بشَّرت به كل الأديان، وسيتحقق بمجيئه، إن شاء الله، كل الكمالات الإنسانية الموعودة لأهل الأرض، والتي ليس بيننا وبينها إلا أن نعمل في أداء الواجب المباشر جهد الإتقان، في الدعوة إلى الله على بصيرة حتى يكون المكان فينا، وفي من حولنا، مستعداً لمجيئه.. وأضعف الإيمان في هذا الأمر أن نؤمن بمجيئه، وأن ننتظره. فإن المسيح عليه السلام قد قال مرة لتلاميذه "حتى الذين ينتظرون فإنهم يصلّون" وكما جاء مثل ذلك عن نبينا صلى الله عليه وسلم حين قال "من كان في انتظار الصلاة فهو في صلاة" وعليه فنحن دعاة للتبشير بعودة المسيح لمجرد أننا دعاة لعودة الإسلام.. وقد جاء في إهدائنا لكتاب الرسالة الثانية قول الأستاذ:
((إلى الإنسانية: بشرى وتحية:
بشرى بأن الله ادخر لها من كمال حياة الفكر وحياة الشعور، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.. وتحية للرجل وهو يمتخض، اليوم، في أحشائها، وقد اشتد بها الطلـق، وتنفس صبح الميلاد.))
هذا ولقد تواردت البشارات الدينية في القرآن الكريم، وفي الخبر الشريف، تتحدث مبشرة بمجيئه.. وفي ذلك يقول جل من قائل "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله.. وكفى بالله شهيدا". وهذا يوم موعود، ومنتظر، عند أهل القلوب، وقد جاء على نهج القرآن في هذا المعنى، قول المعصوم صلى الله عليه وسلم "لو لم يبق من الدنيا إلا مقدار ساعة لمدّ الله فيه، حتى يبعث رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً" وجاء أيضا "كيف أنتم إذا نزل بينكم ابم مريم حكما عدلاً مقسطاً يكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" أو كما قال.. وجاء في كتابنا "القرآن ومصطفى محمود، والفهم العصري" قول الأستاذ ((فأما ساعة التعمير فهي لحظة مجيء المسيح ليرد الأشياء إلى ربها حسّاً ومعنى، وليملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ويومئذ يظهر الإسلام على جميع الأديان، ويتحقق موعود الله "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً" ويتأذن الله بالتطبيق، كما تأذن بالإنزال، وذلك فيما يتعلق بقوله تعالى "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا".. وهذه ساعة التجلي الكمالي))
فهل أدرك "علماء" رابطة العالم الإسلامي شيئاً؟ وهل خطرت على قلوبهم أمثال هذه المعاني أو أطراف منها في يوم من الأيام؟؟ نخشى عليهم أن يكونوا على غير انتظار لمجيء المسيح، فيصبحوا كمن كره الله انبعاثهم، فثبطهم فقيل اقعدوا مع القاعدين.. ثم ما رأي الشئون الدينية في هذا الذي نقول، وهم المخاطبون بهذه الجهالات والعاملون على نشرها وتوزيعها؟ أراكم يا هؤلاء وقد صدق فيكم قول من قال:-
كالعير في البيداء يقتلها الظمأ * والماء فوق ظهورها محمول.


محمد رسول الله: أو الجزء الثاني من الشهادة؟


إن هؤلاء النفر من رجال الدين الذين ذهبنا نطلق عليهم في هذا الكتاب إسم "علماء" "رابطة العالم الإسلامي" يمكن أن يكونوا أي شيء، أو أن يدَّعوا لأنفسهم ما شاءوا من الألقاب، أو أن ينتسبوا لما شاءوا من المذاهب والأفكار، ولكن ليس لهم الحق البتة في ادعاء الانتساب إلى الإسلام أو التحدث باسمه، ذلك أنهم قوم لا خلاق لهم، ولا دين، حيث يعظمون على الله الفرية، ويعرضون بأعراض الناس، وبدينهم، في غير حياء، أو مسئولية، ليضلوا عن سبيل الله بعلم، أو بغير علم، مثلهم في ذلك مثل الذين قال تعالى في حقهم "ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا، فلا يغررك تقلبهم في البلاد!! كذبت قبلهم قوم نوح، والأحزاب من بعدهم، وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، فأخذتهم.. فكيف كان عقاب؟؟" فهذه دائما سيرة الحق بين أهل الباطل، ولكن لا ضير!! فإن الصبح قريب!! وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.. أي فرية، وأي كذب، أكبر، وأعظم، من قولهم إن الأستاذ محمود محمد طه ينكر الجزء الثاني من الشهادة ـ أي ينكر "محمداً رسول الله" ـ وهو الرجل الداعية الذي تفرَّد بالدعوة إلى طريق محمد صلى الله عليه وسلم، عبر قرون الدعوة الإسلامية، وأقام من نفسه عليه دليلا، فاستجاب له خيار شباب هذا البلد، وسلكوا طريق السنة على يديه، فتنورت نفوسهم، وتعلقت بالخير قلوبهم، واشتهروا بحلاوة الشمائل، وحسن الأحدوثة بين الناس، حتى غدت السنة، بفضل الله ثم بفضل صدقهم وحسن توجههم، عائدة بهم من جديد، بعد أن طال غيابها، واندثارها..
ويسرنا أن نسوق فيما يلي وبين يدي القراء طائفة من أقوال الأستاذ في هذا الأمر، والتي لا نملك بسبب ضيق المقام أن نذهب فيها مذهب التفصيل والتوسع، حتى نبرز للقارئ المدى الذي تبلغه دعوتنا في حبه، وتصديقه، وتوقيره، ومعرفة مقامه صلى الله عليه وسلم، ولكننا سنكتفي بالقليل في سبيل دحض جهل وافتراءات "علماء" "رابطة العالم الإسلامي" بمكة، فنكشف بذلك عن مدى التآمر، والتواطؤ، وعدم الأمانة الذي عليه الشئون الدينية حين تبتهج بهذه الافتراءات، وتعمل على نشرها لتضليل الشعب المسكين المتغول عليه بكيد المكابرين من أبنائه.. جاء في كتيب "قل هذه سبيلي" الصادرة الطبعة الأولى منه في 1952 م ما يأتي:-
((ولكن كيف يمرن الإنسان نفسه، وبطريقة منظمة على أن يحيا دائما في حالة من الوعي الداخلي، واليقظة، وضبط النفس؟؟ الجواب قريب:
بان يقلد محمدا في منهاج حياته تقليدا واعيا مع الثقة التامة بأنه قد أسلم نفسه إلى إرادة هادية ومهتدية، تجعل حياته، مطابقة لروح القرآن وشخصيته متاثرة بشخصية أعظم رجل، وتعيد وحدة الفكر، والعمل فى وجوده، ووعيه كليهما، وتخلق من ذاته المادية، وذاته الروحية كلاً واحداً متسقاً قادراً على التوفيق والتوحيد بين المظاهر المختلفة فى الحياة))..
وجاء في منشور "إلى الراغبين في الله" الذي أصدره الأستاذ محمود محمد طه في يوم الثلاثاء 25 ذو الحجة 1384 هـ الموافق 27/4/1965م والصادر ايضاً في الطبعة الأولى من كتاب "طريق محمد" في مارس 1966م ما يأتي:- ((إن محمدا هو الوسيلة إلى الله وليس غيره وسيلة، منذ اليوم، فمن كان يبتغي الي الله الوسيلة التي توسله، وتوصله إليه، ولا تحجبه عنه، أو تنقطع به دونه، فليترك كل عبادة هو عليها اليوم، وليقلد محمداً، في أسلوب عبادته، وفيما يطيق من أسلوب عادته، تقليداً واعياً، وليطمئن حين يفعل ذلك، أنه أسلم نفسه لقيادة نفس هادية ومهتدية..
إن على مشايخ الطرق، منذ اليـوم، أن يخرجوا أنفسهم من بين الناس ومحمد، وأن يكون عملهم إرشاد الناس إلى حياة محمد بالعمل وبالقول، فإن حياة محمد هي مفتاح الدين.. هي مفتاح القرآن، وهي مفتاح "لا إله إلا الله" التي هي غاية القرآن.. وهـذا هو السـر في القـرن في الشهادة بين الله ومحمد ((لا إله إلا الله محمد رسول الله ))..
وجاء أيضا في مقدمة الطبعة الثالثة من كتاب "طريق محمد" والذي يجري اليوم في طبعته الثامنة ما يأتي من قول الأستاذ محمود محمد طه عن ذاته الشريفة تحت عنوان: من هو محمد؟ ((هو محمد، بن عبد الله، بن عبد المطلب، النبي، الأمي، المبعوث من قريش في الأميين منذ القرن السابع، والذي ختم الله به النبوة وأنزل عليه القرآن المقروء اليوم والمحفوظ بين دفتي المصحف.. لا يعرفه المسلمون وإن ظنوا جهلا أنهم يعرفونه.. وهذه الدعوة إلى اتباعه، وحسن تقليدِه التي يقدمها هذا الكتيب: "طريق محمد" لا تستقيم على خير وجوهها إلا إذا قدمت تعريفاً به يجعل اتِّباعه وتقليده عملاً علمياً يحترم أقوى العقول المعاصرة، ويقنعها بجدوى ممارسته وإتقانه))..
وجاء أيضاً في هذه المقدمة عن أزلية نبوته صلى الله عليه وسلم:-
((وعن أزلية نبوته قال المعصوم: "كنت نبيا وآدم بين الماء والطين" ومعنى هذه العبارة أنه كان نبياً، عالما بنبوته، في الأزل.. وقد ظهر مصداق ذلك عندما برز إلى عالم الأجساد، فإنه، وهو جنين في رحم أمه، كان يختلف عن الأجنة في الأرحام، فقد برئ وحام أمه به، مما تتعرض له وحامى النساء من الغثيان، وخبث النفس، واستيفاز الشعور، وكان حمله على أمه خفيفاً، تجد بركته في يقظتها بالصحة، وبهجة النفس، وبالمسرة المتصلة.. وتجد بركته في نومها بالرؤى المفرحة، وبمثل ذلك اختلفت طفولته، واختلفت يفاعته، واختلف شبابه، حتى لقد أيقن أنه خلق لغير ما خلق له أترابه من الشباب، ثم لم يلبث أن ألح عليه هذا الإيقان حتى اعتزل المجتمع، وآوى إلى الغار..))..
ونواصل من أقوال الأستاذ في هذه المقدمة ما يعين على وضوح الرؤية ودحض الافتراء، فقد جاء فيها:
((ويؤخـذ من دقائـق حقائق الدين أن نبينا رسول الأمتين: الأمة المؤمنة ـ الأصحاب ـ.. والأمة المسلمة ـ الأخوان ـ.. وأنه بذلك صاحب رسالتين: الرسالة الأولى محمدية، والرسالة الثانية أحمدية.. أو قل الرسالة الأولى الشريعة التي فصلها للأمة والرسالة الثانية السنة التي أجملها، ولم يفصلها إلا في معنى ما مارسها وعاشها دماً ولحماً.)) وجاء في المقدمة أيضاً عن الذات المحمدية ((الذات المحمدية أول قابل لتجليات الذات الإلهية، وهي المشار إليها في حديث جابر بن عبد الله الأنصاري، "قال قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شيء خلقه الله.. قال: أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر)) والذات المحمدية حقيقة أحمدية، قمتها ولاية، وقاعدتها نبوة.. ومقامها المقام المحمود الذي قامه النبي ليلة عرج به بعد أن جاوز سدرة المنتهى، وفيه صح له الاتصاف بقوله تعالى "ما زاغ البصر، وما طغى" وذلك في جمعية بلغت فيها وحدة الذات البشرية قمة طوعت لها شهود الذات الإلهية..))..
وتحت عنوان "المسلمون ما خطبهم" من تلك المقدمة، قال الأستاذ: ((والمسلمون، اليوم، ليسوا على شيء، وإنما هم في التيه.. يعيشون الجاهلية الثانية ـ جاهلية القرن العشرين ـ والعاملون منهم بالدين لا يتعدى عملهم القشور إلى اللباب.. وليس لهم إلى خروج من هذا الخزي غير طريق محمد.. ونحن إذ نقدمه لهم في هذا الكتيب، وإذ ندعوهم إليه، ننذرهم عواقب الإبطاء في الأخذ به.. ثم إننا، من وراء المسلمين، وبعد المسلمين، نقدمه للإنسانية جمعاء، فليس لها من طريق غيره إلى كمال التحرير، ولا كمال التمدين.. ومن أجل ذلك فقد جاءت عبارة إهدائه هكذا:- "إلى الراغبين في الله، وهم يعلمون، والراغبين عن الله، وهم لا يعلمون.. فما من الله بد.")) وقد ورد أيضاً من أقوال الأستاذ في متن "طريق محمد":-
((إننا قد استيقنا من أنه بتقليـد محمد تتوحد الأمة ويتجدد دينها، ولذلك فإنا قد جعلنا وكـدنا تعميق هذه الدعـوة، ونقـدم فيما يلي نموذجاً يعيـن كل من يريـد أن يتخـذ إلى الله سبيـلاً))؟؟ وورد في ذلك المتن أيضاً عن وصفه صلى الله عليه وسلم ((هذه نفس اكتملت لها عناصر الصحة الداخلية، واتسقت قواها الباطنية، وتحررت من الأوهام، والأباطيل، وسلمت من القلق، والخوف العنصري، البدائي، الساذج.. ما أحوج بشرية اليوم، كلها، إلى تقليد هذه النفس التي اكتملت لها أسباب الصحة الداخلية))..
وأخيرا نضيف لهذه الطائفة من المختارات ما جاء في كتابنا: القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري: ((وجلّ ما أريد هو أن يأخذ الناس – كل الناس – أنفسهم بالسير خلف المعصوم، في إتقان، وتجويد لتقليده، في أسلوب عبادته، وفيما يطيقون من أسلوب عادته، حتى يأخذوا من سمت هذه الحياة الخصبة، المهتدية، الهادية، مفتاح مغاليق القرآن.)) ثم يمضي السياق إلى أن يقول ((ولقد وظف الجمهوريون حياتهم لبعث هذه السنة المطهرة)).
فهل بعد هذا بغية لمبتغ؟ ما رأي "علماء" "رابطة العالم الإسلامي" بمكة، وما رأي الشئون الدينية في هذا الذي أوردنا؟؟ هل تريدون الحق؟ إذن فاسمعوا: إنكم بفعلكم الرديء هذا، قد قصدتم الفتنة والإضلال عن الحق.. ولم تقصدوا وجه الله، كما لم تقصدوا مصلحة الناس.. ولو كان لكم فيهما أدنى حظ لتبينتم، وتثبتم، قبل أن تهلكوا أنفسكم بهذه الصورة المؤسفة! فعودوا إلى الله "إني لكم منه نذير مبين".


إلى آخر ما جاء في ادِّعاءاته الباطلة


وبعد، فإن مثيري الفتنة لم يكتفوا بكل الذي افتروا علينا زوراً وبهتاناً، وإنما ذهبوا أكثر من ذلك حين عمموا، وأعظموا على الله الكذب بقولهم القاصر "إلى آخر ما جاء في ادعاءاته الباطلة"، ونتساءل عن ماهية هذه الادعاءات الباطلة، التي لم يشاءوا الإفصاح عنها؟! والجواب: أنهم قد أعجلوا أنفسهم هذه المرة أكثر من سابقاتها، حيث ذهبوا إلى غرضهم في إثارة الفتنة، واستعداء السلطة مباشرة، ومن غير أن يتوكأوا على أكاذيبهم التي درجوا عليها في مسيرة هذا الخطاب العجيب المتهافت.. فأي استخفاف بدين الناس هذا؟ وأي استخفاف بعقولهم؟ أعظم من هذه الدعاوي وهذه الأكاذيب التي يفتريها "علماء" "رابطة العالم الإسلامي" بمكة جهاراً نهاراً في تكفير مسلم، على افتراض وجود ادعاءات باطلة! وقد لا تكون هي بالضرورة في تصور الذين كتبوا إليهم!! فأي عبث هذا يا مشايخ؟ وما هذا الغباء، بالله أريحونا منكم، وأريحوا الإسلام، فإنكم لأشأم على البلاد من كل شؤم وشؤم.

محكمة الردة مرة أخرى


ثم يمضي خطابهم آنف الذكر ليقرر ((وبعد مناقشة الموضوع من جميع جوانبه، أصدر المجلس حكمه بالإجماع، بارتداد المذكور من الإسلام، وتأييداً لما حكمت به المحكمة الشرعية العليا بالخرطوم، وأنه يجب على المسلمين، أن يعاملوه معاملة المرتدين كما يجب مصادرة كتبه أينما وجدت ومنع طبعها.)).
نقرر أولاً لمواجهة هذا الجزء من الخطاب أنه قد صيغ صياغة لغوية ركيكة لا تليق بمحفل يدَّعي الحدب، والحرص، على الإسلام والمسلمين.. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإننا نتساءل:- أي يعيش هؤلاء القوم؟ وهل هم يشاركوننا الحياة في هذا الثلث الأخير من القرن العشرين؟ وحيث حققت إنسانية اليوم قيماً عالية في احترام حق الحياة، وحق الحرية، لجميع الناس؟ أم تراهم لا يكادون يفقهون قولاً؟ مثلهم في ذلك مثل الحمار الذي يحمل أسفاراً، فبئس مثل القوم الظالمين.. إن حكم الردة الذي قضت به "رابطة العالم الإسلامي" بمكة، على الأستاذ محمود محمد طه، وتأييدها لما حكمت به المحكمة الشرعية العليا بالخرطوم إنما يكشف بجلاء عن أبعاد التآمر، والتواطؤ الرجعي الذي يستهدف هذه البلاد، ويتهددها.. نحن جميعاً نعلم أن الطائفية في الماضي قد أوشكت أن تنجح في تغفيل الناس باسم الدستور الإسلامي، ولكن الله سلم، وقيَّض الأستاذ محمود محمد طه ليتصدى لتلك الجهالات، ويكشف زيفها، وتضليلها.. فأقام الندوات، والمحاضرات، والمهرجانات، تحت شعار "الدستور الإسلامي المزيف"، مما كان له أطيب الأثر في نشر الوعي القومي بالبلاد.. ولما كانت الطائفية لا تحتمل المعارضة فقد حركت أدواتها، حتى كانت محكمة الردة المعروفة، والتي جعلها الله نكالاً على الطائفية وأذنابها، فجنوا منها أسوأ العواقب! واليوم فإن التاريخ سيعيد نفسه، وبصورة أكبر، وإننا من هذا المنبر، نؤكد "لعلماء" "رابطة العالم الإسلامي" ولمن والاهم من الزعماء الذين أشاروا إليهم في خطابهم آنف الذكر: إن الحق لا بد منتصر، وإن الباطل لا بد منهزم.. وإن الدائرة ستدور عليهم قريباً، وسوف يواجهون نفس المصير الذي واجهته الطائفية في هذه البلاد.. والحق بذلك زعيم!؟
إن على مشايخ الرابطة أن يعلموا ولو بعد فوات الأوان، أن "محكمة الخرطوم الشرعية العليا" والتي أسميناها فيما بعد "بمحكمة الردة"، قد كانت طرفا في مؤامرة اشترك في إفكها مجلس السيادة، وقاضي القضاة، وصنائعه، والمدعيان الكاذبان، وشهود الزور، الذين أتوا بهم لذلك الغرض.. من أجل ذلك فقد كانت إجراءات المحكمة مثلاً للجهل والغباء، الذي لا يفوت، أو يقع من أقل الناس مسئولية، فكيف به إذا وقع من محكمة طاب لها أن تسمي نفسها "محكمة الخرطوم الشرعية العليا".. أكثر من ذلك هل يعلم السادة "علماء" "رابطة العالم الإسلامي" أن محكمة الردة كانت محكمة غير دستورية؟ وأنها عملت في غير اختصاصها؟ فتجنت بذلك على القانون، واعتدت على الدستور.. ثم هي قد كانت، من قبل ذلك، ومن بعده، مكيدة سياسية، عمدوا بها إلى إسكات صوت الحق الوحيد في هذا البلد؟؟ ولكن هيهات!! والذي يهمنا من وراء كل أولئك أن شعبنا العملاق قد تجاوب معنا يومئذ تجاوباً طيباً، فكان قريباً من مستوى مسئوليته.. أما اليوم، فنحن ننتظر منه أكثر، ننتظره أن يكون في مستوى مسئوليته تماماً، وحيث توجب علينا جميعاً أن نحمي ديننا، وأن نذود عن وطننا، حتى لا تتكرر بنا التجارب الفاشلة، وحتى لا نكون لقمة سائغة تلتهمها أفواه المسعورين من المعتدين أعداء الحرية والدين.. فهل أدلكم على المطية الذلول؟؟ إذن فأقبلوا على "الدعوة الإسلامية الجديدة" فإن فيها شفاء من كل داء..

وأخيرا فأين حرمة القانون


ويلجأ بعد ذلك "علماء" "رابطة العالم الإسلامي" بمكة، إلى الفتنة العمياء، وإلى التحريض والخروج بالناس على القانون، ليحملوه في أيديهم، فتعم الفوضى، ويضطرب حبل الأمن والنظام.. ونحن بهذا التقرير لم نقصد إلى تجريمهم، أو التجني عليهم، وإنما قصدنا أن نعين القارئ بوضع النقط فوق الحروف، حتى يتبين مواقع أقدامه، فلا يقع فريسة لفعل طائش، يدفعه إليه بعض خفاف الأحلام ممن لا يرعون له حرمة أو كرامة.. اقرأ مرة ثانية كيف يغررون بك، وبعد أن افتروا بين يديك صنوفاً من الأباطيل، وصنوفاً من الأكاذيب، حين يقولون في غير حياء، أو حذر: ((وأنه يجب على المسلمين، أن يعاملوه معاملة المرتدين كما يجب مصادرة كتبه أينما وجدت ومنع طبعها))..
والسؤال الآن "لزعماء وعلماء" "رابطة العالم الإسلامي" بمكة، ليحدثونا عن كيفية معاملة المسلمين للمرتدين؟ إن كان لهم رأي غير الذي ذهبنا لتقريره عنهم في تخريجنا آنف الذكر؟.. وحرصاً منا على تعميم الفائدة نسأل "رابطة العالم الإسلامي" عن حكم محكمة الردة؟ وهل هو في مستوى أحكام الحدود الأخرى، أم دونها؟ ثم عن كيفية تنفيذه؟ وهل ينفذ بيد الحكومة أم بيد جمهور المسلمين؟ ثم هل يمكن أن يجري تنفيذه بحكومة علمانية لا تقوم أحكامها على ما أنزل الله من الشريعة الإسلامية، كما هو واقع الحال في بلادنا؟ وفي غيرها من البلدان الإسلامية؟ أم ماذا يرى هؤلاء الأشياخ الذين يتحدثون باسم الدين ويجهلون أبجدياته؟!

كتب الدعوة الإسلامية الجديدة بين المنع والمصادرة


من البداهة بمكان أن نقرر، أنه ليس بمستغرب على هؤلاء الأشياخ، ولا على حكوماتهم، إصدار الأوامر التعسفية، لمصادرة الكتب، أو لمنع طباعتها، لأنهم لا يقيمون لحرية العقيدة، ولحرية الرأي، وزناً، ومن ثم فإن شعوبهم قد قسرت على الذل، ونشأت على الهوان، فلا قيمة لها عندهم، ولا وزن.. ولكننا، بحمد الله، قد تميزنا عنهم بشعب عملاق هو في كل وقت أعلى قامة من حكوماته، وقد التفتت إليه الأنظار بعد ثورة أكتوبر التي أصبح بها بحق معلماً للشعوب، تنتظر عنده الفرج وتترقب الإنقاذ.. وحكوماتنا، على علاتها، قد كانت دائما بسبيل من شعبنا، فهي على أثره.. وقد نتفق، أنا وأنت، ونحسب على حكوماتنا، على اختلافها، عيبوباً، وأخطاء كثيرة، ولكن، مع ذلك، فإن أسوأ حكوماتنا، وفي أسوأ العهود، أفضل، بكثير، وبما لا يقاس، مما يسمى بالحكومات الإسلامية، أو بالحكومات العربية، تلك التي نعرفها جيداً.. وعليه فإن مخاطبة "علماء" "رابطة العالم الإسلامي" في هذا الصدد لحكومتنا عن طريق وزيرنا نعتبره تدخلاً أجنبياً سافراً في شئوننا الداخلية، ونحن لن نقبله، ولن نسكت عليه.. كما أننا سنعنف الشئون الدينية أشد التعنيف على جهالاتها وعلى ابتهاجها بذلك الخطاب الرديء، المتهافت، الذي عملت على نشره، وتوزيعه، بين الناس في غير روية أو تفكير، حتى أصبحت، بفعلها الطائش هذا، دون مستوى المسئولية المناطة بها، ودون مستوى الكرامة التي اتصف وعرف بها الشعب السوداني على مر الأيام، فهل تعي الشئون الدينية هذا الدرس؟؟ هذا لا يعنينا، بقدر ما يعنينا أن يستيقظ شعبنا، فلا يسمح لعابث مستهتر، مثل "رابطة العالم الإسلامي"، بالتدخل في شئونه الداخلية، وإلى الحد الذي تقول فيه على لسان أمينها: "أرجو من معاليكم التكرم بنقل هذا القرار الى حكومتكم الموقرة وبذل مساعيكم الحميدة لدى المسئولين فيها للمساهمة معنا في تنفيذ هذا الأمر" اقرأوا مرة ثانية: "للمساهمة معنا في تنفيذ هذا الأمر".
فمن هم يا ترى هؤلاء الذين يتولون مسئوليتنا، ويطلبون من حكومتنا المساهمة معهم في تنفيذ هذا الأمر، على حد قولهم؟؟
إن هذا أمر غريب، نرفضه، ولا نذعن له، ثم هو لا يجرؤ عليه، إلا غبي متحامل!! فمن هو إذن ذلك الغبي المتحامل الذي أغرى بنا تلك الرابطة الهزيلة؟!