((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




صَـفُّـوا قضاة دوائر
الأحوال الشخصية

ملخص الوقائع

ملخص الوقائع: -


تتلخص الوقائع في أن الأخ أحمد المصطفى المبارك الطالب بكلية الطب بجامعة الخرطوم قد كان في رحلة عمل بمدينة كوستي مع عدد من أخوانه الجمهوريين الذين درجوا على استثمار اجازاتهم في نشر العلم، وفى بث الوعي بين صفوف المواطنين بشتى الوسائل والتى من أهمها عرض الكتاب الجمهوري..
وفى أثناء جولات الأخ أحمد بكتبه بأحد المجمعات للمصالح الحكومية.. والتى كان من بينها المحكمة الشرعية – استوقفه حاجب المحكمة الشرعية ((شاهد الاتهام الثاني))، والذي كان بجوار مخزن بالقرب من مكتب العامل القضائي، ثم طلب منه، بلهجة حادة، وبصوت مرتفع، أن يغادر هذا المكان، فأخبره الأخ أحمد بأنه يعرض الكتب الجمهورية.. ولكن الحاجب ظل رافعا صوته، وهو لا يكاد يسمع شيئا، من شدة الغضب، ولم يكشف عن هويته للأخ أحمد عندما طلب منه ذلك.. في هذه الأثناء استدعى العامل القضائي ابراهيم محمد مكي الحاجب، وسأله عما يجري، فأجاب الحاجب بأن شخصا يحمل كتب الشيوعيين، فطلب العامل القضائي إحضار ذلك الشخص، فلما مثل الأخ أحمد أمامه وجده يرتعد غضبا، وفى حدّة شديدة سأل الأخ أحمد: لماذا يفرضون كتبهم بالقوة على الناس؟ فنفى له الأخ أحمد ذلك، وأخبره بأن لكل مواطن حقه في الاختيار، عندئذ طلب منه القاضي الشرعي أن ينصرف، فلما انصرف، من مكتبه استدعى القاضي الشرعي أحد رجال الأمن وأمره بأن يفتح بلاغا ضد الأخ أحمد..
هذه هى الوقائع باختصار، ولعل القارئ الكريم يجد في تفاصيل هذه الوقائع القصور المزري الذي يتمتع به قضاة دوائر الأحوال الشخصية.. ولا يقومن في بال أحد ان هذا العامل القضائي قد كان بدعا من القضاة الشرعيين ... ومن ثم لا يصح الاحتجاج به في إدانة بقية زملائه، ذلك ان هذاالقصور صفة ملازمة لهم من أدناهم الى أعلاهم.. فلقد عرفنا لهم الكثير من المثالب في شتى المناسبات، وفى جميع العهود.. وبسبيل من هذه الاعتبارات جاء رأينا الثابت في تصفية هذا اللون من القضاء، وهذا اللون من القضاة تصفية نهائية وشاملة.. ((نرجو من القارئ الكريم ان يراجع كتبنا في هذا المجال وبخاصة وقائع قضية بورتسودان))
ان القصور الذي كشفت عنه القضية يمكن ان نجمله على النحو الآتي: -
أولا: القاضي الشرعي يضلّل رجل الأمن
لقد جاء في مناقشة محامي الدفاع لرجل الأمن الذي فتح البلاغ انه ما كان ليسعى لفتح البلاغ لولا الأمر الذي صدر له من العامل القضائي فهو لم يكن حاضرا وقت وقوع الحادث، ولا يعلم تفاصيل الجريمة المزعومة.. وقد جاء في شهادته أيضا انه لم يكن ليتخذ الإجراء الذي اتخذه، لو كان الأمر صادرا من مواطن عادي.. وهكذا قصّر هذا الرجل في أداء واجبه، وزجّ بمواطن برئ في الكثير من المشاق دون وجه حق.. وما كان لرجل الأمن هذا ان يوّرط نفسه لولا أنه قد انخدع بالقداسة الدينية والوضع الوظيفي لهذا العامل القضائي مما جعله يتوهم أنه يتلقى أوامر من جهة مسئولة تملك صلاحية ذلك..
ثانيا: المصحف لم يعصم القاضي الشرعي من تبديل أقواله
إنه لمن المحزن أن يبدّل رجل أقواله بعد أن أداها تحت القسم غير عابىء بحرمة المصحف الشريف!! فإن كان هناك من القرآء من عنده بقية أمل في قضاة دوائر الأحوال الشخصية فإننا نحيله لشهادة هذا العامل القضائي حتى يشهد بنفسه لنفسه مستوى هذا اللون من الرجال..
لقد جاء في شهادة هذا الرجل إنه لم يقرأ كتب الجمهوريين وان موقفه منهم هو الحياد، فلما سئل مرة أخرى ان الحياد نفسه لا بد ان ينبني على أساس، اضطر ان يقول انه قد قرأ كتب الجمهوريين ولكن قراءة سطحية..
هذه واحدة.. فما ظن القارئ الكريم؟؟
وأخرى!! جاء في بداية شهادته أنه فتح البلاغ لإساءة المحكمة ولإزعاج الأمن العام، فلما كشفت الأسئلة التالية جهله بالقانون وبإجراءات فتح البلاغ لإساءة المحكمة فضلا عن عدم معرفته بالمادة نفسها من قانون العقوبات اضطر الى ان يقول أخيرا أن موضوع الشكوى ((إزعاج الأمن العام)) وفى هذا تبديل لقوله الأول ثم أنه أراد أن يتخذ من هذا التبديل فضيلة حين ذكر أنه قد تنازل عن إساءة المحكمة، وفى ذات الوقت نسى هذا الرجل أنه قد تنازل عن موضوع إزعاج الأمن العام والذي كان خارج المكتب تنازل تنازلا ضمنيا حينما أمر الأخ أحمد بالإنصراف من مكتبه!! فلكأنه – الآن – يقاضي لغير سبب الاّ الرغبة المسبقة في إدانة الجمهوريين..
وثالثة!! ان ما ذهب اليه هذا الرجل يناقض شهادة حاجبه فبينما يقول الحاجب ان الأخ أحمد قد تفوّه بعبارات غير مسموعة عندما أمره العامل القضائي بالانصراف نجد أن العامل القضائي يقول إن الأخ أحمد قد تحدث مع الحاجب وبصورة استفزازية.. الأمر الذي لم يقل به الحاجب بل قال عكسه..
ونحن لا نريد أن نأخذ شهادة الحاجب مأخذ الجد الاّ بالقدر الذي يظهر التناقض بينه وبين رئيسه وذلك لأنها شهادة ضعيفة ولا قيمة لها إذ أنها تنطوي على الكثير من التلفيق والكذب الصراح...
ثالثا: بعض المفارقات في شهادة القاضي الشرعي
نرجو أن يلاحظ القارئ الكريم انه قد جاء في شهادة هذا العامل القضائي أنه في العادة يسمع الكثير من الأصوات خارج المحكمة ولكنه لم يأمر بفتح بلاغ ضد أى واحد من اؤلئك الأشخاص الذين تنبعث منهم تلك الأصوات.. وبالطبع فإن السؤال المطروح الآن هو لماذا أمر بفتح البلاغ في هذه الحالة بالذات.. والإجابة واضحة، إنها الخصومة الفكرية تحاول استغلال القانون وبصورة غبية!!
أضف الى هذا أن هذا الرجل قد أمر بفتح البلاغ دون أن يعلم أن الأخ الجمهوري هو الذي سبّب الإزعاج، فقد ورد في أقواله أمام محكمة الجنايات قوله ((أنا سمعت صوتين واحد عالي وواحد واطي وما عرفت الصوت العالي بتاع منو)).. فهل يتورّط في مثل هذا العمل الطائش رجل عادي فضلا عن القاضي الذي شرّفه القانون بأداء أرفع الواجبات وأدق الأعمال!!
أضف الى هذا أيضا أن هذا العامل القضائي لم يتخذ أي إجراء ضد الأخ أحمد عندما استدعاه الى مكتبه وإنما أمره بالإنصراف ثم غيّر رأيه فيما بعد واستدعى أحد رجال الأمن وطلب منه أن يقبض على الأخ أحمد وأن يفتح ضده بلاغا، كل هذا دون وجه حق، وهو لا يحق له الاّ ان يتقدم بشكوى لقاضي الجنايات مثله مثل أى مواطن عادي يطلب فتح بلاغ تحت المادة 127 ((إزعاج الأمن العام))
بعد كل هذا هل يصح أن يؤتمن أمثال هؤلاء الرجال على أدق القوانين.. قوانين الأحوال الشخصية؟