((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




علماء!! بزعمهم
الكتاب الثاني

الصلاة

الصلاة


أوردت مذكرة الأشياخ عن الأستاذ محمود محمد طه قولها: ((ومما يدعى أنه رفعت عنه الصلاة، وأن الزكاة ليست أصلا في الإسلام، وأن الجهاد ليس أصلا في الإسلام.. الى غير ذلك مما ينادى به))..
ويلاحظ القارىء، من الوهلة الأولى، ان الأشياخ في هذه المرة لم يوردوا نصا، ولا حتى مبتورا كما جرت بذلك عادتهم، عن فريّة رفع الصلاة التي يشيعونها بين الناس، في غير ورع ولا حياء، وذلك لعلمهم أن الأستاذ محمود لم يقل بذلك مطلقا.. وبرغم اننا من جانبنا قد واجهنا هذا الإدّعاء الباطل، وأوسعناه شرحا، وتبيينا، في كتبنا، ومحاضراتنا، وندواتنا، حتى عاد نغما شاذا لا يثار في وجهنا، أو في غيبتنا، الاّ ممن مردوا على التشويه، وخلق الأكاذيب، من أمثال شيخ الأمين داؤود، الذي يتولى الآن كبر هذا الإفك، كما تولى من قبل كبر محكمة الردة، حين زعم، أمام المحكمة، ان الأستاذ محمود محمد طه يقول: ((بأنه لا يصلي ويصرح بأنه واصل والواصل لا داعي ان يصلي))، وهو قول، كما سبقت الإشارة، لم يقل به الأستاذ محمود قط – انظر الصفحة (7) من كتاب محكمة الردة الطبعة الأولى رمضان 1388هـ، الموافق ديسمبر 1968م، وفى الصفحة (7) أيضا من نفس المصدر، يستطرد شيخ الأمين داؤود، أمام المحكمة، ليدلل على قوله السابق عن الأستاذ ((أنه لا يصلي ويصرح بأنه واصل والواصل لا داعي ان يصلي)) ذهب في استطراده ليقول:
((وبدليل ما جاء في كتابه رسالة الصلاة صفحة 46 حيث يقول - يعنى الأستاذ - : "ويصبح شأن الآية – ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا – مع المسلم الذي يمر بمرحلة الايمان.. الذي هو مرتبة الأمة الأولى.. ان الصلاة الشرعية في حقه فرض له أوقات يؤدي فيها – فاذا ارتقى بحسن أدائها، وبتجويد تقليد المعصوم، حتي ارتقى في مراقي الايمان، التي ذكرناها، حتي بلغ حق اليقين، وسكن قلبه، واطمأنت نفسه، فأسلمت، طالعه المعنى البعيد لكلمة ((موقوتا)) في الآية – ان الصلاة كانت علي المؤمنين كتابا موقوتا - وذلك المعني في حقه هو أن الصلاة الشرعية فرض له وقت ينتهي فيه، وذلك حين يرتفع السالك إلى مرتبة الاصالة، ويخاطب بالاستقلال عن التقليد، ويتهيأ ليأخذ صلاته الفردية من ربه بلا واسطة، تأسيا بالمعصوم، فهو حينئذ لا تسقط عنه الصلاة، وانما يسقط عنه التقليد، ويرفع من بينه وبين ربه، بفضل الله، ثم بفضل كمال التبليغ المحمدي، الحجاب الأعظم – الحجاب النبوي" ))

هذا ما نقله الأمين داؤود من "رسالة الصلاة" ويواصل فيقول الأستاذ محمود محمد طه حديثه على الصفحات 8، 9، 10 من كتاب "بيننا وبين محكمة الردة" فيقول:
((هذا ما نقله المدعي الأول بيده من "رسالة الصلاة" وهو نقل مخل ولا يعطي الفكرة بوضوح، ومع ذلك فإنه يظهر مبلغ تزييفه هو في نسبة ما نسب الينا.. ونحب أن يقارن الشعب بين قول الشيخ المدعي ((أنه لا يصلي ويصرح بأنه واصل والواصل لا داعي أن يصلي)) وقولنا، حتى في الحيز الذي نقله هو بيده، وعرضه على المحكمة وهو ((حين يرتفع السالك إلى مرتبة الاصالة، ويخاطب بالاستقلال عن التقليد، ويتهيأ ليأخذ صلاته الفردية من ربه بلا واسطة، تأسيا بالمعصوم، فهو حينئذ لا تسقط عنه الصلاة - وانما يسقط عنه التقليد))
ونحب أن يقارن الشعب بين قول الشيخ المدعي ((انه لا يصلي)) وبين قولنا ((فهو حينئذ لا تسقط عنه الصلاة وانما يسقط عنه التقليد))
اذا وضح من هذا أن الصلاة لا تسقط وانما يسقط التقليد يصبح قول المدعي الأول في حقنا أمام المحكمة ((وفات عليه أن الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه كان يصلي إلى أن التحق بالرفيق الأعلى حتي تورمت قدماه)) قولا في غير محله، وذلك لأن النبي لم يكن مقلدا لأحد من العالمين وانما كان أصيلا – هو لا تعترضه عقبة التقليد في الصلاة الشرعية وانما تعترض أمته من ورائه – وقد ورد هذا الأمر في كتابنا ((رسالة الصلاة)) صفحة 34 حيث يقول تحت عنوان التقليد ((صلوا كما رأيتموني أصلي))!! هكذا أمر النبي في تبليغ رسالة ربه.. فالصلاة معراج النبي بالاصالة ومعراج الأمة من بعده بالتبعية والتقليد..)..
أما أصحاب النبي فقد كانوا من المؤمنين، وقد سبقت الاشارة إلى أن المؤمنين لن ينفكوا عن التقليد، وانما يخاطب بسقوط التقليد من ارتفع درجات الايمان الثلاث، ودخل في درجات الايقان الثلاث، وبلغ مرتبة الاسلام الذي يمثله الرضا بالله..
وقال المدعي الأول أمام المحكمة في حقنا: ((وفات عليه كذلك أن الاسلام لا يعترف الا بصلاة واحدة هي التي تلقاها المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)) والمدعي يجزم بهذا القول ولا يتعرض، بأدنى اعتبار، للحديث المدعم بالآيات الكريمات الوارد في صفحة 15 من كتابنا، رسالة الصلاة، تحت عنوان ((الصلاة وسيلة)) حيث جاء.. ((والصلاة التي هي وسيلة، الصلاة الشرعية المألوفة في الحركات المعروفة، والأوقات، وهي وسيلة إلى المقام الذي يكون فيه الفرد في صلة تامة، وجمعية شاملة بربه، والقرآن في هذا الباب لا يحوجنا إلى طويل تفكير، فهو حاسم وقاطع.. فاسمعه يقول ((وأقم الصلاة، ان الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون)) واسمعه يقول أيضا ((وأقم الصلاة لذكري)) وذكر الله في هذه الآية، وفي سابقتها، الحضور مع الله بلا غفلة، ووسيلته الصلاة) هذا ما ورد في كتاب رسالة الصلاة.. والآن فما رأي المدعي، وما رأي المحكمة، إذا قيل لهما أن ذكر الله الوارد في هذه الآية، وفي سابقتها هو الصلاة التي (يعترف) بها الاسلام اعترافا بوأها مكان الغاية من صلاته الشرعية.. وهي الصلاة التي عبر عنها النبي بقوله ((الصلاة معراج العبد إلى ربه))؟؟
ان الأمر في هذا الباب أعمق وأجل من أن يقابل بهذه البساطة، وهذه السذاجة، لأنه أمر يتعلق بالحقائق المتصلة بأصول الدين، وبحرية الانسان، وبحياة الانسان.. نحن نعلم أن هذا الأمر غريب علي الشيخ المدعي، ولكنه حق، وقد تكون غرابته مدعاة صحته، عند كل ذي بصيرة.. ألم يقل المعصوم ((بدأ الدين غريبا وسيعود غريبا كما بدأ..)) الا يوجب هذا القول الكريم اصطناع الاناة، والتريث، والاعتصام عن التقحم الطائش؟؟
هذا وانا لندعو الشعب عامة إلى الرجوع إلى كتابنا ((رسالة الصلاة)) فإن فيه توضيحا لكل المسألة بصورة، أقل ما فيها أنها توجب على العلماء احترام الأمر الى الحد الذي يعصمهم عن التسرع الذي تورط فيه الشيخ الامين داؤود محمد))

الى هنا ينتهي حديث الأستاذ محمود من كتابه "بيننا وبين محكمة الردة" ومنه يتضّح للقراء كيف اننا قد رددنا على هذه الفرية في وقتها، ولكن "أشياخ" آخر الزمن لا يزالون يرددون فريتهم القديمة ليضلوا عن سبيل الله بغير علم.. هذا وإننا قد أوسعنا "أمر الصلاة" شرحا وتبيينا في كتابنا "رسالة الصلاة" و"تعلموا كيف تصلون" و"الميزان بين محمود محمد طه والأمانة العامة للشئون الدينية" ولكن الأشياخ، كما سبقت الإشارة، ما فتئوا يفترون على الناس الكذب، لا لشيء الاّ لأنهم، كما يفتقدون الأمانة الفكرية يفتقدون العلم، الذي يؤهلهم لمواجهة هذه القضية في أبعادها الكبيرة..