إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

قضية بورتسودان
البداية والنهاية

جلسات المحكمة العشر


في يوم الإثنين 2/6/1975 بدأت المحاكمة، وكان قاضي الموضوع هو الأستاذ عثمان مكي، وممثل الاتهام الأستاذ عثمان أحمد عبد الهادي المحامي.. أما الأخوان الجمهوريون فقد تولوا أمر الدفاع عن أنفسهم.. فيما عدا الأخوين خيري وهلاوي.. وقد كان الأخيران يمكنهما تولى الدفاع عن نفسيهما، ولكننا قصدنا الى اشراك الأستاذ أحمد سليمان دفع السيد المحامي في الدفاع، لأنه من الأخوان الجمهوريين أيضا..
استمرت إجراءات المحكمة حتى 12/6/1975 وقد غمر الأخوان الجمهوريون المدينة بنشاط واسع في تلك الأيام الخالدة، ورجّوها رجا، حتى أهتزت من أدناها الى أقصاها.. فقد تقاطر على المدينة في تلك الأيام أعداد كبيرة من الأخوان الجمهوريين من مختلف أرجاء القطر..
لقد كانت الكتب، والنشرات، توزع بالآلاف.. وهي جميعها كانت متعلّقة بالقضية، مما جعل الشعب يتلقفها بإهتمام بالغ، وبحرص شديد، فكانت صورة من صور الثورة الفكرية التي التقى فيها الفكر بالواقع... كانت مناشيرنا هي 1- بيننا وبين محكمة الردة 2- مهزلة محكمة الردة مكيدة سياسية 3- القضاة الشرعيون أكبر عقبة أمام عودة الدين 4- المؤامرة من جديد؟؟
لم يكتف شعب بورتسودان بمجرد شراء الكتب، وإنما لمسنا منه مشاركة حقيقة، وإهتماما زائدا، وتساؤلا مستمرا، عن طبيعة القضية، وعن رأينا في القضاء الشرعي.. هذا بالإضافة الى روح الثورة الفكرية التي انتظمت جميع أفراد الشعب، وهم يتسآءلون عن "الدعوة الإسلامية الجديدة" مما يصعب نقله، ونشره، في هذه العجالة.. أيضا يضاف الى هذا الإقبال الشديد، والتزاحم المتصل، على ساحة المحكمة لمتابعة سير القضية، ومشاهدة الأستاذ محمود محمد طه.. هذا وقد كان الكثيرون يقبلون على ساحة المحكمة، منذ الساعات الأولى من الصباح، حرصا على وجود الفرصة للدخول في قاعة المحكمة، مما اضطر معه سلطات الأمن لمراقبة الموقف والتدّخل في تنظيم الدخول على نحو حرم الكثيرين من إيجاد الفرصة لدخول القاعة بسبب من ضيق القاعة نفسها، والتي فاضت بمن وجدوا الفرصة اليها.. هذا وقد كانت الإقتراحات بنقل المحكمة لساحة عامة، أو لقاعة المجلس البلدي، أمرا مسموعا دائما... وهكذا سار الحال على نحو أقوى مما وصفنا طيلة تلك الأيام العجيبة..
عقدت المحكمة عشر جلسات.. استمعت خلالها للمتحري، وللشاكي، ولإثنين من شهود الاتهام.. ولقد نقلنا لشعبنا الكريم تفاصيل تلك الجلسات في سلسلة من الكتب أسميناها "وقائع قضية بورتسودان بين من كانوا يسمون بالقضاة الشرعيين والفكرة الجمهوري" مما يغني عن الإعادة، والاستطراد، هنا، مما يجعلنا نكتفي في هذا المقام بمحاولة لإبراز أهم المعالم في تلك الجلسات: -
أولا: - لقد واجه الأخوان الجمهوريون شهود الاتهام بالوثائق الدامغة الدالة على فساد القضاء الشرعي.. وكان ذلك في مناقشة علمية هادئة، شلت تفكير الاتهام، وربكت خطته، حتى أن السيد ممثل الاتهام قد وجد نفسه مضطرا للإستغناء عن ثمانية من شهود الاتهام، البالغ عددهم عشرة شهود، بالإضافة الى المتحري، والشاكي: الشيخ إبراهيم جاد الله..
لقد كان شهود الاتهام، في حقيقتهم، شهودا للدفاع وذلك لما اتسمت به إجاباتهم على أسئلة الدفاع من تناقض، ومراوغة، وإلتواء عن الحق، وكذب صراح، وجهل مفضوح، تحدث بنفسه عن نفسه، بصورة ما كنا نستطيع إبرازها لولا أن الله قد قيّض لنا هؤلاء الشهود..
ومن حسن التوفيق الإلهي ان شهود الاتهام قد كانوا ممثلين لقبيل كبير من السلفيين، مما وضع هذه القضية الهامة في موضعها الصحيح، في إطار الصراع الفكري القائم بين "الدعوة الإسلامية الجديدة" وبين الدعوة السلفية..
ونحن، من جانبنا، لم يكن من خطتنا في الدفاع توريط شهود الاتهام فيما تورطوا فيه.. بل إن الملاحظ الفطن ليلمح في أسئلة الأستاذ محمود محمد طه، والتي نشرت على الشعب، محاولات جادة، وصادقة، لإنقاذ خصومنا، (شهود الاتهام) ليقولوا الحق، وليلتزموا الصدق.. ولكنهم هم الذين استحبوا العمى على الهدى.. فنرجو لهم، من الله، الغفران العظيم..
ونحن لا نحب الخوض في تقويم هذه الشهادات الآن، فإن موعدنا مع ذلك سفرنا المقبل عن خط الدفاع، والذي هو الآن تحت الإعداد..
ثانيا: لقد ثبت، أمام المحكمة، تواطؤ الشيخ الجزولي نائب رئيس المحكمة العليا في قضية بورتسودان، فقد جاء على لسان ممثل الاتهام أنه مفوّض من الشيخ الجزولي للمقاضاة باسم القضاة الشرعيين في كل السودان، مما يوضّح الحجم الحقيقي للمؤامرة...
ثالثا: - حاول السلفيون استغلال قضية بورتسودان لوقف نشاط الجمهوريين، فقد تقدّم ممثل الاتهام بطلب مستعجل للمحكمة لإصدار أمر بحظر تداول المنشورات التي تهاجم محكمة الردة والقضاة الشرعيين بدعوى أنها تحتوي على القذف موضوع الاتهام.. ولقد اعترضنا على هذا الطلب في حينه لأن هذه قضية فكرية، والكتيبات تسير في اتجاه توعية الرأي العام، وتثقيفه، وتعليمه، وهو أمر ليس بالجديد على الحركة الجمهورية.. فقد ظلت الحركة الجمهورية منذ وقت طويل، تنتقد القضاء الشرعي، وتوضّح تضليله، واستغلاله الدين لأغراض السياسة، ولذلك فان هذا الطلب يعني ايقاف جزء هام من نشاط الجمهوريين، والباس ذلك ثوب الإجراءات القضائية..
رفضت المحكمة طلب ممثل الاتهام.. وقد جاء قرار السيد القاضي على النحو الآتي: (هذا البلاغ، فتحه الشاكي، بسبب المعلقات التي كانت معروضة، بنادي الخريجين بتاريخ 26/4/1974، والتي كانت تحمل بعض العبارات التي اعتبرها الشاكي تحط من قدره، وتسئ الى سمعته.. نظرت المحكمة في الدعوى ووجدتها تخص الملصقات، وهي موجودة في المحكمة ولا تخص الكتيبات..
أمر المصادرة خارج إختصاص هذه المحكمة، والملصقات التي فتح فيها البلاغ موجودة بالمحكمة كمستندات، وسوف يتقرر في مصير هذه المستندات.. لهذا ترفض المحكمة طلب ممثل الاتهام..)..
بعد ذلك جرت مشاورات لتحديد موعد لمواصلة القضية، وحددت المحكمة أن يكون يوم 11/10/1975 هو تاريخ مواصلة القضية.. حاول السيد ممثل الاتهام التعجيل بالقضية فأستأنف القرار للسيد قاضي المديرية، وكانت نتيجة هذا الإستئناف أن حدد تاريخ مبكر هو 20 أغسطس للاستمرار في إجراءات القضية، فاستأنفنا نحن هذا القرار لمحكمة الاستئناف، التي أبقت على التاريخ الأصلى، أى 11/10/1975