في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search
الموقف السياسي الراهن والحقوق الأساسية

أمدرمان - دار الحزب الجمهوري
٢٨ فبراير ١٩٦٩

الجزء الرابع

الأستاذ محمود: الناس الماشين وراها أنا بفتكر أنه عندهم سذاجة في القاعدة شديدة، الواحد قد لا يلوم عامة الشعب على السذاجة والطيبة دي لكن الإنسان اللي نال حظ من التعليم حقو يكون أذكى من أن يسير.. القمة نحن ما بنحاسبها لأنها منتفعة بالتنظيم ما بنحاسبها في المرحلة الحاضرة لأنها ما بتسمع لكن أنا متأكد من حاجة، أنه راح يجي وقت للشعب دا ليحاسب الناس وما تتصوروا أنه مسألة التطهير في ثورة أكتوبر كانت عبث، ما تمت لكن كانت تمني الشعب.. بتجي المرحلة البيمكن التطهير فيها أن يكون نافذ.. لأنه الشعب في الوقت داك بكون أقوى مما كان هسع.. الحاجة اللي خلت مسألة التطهير ماعت أنه الناس المطهرين قدروا يستولوا على السلطة ولذلك موعوا التطهير.. لكن راح يجي مرحلة تانية، الناس المطهرين راح يتطهروا تماماً، والناس المحاسبين راح يُحاسبوا تماماً.. انحن هسع في المرحلة دي ما بنقدر نقول أنه كلامنا دا ينصرف لزعماء التنظيمات المنتفعين من إستغلال الإسلام، لكن ممكن أن يمشي ليهم كتحذير.. من المؤكد أنه راح تكون عواقب اللعب بالشعب دا ماها مأمونة.
الموقف السياسي الراهن في السياسة الخارجية ردئ.. وبرضو ماهو أمر جديد.. هو دايماً بتلقى إنت السياسة الخارجية إنبثاقات للسياسة الداخلية.. بمعنى أنه الحكومة الوثيقة المقبولة المطمئنة إلى وضعها في الداخل بتستطيع أن تكون حكومة قوية في الخارج.. لا يمكن أن تكون حكومة مهزوزة في الداخل عندها في الخارج صوت أو شخصية.. كل ما قيل عن السياسة الخارجية دايماً من جميع النقاد أنه سياستنا الخارجية تابعة.. تابعة تبعية شنيعة.. السياسة الخارجية بصنعها جمال عبد الناصر.. سياسة العرب كلهم تقريباً بصنعها جمال عبد الناصر.
جمال عبد الناصر بدا ضعفه بصورة واضحة، لكن كثير من الناس ما قادرين يوافقوا أو يروا الصورة دي.. الكُتّاب بصورة معينة عندنا نحن الفي السودان.. صحفنا لغاية الآن مُضللة في الإتجاه دا.. لغاية الآن ما حد قدر يقول أنه إتجاه السياسة العربية اللي تابع ليها السودان بالصورة دي، إتجاه خطير.. إتجاه خطأ.. نحن الجمهوريين لمن إتكلمنا عنو كانوا في بعض الناس البعتقد أنه الجمهوريين مخذلين، الجمهوريين متعاطفين مع إسرائيل، الجمهوريين ماهن عمليين، الجمهوريين.. كل الإتجاهات كانت بترمينا نحن بشتى الظنون مع أنه الكتاب الكتبه الحزب الجمهوري الناس ماشين ليه ونزلوا عن مستوى طلبات الحزب الجمهوري في المفاوضة؟.. هسع في الوقت الحاضر إتجاه جمال عبد الناصر لإزالة آثار العدوان.. إزالة آثار العدوان معناه الرجوع عن الأراضي اللي أُخذت في سنة سبعة وستين.. دي ما قادر يصل ليها.. ما خلى حاجة.. في الحقيقة ماع في كل جهة.. والكتابة اللي جاتكم هنا وجريدة الراي العام نشرت بعضها أنه المقابلة اللي أجريت مع الصحفي الأمريكي، كان لسان جمال عبد الناصر فيها مزدوج.. كان في كلام يقوله للغرب وكلام يقوله للداخل ترجمته الأهرام بصورة فيها تمليق وتضليل للشعب العربي.. الكلام دا نحن قلناه بدري.. في كتاب الشرق الأوسط مرصود الآن أنه في لسانين بخاطبوا بيهن الزعماء العرب العرب- الشعوب العربية بتكلموا مع الخارج كلام وبتكلموا مع الداخل كلام.. قبل أيام قليلة جابتو الرأي العام في صفحتها الأخيرة كترجمة وضعتها الأهرام لتساؤلات في الغرب فُهمت بصورة وعند العرب فُهمت بصورة تانية.. قالت بعض الصحف، جابت قالت حكمة اليوم، نشرتها الصحف الإسرائيلية.. حكمة اليوم قالت.. حكمة اليوم قال فيها جمال عبد الناصر للصحفي الأمريكي إنتو بتطالبونا بالمفاوضات مع إسرائيل هل إنتو مستعدين تفاوضوا إنسان إحتل أراضي الولايات المتحدة قبل ما يجلو منها؟ بعدين قال ليه أنا أكلمك بحاجة، نحن قبل كدا فاوضنا اليهود في هدنة سنة تسعة وأربعين.. فاوضناهم ونحن مستعدين نفاوضهم الآن ، دا كان الكلام بتاع جمال عبد الناصر للصحفي، بعدين الصحف الإسرائيلية نشرته كحكمة اليوم لأنه فيه بلاهة ظاهرة.. بمعنى بتقول إنت أنه هم يجلوا أول شئ من أراضينا بعدين نحن نفاوضهم.. لنفاوضهم من موقف قوة.. كأنك بتقول ليهم إنتو أقيفوا موقف الضعف وأدونا فرصة لنقيف موقف قوة لنفاوضكم.. كأنك بتقول نحن بالسلاح ما قدرنا أن نزيلكم لكن إنتو زولوا عشان نفاوضكم.. أنا أفتكر أنه أي إنسان سياسي بسيط ما يفهم الكلام دا إلا كلام غبي لكن نحن هنا السودانيين اللي تابعين بدون فهم، صحفنا تمشي في التطبيل بإستمرار للإتجاه دا.. ما نستطيع أن ننقد حكومتنا ولا نستطيع أن ننقد القيادات التانية.
الشعوب العربية خذلانها جايي من الزعماء العرب.. الشعب السوداني خذلأنه جايي من قياداته موش منو هو.. والشعب السوداني دلل على المسألة دي لأنه إنتصر في ثورة أكتوبر بدون زعامات ولو كانت فيه زعامات؟ ثورة أكتوبر ما كانت تقوم.. الشعوب العربية بتنتصر إذا كانت زالت منها الزعامات الإستذلتها هسع وجعلتها تابعة.. ومافي شعب بحارب إذا كان هو ما كريم.. الحرب عمل الأحرار موش عمل العبيد.. زعاماتنا قايمة على أن تذل الشعوب ثم تطلب منها أن تنتصر بيها ثم تضللها ثم بإستمرار الإتجاه خطأ.
أنا بفتكر أنه سياستنا نحن، موقفنا السياسي ردئ جداً في الداخل وفي الخارج.. وسببه هو أننا شعبنا ما بلغ مستوى الوعي ليمسك مصير قضيته في إيدو.. زعمانا جهلة.. آفة البلد دا أن الجهل حاكم.. آفة الشرق كلو أنه الجهل حاكم.. الحزب الجمهوري قال مشكلة الشرق موش هي إسرائيل.. وأنا أؤكدلكم هسع لو بأي سبيل من السبل إنتصروا العرب على إسرائيل ورموها في البحر، يكون العمل دا ضار بالعرب في حقيقة قضيتهم، لأنهم راح ينطلي عليهم الفشل الحقيقي اللي هم منطوين عليه.. مشكلة العرب الحقيقية، إسرائيل ماهي إلا نتيجة ليها، إسرائيل ما سبب مشكلة العرب، إسرائيل نتيجة لمشكلة العرب.. زي مسألة الألم الإنسان المريض بتألم، الطبيب الجاهل هو البحاول أن يخدر الألم ويزيلو يخلي المرض موجود، الطبيب العارف بتابع بالألم مصدر الداء ليستله.. الألم دليل على المرض.. إسرائيل دليل على مشكلة الشرق ومشكلة الشرق هي أنه الشرقيين ما بيعيشوا في التاريخ المعاصر.. العرب بعيشوا خارج التاريخ.. لا هم بعيشوا ماضيهم من الإسلام الصحيح ولا هم بعيشوا حاضرهم من المدنية الغربية الصحيحة.. العرب مشكلتهم أنهم بعيشوا على قشور المدنية الغربية وقشور الإسلام. إذا كان نحن إنتصرنا على إسرائيل بمساعدة روسيا قول، ودا إحتمال بعيد، لكن لو فرض أننا إنتصرنا على إسرائيل بمساعدة روسيا، كل اللي حصل أنه المرض الحقيقي إختفى عن أعيننا لنغيره.. يبقى الشعب العربي عايش في غفلة.. هسع المحاولة الجارية هي أن ننتصر على اليهود بمساعدة روسيا.. في الجيش المصري يقال أنه في أكثر من أربعة آلاف خبير.. من صول التمرين وإنت طالع روس.. كأنما قيل كأنه العبارة بتقول أنه العرب ما بستطيعوا أن يمرنوا جيوشهم وأن يخططوا الخطط البنتصروا بيها في الحرب، عايزين يستعينوا بالروس.. السلاح روسي، قطع الغيار بتاعاتو روسية، الناس البمرنوا العرب عليه روس، يمكن أن تكون القيادات البتخطط روس.. بعدين جايز جداً الضابط المصري ما يستطيع أن ينفذ الخطة الروسية زي ما ما إستطاع أن يستعمل السلاح الروسي يبقى الإتجاه لي أن ننتصر بجهة من العمل الماشى عليه جمال عبد الناصر خطأ أساساً ولو فرض أننا إنتصرنا يكون قضيتنا ومشكلتنا باقية وكل ما هناك أننا عميناها عن أنفسنا.. والتعمية هي سياسة زعماء العرب في الحاضر، تعمية هنا عندنا والتعمية عندهم.. التعمية عندنا ماشة في إتجاه الدستور الإسلامي ولذلك نحن نفتكر أنها خطيرة.
الموقف السياسي الراهن إنتو شايفنو بالصورة دي، الحقوق الأساسية فيه مهدرة، هي مهدرة في البلاد العربية بصورة أفظع مننا.. لو كان الإنسان ما عندو إلا أن يختار بين شرين، أنا أفتكر نحن السودانيين محسودين على حالتنا الحاضرة.. نحن السودانيين عندنا ديمقراطية في الدول العربية كلها مافي.. أنا اؤكدلكم أنه في إفريقيا كلها مافي.. هسع وضعنا دا كناس عندنا فرصة في الديمقراطية، هذا الوضع محسود، وأنا أؤكدلكم محسود من المصريين بصورة خاصة.. البلد دا هسع إنملأ بالمصريين، أنا أفتكر أحسن نحن نكون واضحين في المسألة دي.. في نفوذ مصري كبير والنفوذ المصري دا ماشي بتغلغل، وأنا أعتقد أنه مهدوا ليه الناس اللي كانوا صنايع لمصر.. كان زمان حزب الأمة هو الدعامة البتمنع النفوذ المصري.. السياسة في حركتنا السياسية، حركتنا الوطنية لمن البلد كان مقسوم بين إستقلاليين وإتحاديين.. كانت ميول الإتحاديين بدت.. الناس المن جيلنا نحن بيعرفوا الحكاية دي من الإندماج التام مع مصر، إلى الوحدة، إلى الإتحاد، إلى الإستقلال.. المسائل دي إتطورت بالشكل دا.. كانت الدعوة إلى التاج المصري الموحد وكان في حاجة إسمها حزب وحدة وادى النيل.. وكانوا في الناس اللي بقولوا أنه نحن بينا وبين مصر جدار نزيل الجدار دا ليتصل الشعب المصري والشعب السوداني ليكون في وحدة تامة في إندماج تام.. الإتجاهات دي كان يقابلها من الجانب الإستقلالي أشد النفور من المصريين وأشد الإتهام ليهم.. والحقيقة كانت السياسة المصرية واضحة.. في زمن الباشوات كانوا بقولوا أنه السودان هو المجال الحيوي لمصر، المجال الحيوي بمعنى أنه أراضي السودان الخصبة واسعة ومياهه كثيرة وسكانه قليلين وأقل مهارة من المصريين، وأنه عدد السكان المصريين كبير جداً ومجاله في الأرض ضيق.. فالمجال الحيوي معناه أنه الهجرة المصرية من المصريين للسودان هي البتعطي الشعب المصري فرصة حيوية في إستغلال الأراضي الموجودة هنا.. وكانوا بطبيعة الحال برفضوا أن تكون حكاية السودان حكاية شعب وقطر يستقل.. الحركة الإستقلالية كانت شديدة النفور من الوضع دا وأنا الحاجة الأؤكدها ليكم أنه السودانيين كلهم، السودانيين كلهم ما بفرطوا في مسألة الإستقلال دا.. كانت في قيادات.. القيادات كانت منتفعة.. القيادات البتتكلم بالصورة دي كانوا موظفين مصريين تماماً وبتلقوا أموال مصرية.. لمن جات المسألة بتاعت حلايب لو إنتو بتتذكروا مسألة حلايب لمن دخلوا المصريين وغرزوا البيرق بتاعهم في قطعة من البلاد، في الشمال الشرقي فيها نزاع، عبد الله خليل كان الحاكم.. عبد الله خليل أدا أوامر بالضرب تمام إذا كان ما ينزعوا العلم بتاعهم ويتراجعوا، وإتراجعوا فعلاً.. في المرحلة ديك ما كان في إتحادي وإستقلالي.. الشعب السوداني كلوا هب في غيرة شديدة أنه الأرض دي لازم تكون سودانية وأنه المصريين إذا تدخلوا في المسألة دي يضربوا .
حزب الأمة أنا أفتكر ما عندو حسنة أكبر من حسنة الإستقلال دي ومحاربة النفوذ المصري.. حزب طائفي أنا ضده على طول المدى، لكن في الوقت الحاضر ضعف جانب منه مشى مع الناس المهدوا للمصريين أن يكون عندهم نفوذ في البلد ويتدخلوا.. والجانب التاني إنعزل، ماها تحت قيادة قوية ما إستطاع أن يكون معارضة كافية.. ولذلك النفوذ المصري أصبح يتغلغل في بلدنا دا بصورة مزعجة بإسم الدين وبإسم التعليم وبإسم العلماء البجونا هنا.. نحن شفنا إطلاعاتنا على قراياتهم وكتاباتهم ومقالاتهم.. جهالة واضحة لكنها برضو إستغلال للدين في سبيل التدخل في سياسة البلد دا..